البلاستيك بين الراحة والخطر: هل ما زالت قنينات المشروبات آمنة بعد رحلة طويلة تحت الشمس؟

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
الملخص
هل تعلم أنه عندما تشتري قنينة ماء أو مشروب غازي، فإن رحلتها لم تبدأ عند المتجر الذي اقتنيتها منه، بل قبل ذلك بوقت طويل؟ فقد تكون مرت عبر المصنع، ثم المستودعات، ثم الشاحنات، ثم نقاط البيع، وربما تعرضت خلال هذه الرحلة لساعات أو أيام من الحرارة المرتفعة وأشعة الشمس المباشرة. صُممت قنينات المشروبات البلاستيكية، وخاصة تلك المصنوعة من بلاستيك PET، لتكون آمنة عند استعمالها وتخزينها وفق الشروط الموصى بها. غير أن الدراسات العلمية تشير إلى أن التعرض المطول للحرارة قد يسرّع تدهور المادة البلاستيكية، ويزيد من تحرر بعض المركبات الكيميائية والجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي أصبحت اليوم موضع اهتمام متزايد لدى الباحثين وخبراء الصحة والبيئة.
ولا تتوقف القضية عند ما يوجد داخل القنينة فقط. فبعد التخلص منها، قد تبقى في البيئة لعشرات أو مئات السنين، لتتحول تدريجياً إلى جسيمات دقيقة تنتشر في التربة والأنهار والبحار والهواء، وقد تعود في النهاية إلى الإنسان عبر الماء والغذاء والسلسلة البيئية. ويكشف هذا الواقع عن أهمية عامل غالباً ما يُهمل في النقاش، وهو ظروف النقل والتخزين والعرض. فسلامة المشروب لا تعتمد فقط على جودة التصنيع، بل أيضاً على الطريقة التي يُحفظ بها حتى يصل إلى المستهلك. ولهذا تفرض العديد من الدول المتقدمة معايير صارمة للتخزين والنقل، وتستثمر في التوعية وإعادة التدوير والرقابة المستمرة.
وفي المغرب، تبرز الحاجة إلى دراسات ميدانية محلية تقيس ما يحدث فعلاً لقنينات المشروبات خلال فصل الصيف، وتوفر بيانات علمية دقيقة تساعد على اتخاذ القرارات المناسبة. فالهدف ليس إثارة الخوف أو التشكيك في المنتجات المتداولة، بل تعزيز ثقافة الوقاية والشفافية وحماية حق المستهلك في الحصول على منتج آمن ومعلومات موثوقة. فبين القنينة التي تغادر المصنع والقنينة التي تصل إلى يدك رحلة طويلة تستحق أن تُفهم، لأن صحة الإنسان وحماية البيئة تبدأان أحياناً من تفاصيل صغيرة نراها كل يوم ولا نتوقف عندها كثيراً.
Abstract
Have you ever wondered what happens to a plastic water bottle before it reaches your hands? A bottle of water may spend days moving through warehouses, delivery trucks, and retail stores before it is purchased. In hot climates, it can also face long periods of exposure to high temperatures and direct sunlight. These conditions raise an important question: does heat affect the quality of the water and the plastic container that holds it?
Most bottled water is sold in PET plastic bottles. Under normal storage conditions, these bottles are considered safe for food and beverage use. However, scientific studies have shown that prolonged exposure to heat can accelerate the aging of plastic and increase the release of tiny plastic particles known as microplastics. Researchers are still studying the long-term health effects of these particles, but their growing presence in water, food, air, and even human tissues has become a global concern. The issue does not end when the bottle is emptied. Plastic waste can remain in the environment for decades. Over time, sunlight, wind, and weather break larger plastic items into smaller fragments that spread through soil, rivers, oceans, and the food chain.
Many developed countries address these concerns through strict storage and transport standards, consumer awareness campaigns, and efficient recycling systems. Morocco has made progress in several areas, yet important questions remain. How hot do bottled drinks actually become during transport, storage, and display in summer? Do local climatic conditions affect water quality or microplastic levels? Answering these questions does not require a massive investment. A simple national field study could provide valuable evidence and help guide better practices. The goal is not to create fear. It is to improve transparency, strengthen consumer protection, and ensure that decisions are based on data rather than assumptions. Sometimes, protecting public health starts with understanding the everyday products we rarely think about.
الكلمات المفتاحية: البلاستيك الغذائي | الجسيمات البلاستيكية الدقيقة | سلامة المياه المعبأة-Food-grade Plastic – Microplastics -Bottled Water Safety
المقدمة
أصبحت القنينات البلاستيكية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للمغاربة، شأنها في ذلك شأن معظم دول العالم. فالمياه المعدنية والمشروبات الغازية والعصائر ومختلف المشروبات المعبأة تُستهلك يومياً بملايين الوحدات، بفضل ما توفره هذه القنينات من سهولة في النقل والتخزين وانخفاض في التكلفة مقارنة بالعبوات الزجاجية أو المعدنية. وقد ساهم هذا الانتشار الواسع في جعل البلاستيك أحد أكثر المواد استعمالاً في قطاع الصناعات الغذائية والمشروبات.
غير أن هذه الراحة الظاهرة تخفي وراءها أسئلة مشروعة تتعلق بصحة الإنسان وسلامة البيئة، خاصة في البلدان ذات المناخ الحار أو التي تشهد فترات طويلة من التعرض لأشعة الشمس، كما هو الحال في العديد من مناطق المغرب. فالمستهلك يشتري قنينة ماء أو مشروب غازي وهو يفترض أن المنتج الذي بين يديه قد خضع لمعايير دقيقة تضمن سلامته من لحظة خروجه من المصنع إلى لحظة استهلاكه. لكن هل تبقى هذه السلامة مضمونة بعد ساعات أو أيام من التعرض للحرارة المرتفعة وأشعة الشمس المباشرة أثناء النقل أو التخزين أو العرض أمام المحلات التجارية؟
لقد أصبحت هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً خلال السنوات الأخيرة مع تزايد الدراسات العلمية التي تناولت انتقال بعض المركبات الكيميائية من العبوات البلاستيكية إلى الأغذية والمشروبات، وظهور أبحاث جديدة حول الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics) التي عُثر عليها في المياه المعبأة وفي العديد من المنتجات الغذائية حول العالم. ورغم أن الهيئات الصحية الدولية ما تزال تعتبر العبوات البلاستيكية الغذائية آمنة عند استعمالها وفق الشروط المحددة، فإن عدداً متزايداً من العلماء يدعو إلى مزيد من الحذر والبحث العلمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتعرض المتكرر للحرارة المرتفعة أو بإعادة استعمال القنينات خارج الغرض الذي صُممت من أجله.
وفي المغرب، حيث يمكن أن تتجاوز درجات الحرارة في بعض المناطق 40 درجة مئوية خلال فصل الصيف، وحيث تُشاهد أحياناً قنينات المشروبات معروضة تحت أشعة الشمس المباشرة أو مخزنة في ظروف قد لا تكون مثالية، يبرز سؤال يستحق النقاش العلمي والمهني: هل تُحترم بالفعل جميع شروط السلامة التي تضمن بقاء هذه القنينات ضمن الحدود الآمنة؟ وهل يحصل المستهلك على المعلومات الكافية التي تمكنه من اتخاذ قرار واعٍ بشأن طريقة شراء هذه المنتجات وتخزينها واستهلاكها؟
لا يهدف هذا المقال إلى إثارة الخوف أو التشكيك في كل ما هو مصنوع من البلاستيك، بل إلى فتح نقاش علمي موضوعي حول واقع استعمال قنينات المشروبات في المغرب، ومقارنة الممارسات السائدة محلياً بما هو معمول به في العديد من الدول المتقدمة، مع تسليط الضوء على أحدث المعطيات العلمية المتعلقة بصحة الإنسان، وحقوق المستهلك، وضرورة تعزيز ثقافة الوقاية والشفافية في كل ما يتعلق بالمنتجات التي نستهلكها يومياً.
رحلة قنينة المشروب من المصنع إلى أجسادنا
في يومٍ صيفي حار، قد يتوقف أحدنا أمام متجر صغير على جانب الطريق ليشتري قنينة ماء باردة أو مشروباً غازياً يخفف عنه وطأة العطش. يلتقط القنينة بسرعة، يشرب محتواها مطمئناً، ثم يلقيها جانباً دون أن يخطر بباله أن هذه القنينة نفسها ربما قضت ساعات طويلة أو أياماً كاملة تحت أشعة الشمس الحارقة، أو داخل شاحنة مغلقة ارتفعت حرارتها إلى مستويات تفوق بكثير ما توصي به المعايير الصحية. وبين لحظة خروجها من المصنع ولحظة وصولها إلى يد المستهلك، تكون قد مرت برحلة طويلة لا يعرف تفاصيلها إلا القليل.
لقد أصبح البلاستيك أحد أكثر المواد حضوراً في حياتنا اليومية. فهو يرافقنا في المياه المعدنية والمشروبات الغازية والعصائر، وفي العديد من المنتجات الغذائية التي نستهلكها دون تفكير. ولا شك أن هذا الاختراع قد قدم للبشرية فوائد كبيرة، إذ خفّض تكاليف النقل والتخزين، وسهّل الوصول إلى المياه والمشروبات في مختلف المناطق، وساهم في تطوير الصناعات الغذائية بشكل غير مسبوق. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان البلاستيك مفيداً أم لا، بل ما إذا كانت طريقة استعماله وتخزينه ونقله تحترم دائماً الشروط التي تجعله آمناً على صحة الإنسان.
في المغرب، كما في العديد من الدول ذات المناخ الحار، يشاهد المواطن يومياً قنينات المشروبات مكدسة أمام المحلات التجارية، أو موضوعة فوق الأرصفة وتحت أشعة الشمس المباشرة لساعات طويلة. كما يشاهد شاحنات النقل وهي تجوب الطرقات في درجات حرارة قد تتجاوز أربعين درجة مئوية خلال فصل الصيف. وقد اعتاد الناس على هذا المشهد حتى أصبح جزءاً من الحياة اليومية، لكن القليل منهم يتساءل: ماذا يحدث لهذه القنينات عندما تتعرض لكل هذه الحرارة؟ وهل تبقى محتوياتها محافظة على الجودة نفسها التي كانت عليها عند مغادرتها المصنع؟
إن هذا التساؤل ليس وليد الخوف أو المبالغة، بل هو سؤال علمي مشروع تفرضه التطورات الحديثة في مجال الصحة العامة وسلامة الأغذية. فخلال السنوات الأخيرة، نشرت مئات الدراسات حول تأثير الحرارة والضوء والزمن على المواد البلاستيكية المخصصة للأغذية والمشروبات، كما ازداد اهتمام العلماء بظاهرة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي أصبحت تُكتشف في المياه والهواء والتربة وحتى داخل جسم الإنسان. ورغم أن العديد من الهيئات الصحية الدولية تؤكد أن العبوات البلاستيكية الغذائية آمنة عندما تُستخدم وفق الشروط المحددة، فإن هذه الهيئات نفسها تشدد على ضرورة احترام شروط التخزين والنقل والعرض، وتوصي بتجنب تعريض هذه المنتجات لفترات طويلة للحرارة المرتفعة أو لأشعة الشمس المباشرة.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما ندرك أن المستهلك هو الحلقة الأخيرة والأضعف في سلسلة طويلة تبدأ من المصنع، مروراً بالتخزين والنقل والتوزيع، وتنتهي عند رفوف المتاجر. فالمستهلك لا يملك وسيلة لمعرفة عدد الساعات التي تعرضت فيها القنينة للحرارة، ولا درجة الحرارة التي عايشتها أثناء النقل، ولا ما إذا كانت ظروف تخزينها مطابقة للمعايير الموصى بها. وكل ما يراه أمامه هو منتج يبدو سليماً من الخارج، بينما تبقى تفاصيل رحلته الطويلة مجهولة بالنسبة إليه.
إن الحديث عن البلاستيك ليس دعوة إلى إثارة الذعر أو إلى مقاطعة المنتجات المعبأة، كما أنه ليس اتهاماً مسبقاً للصناعة الوطنية التي حققت تقدماً مهماً في مجال إنتاج المشروبات. بل هو دعوة إلى ترسيخ ثقافة الوقاية والشفافية، وإلى تمكين المستهلك من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات أكثر وعياً، وإلى تشجيع الجهات المختصة على تعزيز المراقبة واحترام أفضل الممارسات الدولية في النقل والتخزين والعرض.
فصحة الإنسان لا تبدأ في المستشفى، بل تبدأ من أبسط الأشياء التي تدخل إلى جسده كل يوم. وقد تكون قنينة الماء التي نحملها مطمئنين بين أيدينا مثالاً بسيطاً على حقيقة أكبر مفادها أن سلامة الغذاء ليست مجرد مسألة إنتاج، بل هي سلسلة متكاملة من المسؤوليات تبدأ من المصنع ولا تنتهي إلا عند المستهلك.
ما نوع البلاستيك المستخدم في قنينات المشروبات؟ وهل يعرف المستهلك ما الذي يحمله بين يديه؟
قبل الحديث عن المخاطر المحتملة المرتبطة بظروف التخزين أو التعرض للحرارة، من الضروري أن نتعرف أولاً على المادة التي تُصنع منها معظم قنينات المياه والمشروبات الغازية والعصائر المنتشرة في الأسواق المغربية والعالمية. فالكثير من المستهلكين يشترون هذه المنتجات يومياً دون أن يعرفوا شيئاً عن طبيعة المادة البلاستيكية التي تلامس مشروباتهم لساعات أو أشهر قبل استهلاكها.
أكثر من 90% من قنينات المياه والمشروبات الغازية المتداولة في المغرب والعالم تحمل الرمز 1 (PET)، وهو بلاستيك صُمم أساساً للاستعمال مرة واحدة أو لفترات محدودة، وليس ليبقى شهوراً أو سنوات في الاستعمال اليومي المتكرر.
في الواقع، تُصنع غالبية قنينات المشروبات حول العالم من نوع من البلاستيك يُعرف باسم البولي إيثيلين تيرفثالات (Polyethylene Terephthalate)، ويُختصر عادة بالرمز PET أو PETE. وقد بدأ استعمال هذه المادة على نطاق واسع منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تصبح الخيار المفضل لصناعة عبوات المياه المعدنية والمشروبات الغازية والعصائر بفضل مجموعة من الخصائص التقنية والاقتصادية التي جعلتها تتفوق على العديد من البدائل الأخرى.
فهذا البلاستيك يتميز بخفة وزنه مقارنة بالزجاج، مما يقلل من تكاليف النقل واستهلاك الوقود. كما أنه مقاوم نسبياً للصدمات والكسر، وهو ما يحد من خسائر الشركات أثناء النقل والتوزيع. وإضافة إلى ذلك، فإن إنتاجه يتم بتكلفة منخفضة نسبياً مقارنة ببعض المواد الأخرى (قنينة + غطاء + ملصق : 0.25 إلى 0.60 درهم)، مما يسمح بتسويق المشروبات بأسعار تنافسية تصل إلى مختلف فئات المستهلكين. كما يتمتع بدرجة جيدة من الشفافية، تسمح للمستهلك برؤية محتوى القنينة بسهولة، وهو عامل تسويقي مهم في صناعة المشروبات.
لهذه الأسباب مجتمعة، أصبح بلاستيك PET المادة الأكثر استعمالاً في صناعة القنينات المخصصة للمشروبات في معظم دول العالم، سواء في الدول المتقدمة أو النامية. غير أن هذا الانتشار الواسع لا يعني أن جميع أنواع البلاستيك متشابهة أو أن جميعها صالحة للاستعمال الغذائي. فهناك أنواع عديدة من المواد البلاستيكية تختلف في تركيبها الكيميائي وخصائصها الفيزيائية واستخداماتها ومستوى أمانها الصحي.
لكن كيف يمكن للمستهلك العادي أن يميز بين هذه الأنواع المختلفة؟ إذا قلبت أي قنينة ماء أو مشروب أو عبوة بلاستيكية ونظرت إلى قاعدتها، فستجد غالباً مثلثاً مكوَّناً من ثلاثة أسهم يتوسطه رقم من 1 إلى 7. ويُعرف هذا النظام عالمياً باسم «رموز تعريف الراتنجات البلاستيكية» (Resin Identification Codes)، وقد اعتمدته الهيئات الدولية لمساعدة الصناعات ومراكز إعادة التدوير والجهات الرقابية والمستهلكين على التعرف على نوع البلاستيك المستعمل.
وقد يبدو هذا الرمز صغيراً وغير ذي أهمية بالنسبة للكثير من الناس، لكنه في الواقع يحمل معلومات مهمة حول طبيعة المادة التي صُنعت منها العبوة، وخصائصها، وإمكانية إعادة تدويرها، ونوعية الاستخدامات التي صُممت من أجلها. فكل رقم يشير إلى نوع محدد من البلاستيك يختلف عن غيره من حيث الاستعمالات والخصائص التقنية والصحية (جدول 1).
جدول 1 : تبيان معاني الرموز الموجودة أسفل العبوات البلاستيكية

ورغم أهمية هذه المعلومات، فإن نسبة كبيرة من المستهلكين لا تعرف بوجود هذه الرموز أصلاً، أو لا تدرك دلالاتها الصحية والبيئية. ولذلك يشيع الاعتقاد بأن جميع أنواع البلاستيك متشابهة ويمكن استعمالها بالطريقة نفسها. ونتيجة لذلك، يعيد بعض الأشخاص استعمال قنينات المياه والمشروبات مرات عديدة على مدى أسابيع أو أشهر، دون إدراك أن بعض العبوات صُممت أساساً للاستعمال المحدود أو لفترات زمنية معينة.
وفي العديد من الدول المتقدمة، تُبذل جهود كبيرة لتعريف المواطنين بهذه الرموز من خلال الحملات التوعوية والبرامج التعليمية والملصقات الإرشادية، بهدف تعزيز ثقافة الاستهلاك الآمن والمسؤول. أما في العديد من الدول النامية، ومن بينها المغرب، فما زالت المعرفة العامة بهذه المعلومات محدودة نسبياً، رغم ارتباطها المباشر بصحة المستهلك وسلامته.
| الرمز | نوع البلاستيك | الاسم العلمي | أشهر الاستعمالات | أهم الخصائص | ملاحظات للمستهلك |
|---|---|---|---|---|---|
| 1 | PET أو PETE | Polyethylene Terephthalate | قنينات المياه المعدنية، المشروبات الغازية، العصائر | خفيف، شفاف، منخفض التكلفة، قابل لإعادة التدوير | الأكثر استعمالاً في المشروبات. يُفضل عدم إعادة استعماله لفترات طويلة أو تعريضه للحرارة المرتفعة. |
| 2 | HDPE | High-Density Polyethylene | عبوات الحليب، المياه الكبيرة، بعض العصائر والمنظفات | قوي، مستقر، مقاوم للمواد الكيميائية | من أكثر أنواع البلاستيك أماناً واستقراراً للاستعمال الغذائي. |
| 3 | PVC | Polyvinyl Chloride | الأنابيب، بعض مواد البناء والتغليف | متين ومقاوم للماء | أصبح استعماله الغذائي أكثر محدودية في عدة دول بسبب بعض الإضافات الكيميائية المستعملة فيه. |
| 4 | LDPE | Low-Density Polyethylene | الأكياس البلاستيكية، أغلفة الخبز والأطعمة | مرن وخفيف ومقاوم للرطوبة | يُستعمل على نطاق واسع في التغليف الغذائي. |
| 5 | PP | Polypropylene | علب الزبادي، أوعية حفظ الطعام، أغطية القنينات | يتحمل الحرارة نسبياً، متين، مناسب للاستعمال المتكرر | يُعد من أفضل أنواع البلاستيك لحفظ الأغذية وإعادة الاستخدام. |
| 6 | PS | Polystyrene | أكواب القهوة ذات الاستعمال الواحد، علب الوجبات السريعة | خفيف وعازل للحرارة | تسعى بعض الدول إلى تقليل استعماله بسبب اعتبارات بيئية وصحية. |
| 7 | OTHER | أنواع بلاستيكية أخرى متنوعة | بعض القنينات الصلبة والأدوات المنزلية | تختلف خصائصها حسب المادة المستعملة | لا يمكن الحكم على سلامتها دون معرفة نوع المادة المكونة لها. |
إن معرفة نوع البلاستيك ليست مسألة تقنية تخص المختبرات والخبراء فقط، بل هي جزء من حق المستهلك في الحصول على المعلومات الضرورية لاتخاذ قرارات واعية بشأن المنتجات التي يستهلكها يومياً. فكما يحرص المواطن على قراءة تاريخ الصلاحية ومكونات المنتج الغذائي، ينبغي أيضاً أن يكون قادراً على التعرف على نوع العبوة التي تحتويه وفهم شروط استعمالها وتخزينها. فالمعرفة تظل الخطوة الأولى نحو حماية الصحة وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول.
ورغم أهمية هذه الرموز، فإن الملاحظ أن نسبة كبيرة من المستهلكين لا تعرف بوجودها أصلاً، أو لا تدرك دلالاتها الصحية والبيئية. فكثير من الناس يعيدون استعمال قنينات المياه والمشروبات مرات عديدة على مدى أسابيع أو أشهر، معتقدين أن جميع أنواع البلاستيك مصممة لتحمل هذا الاستخدام المتكرر، في حين أن بعض العبوات صُممت أساساً للاستعمال المحدود أو لفترات زمنية معينة.
وفي العديد من الدول المتقدمة، تُبذل جهود كبيرة لتعريف المستهلكين بهذه الرموز من خلال الحملات التوعوية والبرامج التعليمية والملصقات الإرشادية. أما في العديد من الدول النامية، ومن بينها المغرب، فما زالت المعرفة العامة بهذه المعلومات محدودة نسبياً، رغم ارتباطها المباشر بصحة المستهلك وسلامته.
إن معرفة نوع البلاستيك ليست مسألة تقنية تهم الخبراء وحدهم، بل هي حق أساسي من حقوق المستهلك. فكما يحرص المواطن على قراءة تاريخ الصلاحية ومكونات المنتج الغذائي، ينبغي أيضاً أن يكون قادراً على التعرف على نوع العبوة التي تحتوي ذلك المنتج، وفهم الظروف التي يمكن أن تبقى فيها آمنة للاستعمال. فالمعرفة هي الخطوة الأولى نحو الاستهلاك الواعي، وهي الوسيلة الأنجع لتمكين المواطن من حماية صحته واتخاذ قرارات مبنية على الفهم لا على الافتراضات.




ماذا تقول الهيئات العلمية الدولية عن سلامة قنينات المشروبات البلاستيكية؟
عندما يتعلق الأمر بصحة الإنسان وسلامة الأغذية، لا تكفي الانطباعات الشخصية أو المخاوف المتداولة بين الناس للوصول إلى أحكام دقيقة. فالعلم يقوم على الدراسات والتجارب والتقييم المستمر للمخاطر، ولهذا أنشأت العديد من الدول والمؤسسات الدولية هيئات متخصصة تُعنى بمراقبة المواد التي تلامس الأغذية والمشروبات وتقييم مدى سلامتها على المدى القصير والطويل.
وبخصوص قنينات المشروبات المصنوعة من بلاستيك PET، فإن الهيئات الصحية والغذائية الكبرى في العالم، مثل منظمة الصحة العالمية، والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، تعتبر هذه المادة آمنة للاستعمال الغذائي عندما تُصنع وفق المعايير المعتمدة، وتُستخدم ضمن الظروف التي صُممت من أجلها. وقد جاء هذا الموقف نتيجة عقود من الدراسات والأبحاث التي تناولت خصائص هذه المادة وسلوكها عند ملامسة الأغذية والمشروبات.

غير أن هناك نقطة أساسية كثيراً ما تغيب عن النقاشات العامة، وهي أن هذه الهيئات لا تمنح أي مادة «شهادة أمان مطلقة» في جميع الظروف والأحوال. فسلامة أي مادة غذائية أو أي عبوة لا تعتمد فقط على طبيعتها الكيميائية، بل أيضاً على ظروف تصنيعها وتخزينها ونقلها واستعمالها. ولهذا نجد أن معظم التوصيات الدولية ترافقها شروط واضحة تتعلق بدرجات الحرارة وفترات التخزين وطريقة الاستخدام.
ولعل المثال الأقرب إلى الفهم هو الأدوية. فكون دواء معين آمناً وفعالاً لا يعني أنه يحتفظ بخصائصه إذا تُرك لأيام تحت أشعة الشمس أو في سيارة مغلقة خلال فصل الصيف. والأمر نفسه ينطبق على العديد من المواد المخصصة لحفظ الأغذية والمشروبات. فالمعيار الحقيقي للسلامة لا يرتبط بالمادة وحدها، بل بالاحترام الكامل لشروط استعمالها.
ولهذا السبب، تولي الدول المتقدمة أهمية كبيرة لما يُعرف بسلسلة الجودة أو سلسلة السلامة، وهي مجموعة من الإجراءات التي تضمن بقاء المنتج ضمن الظروف المناسبة منذ خروجه من المصنع إلى غاية وصوله إلى المستهلك. وتشمل هذه السلسلة مراقبة درجات الحرارة أثناء التخزين والنقل، وحماية المنتجات من أشعة الشمس المباشرة، وإجراء عمليات تفتيش دورية على المستودعات ونقاط البيع، فضلاً عن إلزام الشركات بتوفير معلومات واضحة حول شروط الحفظ والاستهلاك.
ومن جهة أخرى، شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في عدد الدراسات المتعلقة بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة وبعض المركبات الكيميائية التي يمكن أن تنتقل بكميات ضئيلة جداً من العبوات إلى الأغذية والمشروبات في ظروف معينة. وقد دفع ذلك العديد من الهيئات العلمية إلى مواصلة الأبحاث ومراجعة المعطيات بشكل دوري كلما ظهرت نتائج جديدة. وهذا أمر طبيعي في العلوم الصحية، حيث تتطور المعرفة باستمرار مع تطور أدوات البحث والتحليل.
ويُلاحظ أن الدول المتقدمة لا تنتظر دائماً ظهور أدلة قاطعة على وجود ضرر واسع النطاق قبل اتخاذ إجراءات وقائية. بل تعتمد في كثير من الأحيان ما يُعرف بـ«مبدأ الحيطة والحذر»، وهو مبدأ يقوم على تقليل التعرض للمخاطر المحتملة متى كان ذلك ممكناً، حتى في الحالات التي لا تزال بعض جوانبها العلمية قيد الدراسة. ولهذا نرى تشديداً متزايداً على تقليل استعمال المواد البلاستيكية أحادية الاستخدام، وتحسين ظروف التخزين، وتطوير مواد تعبئة أكثر استدامة وأقل تأثيراً على الصحة والبيئة.
ومن المهم هنا أن يدرك القارئ أن النقاش الدائر اليوم في العديد من الدول لا يتركز على ما إذا كان بلاستيك PET مادة مسموحاً بها أم لا، فهذه المسألة حُسمت تنظيمياً منذ سنوات طويلة. وإنما يتركز بصورة متزايدة على سؤال آخر أكثر دقة وأهمية: هل تُحترم دائماً الشروط التي تجعل هذه المادة آمنة كما افترضتها الدراسات والهيئات المنظمة؟ وهل تبقى القنينة محتفظة بالخصائص نفسها بعد تعرضها لساعات طويلة من الحرارة المرتفعة أو لأشعة الشمس المباشرة أو لظروف تخزين غير مناسبة؟
وهنا بالضبط يبدأ جوهر الإشكالية التي تهم المستهلك المغربي. فالمسألة ليست في وجود القنينة البلاستيكية بحد ذاتها، وإنما في الرحلة التي تقطعها قبل أن تصل إلى يده، وفي مدى احترام جميع المتدخلين للمعايير التي تضمن أن يبقى المنتج آمناً بالدرجة نفسها التي كان عليها عند مغادرته خطوط الإنتاج.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال التالي أكثر أهمية من أي وقت مضى: إذا كانت المادة في أصلها مصممة لتكون آمنة، فأين تبدأ المشكلة الحقيقية؟ وهل يكمن الخطر في البلاستيك نفسه، أم في الطريقة التي يُخزن ويُنقل ويُعرض بها تحت أشعة الشمس والحرارة المرتفعة؟
أين تبدأ المشكلة الحقيقية؟ من المصنع إلى الرصيف تحت أشعة الشمس
بعد الاطلاع على مواقف الهيئات العلمية الدولية، يتضح أن الجدل لا يدور حول مشروعية استعمال قنينات PET في حد ذاتها، بل حول الظروف التي تُستعمل وتُخزن فيها. فالقوانين والمعايير الدولية تفترض أن المنتج سيُنقل ويُخزن ويُعرض في ظروف محددة تحافظ على خصائصه الأصلية. لكن ماذا يحدث عندما تختلف الظروف الواقعية عن تلك التي افترضتها الدراسات العلمية؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالمستهلك عندما يشتري قنينة ماء أو مشروباً غازياً من متجر أو محطة وقود أو بائع متجول، لا يرى سوى المرحلة الأخيرة من رحلة طويلة قد تكون بدأت قبل أسابيع أو أشهر. وخلال هذه الرحلة تمر القنينة عبر مراحل متعددة تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع والعرض للبيع. وكل مرحلة من هذه المراحل يمكن أن تؤثر في جودة المنتج إذا لم تُحترم فيها شروط السلامة المطلوبة.
في العديد من المدن والقرى المغربية، خاصة خلال أشهر الصيف، أصبح من المألوف مشاهدة رزم كاملة من قنينات المياه والمشروبات الغازية موضوعة أمام المحلات التجارية وتحت أشعة الشمس المباشرة لساعات طويلة. كما تُعرض أحياناً على الأرصفة أو في فضاءات مفتوحة دون أي حماية من الحرارة أو الأشعة فوق البنفسجية. وقد اعتاد الناس على هذا المشهد حتى أصبح جزءاً من الحياة اليومية، لكن الاعتياد على شيء ما لا يعني بالضرورة أنه يخلو من المخاطر أو أنه ينسجم مع أفضل الممارسات المعتمدة عالمياً.
ولا يقتصر الأمر على مرحلة العرض فقط، بل إن جزءاً مهماً من رحلة هذه المنتجات يتم داخل وسائل النقل ومستودعات التخزين. فخلال فصل الصيف، يمكن أن تتحول الشاحنات المغلقة أو الحاويات المعدنية إلى ما يشبه الأفران الحرارية، حيث ترتفع درجات الحرارة داخلها إلى مستويات تفوق بكثير درجة حرارة الهواء الخارجي. وفي بعض الحالات قد تبقى القنينات داخل هذه الظروف لساعات طويلة أثناء النقل أو الانتظار أو عمليات التوزيع.
وتشير دراسات أُجريت في بلدان مختلفة إلى أن درجة الحرارة داخل المركبات أو الحاويات المغلقة المعرضة للشمس قد تتجاوز بسهولة خمسين أو ستين درجة مئوية، بل وقد ترتفع أكثر من ذلك في بعض الظروف المناخية القاسية. وهي درجات حرارة تختلف جذرياً عن الظروف المثالية التي تُبنى عليها معظم اختبارات الجودة والسلامة الخاصة بالمنتجات الغذائية.
ويزداد القلق عندما تتكرر هذه الدورات الحرارية عدة مرات خلال رحلة المنتج. فقد تنتقل القنينة من المصنع إلى المستودع، ثم إلى الشاحنة، ثم إلى نقطة البيع، مع تعرضها المتكرر لدرجات حرارة مرتفعة نهاراً وانخفاضها ليلاً. ورغم أن كل مرحلة على حدة قد تبدو قصيرة نسبياً، فإن التأثير التراكمي لهذه الظروف لا يزال موضوع اهتمام متزايد لدى الباحثين والمتخصصين في سلامة الأغذية.
المشكلة ليست فقط في النتائج العلمية، بل أيضاً في غياب الدراسات الميدانية المحلية المنشورة التي توثق ما يحدث فعلاً لقنينات المشروبات في المناخ المغربي الحار أثناء النقل والتخزين والعرض للبيع.
وفي الدول المتقدمة، يُنظر إلى التعرض المطول للحرارة وأشعة الشمس باعتباره عاملاً يجب التحكم فيه والحد منه قدر الإمكان. لذلك تُخزن المشروبات غالباً في مستودعات مغطاة ومجهزة بوسائل تهوية مناسبة، وتُراقب ظروف النقل والتوزيع بصورة أكثر صرامة، كما تُفرض متطلبات محددة على الشركات والموزعين فيما يتعلق بطرق عرض المنتجات الغذائية الحساسة للحرارة.
أما في العديد من الدول ذات المناخ الحار، فإن الواقع الميداني قد يختلف أحياناً عن هذه المعايير المثالية. فالعامل الاقتصادي وضيق المساحات التجارية ونقص التجهيزات المناسبة قد يدفع بعض نقاط البيع إلى تخزين أو عرض المنتجات في ظروف أقل من المستوى المطلوب. وهنا يصبح المستهلك الحلقة الأخيرة التي تتحمل نتائج أي خلل يقع في المراحل السابقة.
ومن المفارقات أن كثيراً من المستهلكين يرفضون شراء عبوة حليب أو منتج غذائي إذا لاحظوا أنه تُرك لساعات خارج التبريد، لكنهم قد لا يترددون في شراء قنينة ماء أو مشروب غازي ظلت طوال النهار تحت أشعة الشمس المباشرة، اعتقاداً منهم أن البلاستيك مادة خاملة لا تتأثر بالظروف المحيطة. والحقيقة أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، لأن المواد البلاستيكية ــ مهما بلغت جودتها ــ تبقى مواداً كيميائية تتفاعل بدرجات متفاوتة مع عوامل الزمن والحرارة والضوء.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى طرح سؤال جوهري لا يهم الباحثين والجهات الرقابية فحسب، بل يهم كل مواطن يشتري مشروباً معبأً بشكل يومي: ماذا يحدث داخل القنينة عندما تتعرض لفترات طويلة للحرارة المرتفعة وأشعة الشمس؟ وهل تبقى مكوناتها مستقرة تماماً، أم أن بعض التغيرات الفيزيائية والكيميائية قد تبدأ في الظهور مع مرور الوقت؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل الخطوة التالية لفهم العلاقة بين ظروف التخزين وسلامة المشروبات المعبأة، وهي العلاقة التي أصبحت محوراً رئيسياً للعديد من الدراسات العلمية الحديثة في مختلف أنحاء العالم.
ماذا يحدث داخل القنينة عند التعرض للحرارة؟ عندما تبدأ الكيمياء الصامتة في العمل
قد تبدو قنينة الماء أو المشروب الغازي التي نشتريها يومياً شيئاً بسيطاً وثابتاً لا يتغير، لكن الواقع أكثر تعقيداً مما نتصور. فالمادة البلاستيكية التي تبدو صلبة ومستقرة للعين المجردة تتفاعل ببطء مع الزمن والحرارة وأشعة الشمس، خاصة عندما تتعرض لظروف تخزين غير مناسبة لفترات طويلة. وهنا تبدأ ما يمكن تسميته بـ”الكيمياء الصامتة”، وهي مجموعة من التغيرات الدقيقة التي لا يلاحظها المستهلك، لكنها تشغل اهتمام الباحثين وخبراء الصحة العامة في مختلف أنحاء العالم.
فعندما ترتفع درجة حرارة القنينة نتيجة تعرضها للشمس المباشرة أو بقائها داخل شاحنة أو سيارة مغلقة خلال فصل الصيف، يمكن أن تتسارع عملية شيخوخة البلاستيك، أي التدهور التدريجي لبنيته مع مرور الوقت. وقد يؤدي ذلك إلى انتقال كميات ضئيلة جداً من بعض المركبات الكيميائية إلى الماء أو المشروب الموجود داخلها. ومن بين المواد التي درستها الأبحاث العلمية مركبات مثل الأنتيمون (Antimony)، وهو عنصر يُستخدم أثناء تصنيع بلاستيك PET، بالإضافة إلى مركبات عضوية أخرى قد تظهر بكميات متفاوتة تبعاً لظروف التخزين ومدة التعرض للحرارة.
غير أن القضية التي تستقطب اهتماماً أكبر اليوم هي قضية الجسيمات البلاستيكية الدقيقة أو ما يُعرف عالمياً بالـ Microplastics. وهي جزيئات صغيرة جداً تنفصل تدريجياً عن المواد البلاستيكية بفعل الحرارة وأشعة الشمس والاحتكاك وعوامل التقادم. ويبلغ حجم بعضها أقل من خمسة مليمترات، بينما توجد جزيئات أصغر بكثير تُعرف باسم الجسيمات البلاستيكية النانوية (Nanoplastics)، وهي صغيرة إلى درجة يصعب معها رصدها بالوسائل التقليدية.
وخلال السنوات الأخيرة، اكتشفت فرق بحثية عديدة وجود هذه الجسيمات في المياه المعبأة وفي العديد من المنتجات الغذائية والبيئية حول العالم. وقد عُثر عليها أيضاً في مياه الأمطار، وفي الهواء، وفي الأسماك، وفي ملح الطعام، بل وحتى في عينات من الدم والرئتين والمشيمة البشرية. وهذا ما جعلها من أكثر المواضيع إثارة للاهتمام في مجال الصحة البيئية.

لكن ماذا يحدث عندما يبتلع الإنسان هذه الجسيمات؟ حتى الآن، لا يوجد إجماع علمي نهائي حول جميع آثارها الصحية طويلة المدى، إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى عدة مخاوف محتملة تستدعي مزيداً من البحث والحذر. فبعض هذه الجسيمات قد تعبر الحواجز البيولوجية داخل الجسم وتصل إلى أعضاء مختلفة. كما تشير أبحاث مخبرية إلى احتمال مساهمتها في زيادة الإجهاد التأكسدي داخل الخلايا، وتحفيز بعض التفاعلات الالتهابية، والتأثير على توازن بعض الهرمونات أو على الجهاز المناعي في ظروف معينة. ويرى بعض الباحثين أن خطورتها لا تكمن فقط في الجسيمات نفسها، بل أيضاً في قدرتها على حمل ملوثات أو مركبات كيميائية أخرى على سطحها.
ومن المهم التأكيد على أن العلماء لم يثبتوا بعد أن الكميات التي يبتلعها الإنسان حالياً من الميكروبلاستيك تؤدي بالضرورة إلى أمراض محددة، لكنهم يتفقون على نقطة أساسية: كلما انخفض التعرض لهذه الجسيمات كان ذلك أفضل للصحة العامة، خاصة في ظل استمرار الأبحاث حول آثارها التراكمية على المدى الطويل. وقد يلاحظ بعض المستهلكين أحياناً تغيراً في طعم الماء أو رائحته بعد بقائه لفترة طويلة في مكان شديد الحرارة أو تحت أشعة الشمس. ورغم أن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة وجود خطر صحي مباشر، فإنها قد تكون مؤشراً على أن المنتج لم يعد في الظروف المثالية التي صُمم من أجلها.
ولهذا السبب، تؤكد الشركات المصنعة والهيئات الصحية على ضرورة حفظ قنينات المياه والمشروبات في أماكن باردة وجافة وبعيدة عن أشعة الشمس المباشرة. فالمشكلة لا تكمن عادة في القنينة الجديدة التي خرجت للتو من المصنع، بل في الظروف التي قد تتعرض لها خلال رحلتها الطويلة من خطوط الإنتاج إلى المستودعات والشاحنات ونقاط البيع، وصولاً إلى يد المستهلك. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: إذا كانت الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تُكتشف اليوم في المياه والهواء والغذاء وحتى داخل جسم الإنسان، فهل يكفي أن نهتم بجودة ما نشربه فقط، أم أن القضية أصبحت أوسع من ذلك بكثير، لتشمل علاقتنا كلها بالبلاستيك وبالبيئة التي نعيش فيها؟
كيف تتعامل الدول المتقدمة مع قنينات المشروبات البلاستيكية؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من تجاربها؟
عندما يناقش الخبراء سلامة قنينات المشروبات البلاستيكية، فإنهم لا يركزون فقط على نوع البلاستيك أو نتائج التحاليل المخبرية. فهم يهتمون أيضاً بالظروف التي يمر بها المنتج بعد مغادرته المصنع. فالقنينة التي تُنتج وفق أعلى معايير الجودة قد تفقد جزءاً من خصائصها إذا تعرضت للحرارة المرتفعة أو لأشعة الشمس لفترات طويلة أثناء النقل أو التخزين أو العرض للبيع.
في معظم الدول المتقدمة، تُخزن قنينات المياه والمشروبات داخل مستودعات مغطاة ومجهزة بالتهوية المناسبة. كما تُنقل في ظروف تحد من تعرضها للحرارة الشديدة، خاصة خلال فصل الصيف. وتراقب الجهات المختصة هذه المراحل بشكل دوري للتأكد من احترام شروط السلامة.

ويحظى المستهلك أيضاً بمعلومات أوضح حول كيفية حفظ المنتج واستعماله. فالتوعية لا تقتصر على المصنعين والسلطات، بل تشمل المواطن نفسه. لذلك يعرف عدد أكبر من المستهلكين معنى الرموز المطبوعة على العبوات، ويدركون أهمية تجنب تخزين القنينات في السيارات أو تحت أشعة الشمس المباشرة.
كما استثمرت عدة دول في أنظمة استرجاع القنينات وإعادة تدويرها. ففي ألمانيا والدنمارك والنرويج، على سبيل المثال، تُسترجع نسب مرتفعة من القنينات المستعملة عبر نظام الإيداع والاسترجاع، حيث يستعيد المستهلك مبلغاً رمزياً عند إعادة العبوة الفارغة. ولا يعود نجاح هذه التجارب إلى نوع البلاستيك المستعمل فقط، بل إلى احترام سلسلة كاملة من الإجراءات التي تحافظ على جودة المنتج حتى لحظة استهلاكه. وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن الاستفادة منه: سلامة المشروبات لا تبدأ عند المصنع وتنتهي عند المتجر، بل تعتمد على كل مرحلة من مراحل النقل والتخزين والعرض والاستهلاك. بالنسبة للمغرب، يمكن تحقيق تقدم مهم من خلال تعزيز مراقبة ظروف التخزين خلال فترات الحرارة المرتفعة، وتشجيع حماية المشروبات من أشعة الشمس المباشرة في نقاط البيع، وتطوير حملات توعوية تساعد المستهلك على اتخاذ قرارات أكثر وعياً. فالإجراءات البسيطة غالباً ما تحقق نتائج أكبر مما نتوقع عندما تُطبق بشكل منتظم.
المستهلك والبيئة والمسؤولية المشتركة: كيف يمكن الحد من مخاطر القنينات البلاستيكية؟
لا تتوقف سلامة قنينات المشروبات البلاستيكية عند جودة المادة المستعملة أو عند خروج المنتج من المصنع، بل تعتمد على سلسلة كاملة من الممارسات تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالاستهلاك والتخلص من النفايات. ولهذا فإن البحث عن مسؤول واحد لا يعكس حقيقة المشكلة، لأن كل حلقة في هذه السلسلة تؤثر في النتيجة النهائية.
تتحمل الجهات الرقابية مسؤولية مراقبة ظروف النقل والتخزين والعرض، خاصة خلال فترات الحرارة المرتفعة. كما تقع على عاتق الشركات المصنعة والموزعين مسؤولية توفير ظروف حفظ مناسبة، وإعطاء المستهلك معلومات واضحة حول شروط التخزين والاستعمال. فالقنينة التي تُنتج وفق المعايير قد تفقد جزءاً من خصائصها إذا تعرضت لفترات طويلة للحرارة أو لأشعة الشمس المباشرة. وفي المقابل، يملك المستهلك دوراً لا يقل أهمية. فترك قنينات الماء داخل السيارات خلال الصيف، أو إعادة استعمال العبوات المخصصة للاستعمال المحدود مرات عديدة، أو تخزينها في الشرفات والأسطح المكشوفة، كلها ممارسات قد تزيد من تدهور البلاستيك وتحرر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. كما أن التخلص العشوائي من القنينات بعد استعمالها يحولها إلى مصدر تلوث طويل الأمد.
ولا تنتهي المشكلة عند رمي القنينة في سلة المهملات أو في الطبيعة. فمع مرور الوقت تتفكك العبوات البلاستيكية إلى جسيمات دقيقة تنتشر في التربة والأنهار والبحار والهواء. وقد رصدت هذه الجسيمات في الأسماك ومياه الشرب ومياه الأمطار وحتى في بعض العينات البشرية. وهذا يعني أن جزءاً من البلاستيك الذي نتخلص منه اليوم قد يعود إلينا غداً عبر السلسلة الغذائية أو البيئة المحيطة بنا. وقد أظهرت تجارب العديد من الدول المتقدمة أن الحد من هذه المخاطر لا يحتاج بالضرورة إلى حلول معقدة، بل إلى إجراءات عملية وواضحة، من بينها تحسين مراقبة ظروف التخزين والنقل، وحماية المشروبات من أشعة الشمس المباشرة في نقاط البيع، وتوسيع برامج جمع وإعادة تدوير القنينات، ونشر الوعي بمعاني الرموز المطبوعة على العبوات وشروط استعمالها.
والهدف من هذه الإجراءات ليس إثارة القلق أو التشكيك في المنتجات المتداولة، بل تعزيز ثقافة الوقاية والشفافية. فالمستهلك الواعي، والمنتج المسؤول، والرقابة الفعالة، يشكلون معاً خط الدفاع الأول لحماية الصحة العامة والبيئة. وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بقنينة ماء فقط، بل بثقافة استهلاك كاملة تقوم على مبدأ بسيط: كلما احترمنا شروط الاستعمال والتخزين والتخلص من النفايات، قلّت المخاطر على صحتنا وعلى البيئة التي سنتركها للأجيال القادمة.
دراسة بسيطة يحتاجها المغرب… وقد تجيب عن أسئلة تؤرق ملايين المستهلكين
في كل صيف، تتكرر المشاهد نفسها في مختلف المدن والقرى المغربية. رزم من قنينات المياه والمشروبات الغازية موضوعة أمام المحلات التجارية، أو فوق الأرصفة، أو داخل سيارات التوزيع، أو في مستودعات قد لا تتوفر دائماً على شروط التخزين المثالية. يمر الناس بجانبها يومياً دون أن يثير المشهد اهتماماً كبيراً، لأنه أصبح جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية. لكن خلف هذا المشهد العادي تختبئ أسئلة علمية وصحية تستحق أن تُطرح بجدية. كم تبلغ درجة حرارة هذه القنينات فعلياً بعد ساعات من التعرض للشمس خلال يوم صيفي في مدن مثل أكادير ومراكش وبني ملال وورزازات؟ وما الذي يحدث للمياه الموجودة داخلها عندما تبقى لفترات طويلة في بيئة قد تتجاوز فيها الحرارة أربعين أو خمسين درجة مئوية؟ وهل تختلف خصائصها عن تلك التي غادرت بها المصنع؟ وهل تؤدي ظروف النقل والتخزين والعرض إلى زيادة تحرر بعض المركبات الكيميائية أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة؟

المثير للاهتمام أن الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة ما تزال غير متوفرة، ليس لأن العلم عاجز عن ذلك، بل لأن أحداً لم يقم، في حدود ما هو منشور ومتاح، بقياس هذه الظاهرة بشكل ميداني ومنهجي على نطاق وطني. فبينما تتوفر دراسات عديدة في أوروبا وأمريكا وآسيا حول تأثير الحرارة على العبوات البلاستيكية، ما يزال الواقع المغربي بحاجة إلى بيانات محلية تعكس ظروفه المناخية الخاصة وسلوكيات التخزين والتوزيع السائدة فيه. والأمر لا يحتاج إلى مشروع ضخم بملايين الدراهم، ولا إلى مختبرات معقدة أو تقنيات خارقة. بل يمكن أن يبدأ بدراسة وطنية بسيطة وذكية تشارك فيها الجامعات ومختبرات البحث ومؤسسات حماية المستهلك والجهات المختصة بالصحة والسلامة الغذائية.
يكفي أن يجوب فريق من الباحثين عدداً من المدن المغربية خلال أشهر الصيف، وأن يقيس درجات حرارة القنينات المعروضة في نقاط البيع المختلفة، وفي الشاحنات ومستودعات التخزين، وأن يقارنها بقنينات حُفظت وفق الشروط الموصى بها. ثم تُحلل عينات من المياه للكشف عن أي تغيرات محتملة في خصائصها الفيزيائية والكيميائية، أو في مستويات الجسيمات البلاستيكية الدقيقة. وقد تبدو هذه الدراسة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها قد تقدم لأول مرة صورة علمية دقيقة عن الواقع الذي يعيشه المستهلك المغربي يومياً. وقد تكشف أن الوضع مطمئن ولا يدعو إلى القلق، كما قد تكشف عن جوانب تستدعي تحسين الممارسات أو تشديد الرقابة. وفي الحالتين سيكون المستفيد الأول هو المواطن، لأن القرارات ستُبنى على الأدلة لا على الانطباعات أو التخمينات.
فالعلم لا يتقدم بالافتراضات، بل بالقياس. والمجتمعات التي تحترم صحة مواطنيها لا تنتظر ظهور المشكلات لكي تبدأ البحث عنها، بل تسعى إلى فهم الواقع قبل أن تتحول التساؤلات إلى أزمات. ولذلك فإن إجراء دراسة ميدانية حول ظروف تخزين ونقل وعرض قنينات المشروبات في المغرب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ترفاً أكاديمياً، بل باعتباره استثماراً في المعرفة، وفي الوقاية، وفي حق المستهلك في الحصول على معلومات دقيقة وشفافة حول المنتجات التي يستهلكها كل يوم. ولعل أجمل ما يمكن أن تخرج به مثل هذه الدراسة ليس مجرد أرقام أو جداول أو رسوم بيانية، بل بناء ثقافة جديدة تجعل النقاش حول سلامة الأغذية والمشروبات قائماً على الحقائق العلمية المحلية، لا على الإشاعات أو المخاوف أو المصالح التجارية. فبين القنينة التي تغادر المصنع والقنينة التي تصل إلى يد المستهلك رحلة طويلة، وربما حان الوقت لأن نفهم هذه الرحلة كما هي في الواقع، لا كما نفترضها في أذهاننا.




