هل للمغاربة إسلامٌ آخر؟ الدين بين الاختيار والسلطة والخوف من الحرية

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
مقدمة مدير الموقع
قليلٌ من الحوارات ينجح في كسر السائد وفتح الأسئلة المؤجَّلة دون ضجيج. ومن هذا القبيل يندرج هذا الحوار الشيّق الذي أجراه الصحفي حمزة مع الأستاذ والباحث عبد الله الجباري، تحت عنوانٍ لافت: «هل للمغاربة إسلامٌ آخر؟». عنوانٌ لا يستفزّ القارئ بقدر ما يدعوه إلى التفكير، ولا يعد بإجابات جاهزة، بل يفتح مساراتٍ جادّة للنقاش العميق.
ليست القضايا التي يثيرها هذا الحوار مجرّد أسئلة فقهية أو نقاشات نظرية معزولة، بل هي مرايا كاشفة لاختلالات عميقة في بنية التفكير الديني والسياسي بالمغرب. فمن سؤال الهوية: هل المغرب دولة دينية أم دولة ديمقراطية؟ يبرز غموضٌ مقصود أو مفروض، ينعكس مباشرة على الحقل الديني والفقهي، ويحوّل ما يُقدَّم بوصفه «اختيارات» وطنية في المذهب أو العقيدة أو السياسة إلى عناوين معلّقة، تحيط بها الأسئلة أكثر مما تسندها الأجوبة. وفي هذا السياق، يتبيّن أنّ ما يُسمّى اليوم بـ«الثوابت» ليس معطًى تاريخيًا صلبًا بقدر ما هو بناءٌ حديث يُستعمل لضبط المجال الديني وتقييد الحرية والاجتهاد؛ إذ تكشف التجربة التاريخية المغربية نفسها أنّ هذه «الثوابت» لم تكن ثابتة دائمًا، بل كانت اختيارات متغيّرة، وأنّ الخوف الحقيقي ليس على الدين بقدر ما هو خوفٌ من الحرية، حتى في أبسط المسائل الفقهية التي لا تمسّ جوهر العقيدة ولا الصلاة.
هذا الحوار لا يقدّم وصفات جاهزة، لكنه يضع الإصبع على مواضع الخلل، ويفتح نقاشًا مؤجّلًا حول العلاقة المعقّدة بين الدين والسلطة والحرية في المغرب المعاصر. ويمتدّ هذا النقاش إلى نقد انحراف بعض الطرق الصوفية حين تنزلق من مسارات السلوك الروحي إلى منطق النفوذ والمال، كما يتّسع ليشمل قضايا مركزية أخرى، مثل مدونة الأسرة وسؤال المساواة بين الذكر والأنثى، حيث يتجاوز الجدل حدود الأحكام الفقهية إلى إشكالٍ فلسفي جوهري: هل العدل هو المساواة، أم أنّ المساواة قد تتحوّل، حين تُنزَع من سياقها، إلى ظلمٍ مقنّع؟ ويبلغ النقاش ذروته عند ملفّ التطبيع مع إسرائيل، بما يثيره من أسئلة حادّة حول المسؤولية الدستورية، وحدود القرار السياسي، ومعنى المحاسبة في منظومة ما تزال فيها السلطة والشرعية متداخلتين على نحوٍ مربك.
لقد بدا هذا الحوار، منذ دقائقه الأولى، أكبر من لحظة إعلامية عابرة؛ حوارٌ غنيّ بالأفكار، متشابك القضايا، يستحقّ أن يُنقَل من فضاء المشاهدة إلى نصّ مكتوب موثّق، حتى تعمّ فائدته، ويُتاح للقارئ التمهّل في أفكاره، والعودة إلى مفاصله، ومساءلة أطروحاته بعيدًا عن إيقاع الصورة وضغط الزمن. وهذا ما اشتغلتُ عليه، حتى يصل هذا النص إلى القارئ في صيغته المكتوبة، أملاً في توسيع دائرة النقاش وتعميق أثره. د. الحسن أشباني
——

نص الحوار
الصحفي حمزة : مرحبًا بكم. ضيفُ حلقتِنا اليوم الأستاذُ الباحثُ عبد الله الجباري. سي عبدَ الله، أهلًا وسهلًا بك. سعداءُ جدًّا بحضورك معنا اليوم، ولا سيّما أنّ موضوع هذه الحلقة ولأوّل مرّة سيُناقَش في بودكاستٍ من زاويةٍ أخرى؛ الدين والتديّن بالنموذج المغربي. وسأبدأ بسؤالٍ تمهيديّ: نسمع كثيرًا أنّ المغرب يملك نموذجًا متفرّدًا في التديّن، رسميًّا وشعبيًّا. ما أبرزُ معالم هذا التديّن، أو هذا “النموذج” الذي يُروَّج له؟
ذ. عبد الله الجباري: بسم الله الرحمن الرحيم. سعيدٌ بحضوري معكم ومع زميلَيك سي حمزة في هذا البودكاست. قبل أن نتحدّث عن “النموذج المغربي”، ينبغي أن نرجع إلى الإسلام في ذاته. الإسلام من خصائصه العامّة والأساسيّة خاصيّة العالَميّة. وهذه العالَميّة ليست هي العولمة. فالعولمة أو “الكوننة” فيها نوعٌ من التنميط، بينما العالَميّة بعيدةٌ عن التنميط؛ إذ إنها تَسَعُ الجميع وتحافظ على الخصوصيّات. فالإسلام حين وصل إلى أفغانستان أو باكستان، أو تركيا، أو المغرب… لم يَفرض على معتنقيه جملةً من الأمور مثل اللباس، أو العادات في الطعام، وفي الأفراح، وفي غير ذلك. بل بقيت لكلّ منطقةٍ وقطرٍ خصوصيّات متعدّدة. وهذه الخصوصيّات تدلّ على مرونة الإسلام وسعته.
وفي المغرب لم تكن الحالة شاذّةً عن الأقطار الأخرى، بحيث قَبِلَ الإسلام وحافظ على خصوصيّاته. ثم إنّ هناك فرقًا بين الدين والتديّن؛ فممارسة التديّن في المجتمع المغربي عرفت بدورها بعض الخصوصيّات التي قد لا توجد في غيره. ومنذ التاريخ، دخل الإسلام إلى المغرب من نقاطٍ أساسيّة، أوّلها القرآن الكريم. ولدينا في القرآن خصوصيّةٌ ربّما تفرّدنا بها؛ وهي اعتماد قراءة الإمام نافع، وهي قراءة أهل المدينة. وكان الإمام نافع صديقًا مقرّبًا من الإمام مالك. هذه القراءة التي كانت سائدةً في المدينة، اندثرت هناك الآن، ولم يَعُد لها وجود. أمّا نحن فنقرأ قراءة نافع عن طريق ورش. وورشٌ مصري. واليوم لا تكاد قراءة نافع عن ورش موجودةً في مصر، بينما بقيت في المغرب من حيث الطباعة والقراءة والحفظ؛ حتى إنّ من أراد اليوم التخصّص في قراءة نافع فلا يتعرّف عليها عمليًّا إلا عبر المغاربة.
وربّما يدخل في هذا الباب أيضًا ما يتعلّق بـالوقف، مثل الوقف المعروف بـالهبطي في المغرب. وهذا الوقف منسوبٌ إلى بلاد الهبط، أي إقليم العرائش. وكان الناس يقرؤون القرآن قراءةً جماعيّة؛ وفي مواضع الوقف يقع تفاوتٌ: فمِنهم مَن يقف ومنهم من يستمرّ في القراءة. فجاء هذا الوقف لتنظيم القراءة ليس إلّا. نعم، عليه بعض الملاحظات، لكنه يبقى خصوصيّة مغربية.فإذا فتحت المصحف المصري أو المصحف المطبوع في السعودية أو غيرها، فلن تجد عادةً مثل هذه العلامات الخاصة بالوقف الهبطي على رؤوس الآي، وإن وُجدت بعض العلامات أحيانًا، فإنها تكون مختلفة في طبيعتها ووظيفتها.
عرفت التجربة المغربية في القراءات مفارقةً لافتة؛ إذ تميّز المغاربة بإتقانٍ نظريٍّ رفيع في علم التجويد وكثرةٍ في مؤلفاته، بينما ظلّ الأداء التطبيقي خاصة في القراءة الجماعية أضعف مقارنةً بالمشارقة، رغم تنبيه بعض العلماء إلى ذلك دون أثرٍ واسع.
الصحفي حمزة : إذن هذا الأسلوب المغربي في التديّن يمسّ حتى جوهر الإسلام، أي القرآن؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، لأنّ هذا من الخصوصيّات المغربية. ثم دعني أقف عند القرآن وقفةً أخرى. كانت للمغاربة عبر التاريخ مفارقةٌ عجيبة في هذا الباب. فمن جهةٍ كانوا يضبطون التجويد نظريًّا، ولهم مؤلّفاتٌ مهمّةٌ في التجويد وفي التحقيق، ولدينا أعلامٌ مثل ابن بري من تازة، وعلماء كثيرون في القراءات وضبطها. لكن من جهة الأداء التطبيقي كانت عندهم قراءة ضعيفة مقارنةً بالمشارقة، لا سيّما في القراءة الجماعية. وقد قاوم بعض العلماء هذه العادة السيّئة، لكن مقاومتهم كانت كصرخةٍ في واد. حتى إنّ الإمام ابن عاشر رحمه الله كان يقول: “أنا لا أحضر الجنازة إذا حضر فيها الحزبون”؛ لأنه كان يرى أنهم يسيئون القراءة. ولم يكن اعتراضه كما فهم بعض الناس على القراءة الجماعية في ذاتها، وإنما كان اعتراضه على سوء القراءة الذي يقع فيها. و”الحزبون” المقصودون هم الذين يقرؤون الحزب الراتب جماعةً.
الصحفي حمزة : ليس المقصود إذن أولئك الذين يقرؤون في الجنازة؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، هو يقصد الحزبون الذين يقرؤون الحزب الراتب جماعة. وكان حضورهم—لهذا السبب—عذرًا عنده للتخلّف عن الجنائز. ومع ذلك كانت هناك نقطةٌ مضيئة، فبعض العلماء كانوا يُنبّهون لهذه الأمور. ومنهم علماء من منطقة سجلماسة، وقد أثّروا في محيطهم، وكانت منطقتهم معروفةً بحسن الأداء، وهو ما يُسمّى تاريخيًا بالقراءة الفلالية. ثم في العصور المتأخّرة، أو في الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة، وقع تطوّرٌ واضح، اذ صار هناك اهتمامٌ بالقراءات على المستوى النظري، وظهر في المغرب متخصصون كثر. كما أنّ الفاعل الديني التقليدي من جهة، والفاعل الديني “الحركي” أو الإصلاحي (أو ما يُسمّى بالحركة الإسلامية) من جهة أخرى، اعتنوا بهذا الجانب، وكان لذلك أثرٌ على مستوى القراءة. ففي بدايات تلك الجهود أُقيمت مسابقاتٌ في التجويد، ورُصدت جوائز تحفيزية، وكان لهذا أثرٌ على مستوى الممارسة. حتى وصلنا اليوم إلى أن المغاربة يحصدون جوائز عالمية في أنحاء العالم الإسلام، في إيران، وفي مصر، وفي الخليج، وفي غيرها، وغالبًا ما تجدهم ينالون المراتب الأولى أو المتقدّمة في تجويد القرآن وضبطه وإتقانه. وهذا تطوّرٌ كبير في التديّن المغربي فيما يتعلّق بالقرآن.
الصحفي حمزة : هذا فيما يخصّ القرآن. ننتقل إلى الفقه، لماذا استقرّ المغاربة تحديدًا على الفقه المالكي، مع أنّ مذاهب أخرى كانت تنشط في المجال المغربي الأندلسي، كالمذهب الظاهري1 مثلًا، ولم يستطع أن يفرض مكانته؟ بل حتى الفقه الشافعي يبدو أنه كان حاضرًا في مرحلةٍ ما. لماذا بالضبط الفقه المالكي؟ خصوصًا وأنّ بعض الناس ينتقدونه بحجّة كثرة أصوله وتشعّبه، يُقال إنها تبلغ نحو ستة عشر أصلًا، وأنّ هذا التشعّب قد يجعل العيش به صعبًا. ثم إنّ المغرب والأندلس مقارنةً بالجزيرة العربية عرفا قدرًا من الرفاه والانفتاح. فكيف وقع الاختيار على فقهٍ تكثر فيه الحواشي والتفاصيل، وقد يبلغ التعقيد فيه حدًّا يعجز معه الفرد عن أداء طقوسه الدينية؟
1 : المذهب الظاهري مذهبٌ فقهيّ يقوم على الأخذ بظاهر نصوص القرآن والسنة فقط، ويرفض القياس والرأي والاجتهاد المبنيّ على التعليل، ولا يُعمل إلا بما ورد نصًّا صريحًا دون تأويل أو توسّع.
ذ. عبد الله الجباري: هذا سؤالٌ يحتاج إلى تدقيق. والقولُ بأنّ الفقه المالكي وحده هو سببُ تمسّك المغاربة به قولٌ فيه نظر. ولا يمكنني إقصاءَ البُعد السياسي عن هذه المسألة. أولًا: كان المذهب الحنفي موجودًا في الغرب الإسلامي، سواء في تونس أو حتى في الأندلس. ومن المنطقي أن يُتصوَّر انتشاره في أطراف الأمة لأنه يُظنّ أنه أكثر مرونة على ما أعتقد.
الصحفي حمزة : أليس كذلك؟
ذ. عبد الله الجباري: ليس بالضرورة. نعم فيه نوع من المرونة، لكن على مستوى الأصول فالمذهب المالكي والمذهب الحنفي متقاربان جدًّا. في البداية كان الغرب الإسلامي مع الدولة الأموية في الأندلس. والدولة الأموية هي التي قامت بقرار رسمي بترسيم المذهب المالكي في الأندلس. وكان وراء ذلك أسبابٌ مُعلَنة وأسبابٌ غير مُعلَنة…
الصحفي حمزة : من الأسباب المُعلَنة لترسيم المذهب المالكي أنّ مذهب مالك هو مذهب أهل المدينة، وأنّ المغاربة كانوا يرحلون إلى المدينة وغيرها، وكان تعلّقهم بالمدينة قويًّا… أليس كذلك؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، هذا صحيح من حيث الظاهر. غير أنّ علماء المالكية ومؤرّخي المذهب في الغرب الإسلامي ذكروا سببًا آخر أكثر دلالة، وهو أنّ الأمويين ارتضوا المذهب المالكي لأنّ الإمام مالكًا كان في نظرهم أقرب إلى أسلافهم، أعني أمويّي المشرق.
الصحفي حمزة : ماذا تقصد بكونه أقرب إلى أسلافهم؟
ذ. عبد الله الجباري: أعني أنّه تُنقَل عنه أمورٌ تفيد ميلًا أمويًّا. ومن ذلك على سبيل المثال أنه كان لا يُربِّع الخلفاء الراشدين بعليّ بن أبي طالب.
الصحفي حمزة : عجيب!
ذ. عبد الله الجباري: نعم. كان يذكر أبا بكرٍ وعمر أولًا، ثم قد يُثلِّث بعثمان، ثم يقول: «ثم استوى الناس»، بما يوحي بإخراج عليّ بن أبي طالب وغيره من هذا الترتيب. وهذه نزعةٌ أمويّة أشار إليها غيرُ واحدٍ من العلماء والباحثين، كالإمام أبي زهرة المصري وغيره. كما أنّ الإمام مالكًا فيما يُنقل عنه لا يروي مناقب عليّ بن أبي طالب، فكان في هذا الباب متناغمًا مع النزعة الأموية.
الصحفي حمزة : فهمت. وما السبب الثاني؟
ذ. عبد الله الجباري: السبب الثاني أنّ المذهب الحنفي كان يمكن أن يُشكّل إزعاجًا للسلطة في الغرب الإسلامي، لذلك جرى محاربته هناك؛ لأنّه قد يُربك التوازن السياسي.
الصحفي حمزة : وهل شارك الإمام مالك في ذلك؟
ذ. عبد الله الجباري: تُنقَل عنه مقولةٌ مشهورة: «لو خرج علينا أبو حنيفة بالسيف أهون مما خرج علينا بالرأي». وقد تكون صحيحة وقد لا تكون، لكن الثابت أنّه كان له موقفٌ من الكوفيين، والكوفيون هنا يعني العراقيين، أي أهل الرأي، وعلى رأسهم أبو حنيفة ومن معه.
الصحفي حمزة : ولماذا كان ذلك يُقلق السلطة؟
ذ. عبد الله الجباري: لأنّ أبا حنيفة كان له موقفٌ سياسي؛ إذ كان يميل إلى مناصرة الخارجين على السلطة، وهذه المناصرة تُزعج السلطان القائم. بينما الإمام مالك لم يكن مؤيدًا لهؤلاء الخارجين، لا سيما من آل البيت. لهذا فضّلت السلطة المذهب المالكي على غيره.
الصحفي حمزة : لكننا نسمع كثيرًا من المعاصرين من يذكر مناقب الإمام مالك لتفسير تمسّك المغاربة بالمذهب المالكي.
ذ. عبد الله الجباري: وهذا في نظري غير مُحكَم؛ لأنّ مناقب الإمام مالك إن وُجدت، ففي مقابلها مناقب الشافعي، ومناقب أبي حنيفة، وغيرهما ممن لا يقلّون قدرًا وفضلًا. لذا فهذا التعليل لا يصمد أمام البحث. والخلاصة أنّ الدافع السياسي كان الأساس، بل هو في الدرجة الأولى.
الصحفي حمزة : ويذكر بعضهم أيضًا أن من أسباب الاختيار «مرونة» المذهب المالكي.
ذ. عبد الله الجباري: على العكس تمامًا، انتبه: هذا غير صحيح. نعم، قد يوجد فيه وجهٌ من المرونة في بعض المواضع، لكنّ القول بأنه مذهبٌ مرنٌ بإطلاق لم يقله المتقدمون، وإنما يردّده بعض المعاصرين اليوم تبريرًا. ونحن لا ننتقص من المذهب المالكي ولا نقول إنه دون مستوى،حاشا لله،، بل نحن نبحث موضوعيًّا في خصائصه. والمذهب المالكي ليس فيه «مرونة» بمعناها الشائع، بل فيه قدرٌ من التشدد، وهو مرتبطٌ بمبالغته في باب سدّ الذرائع2. ثم إنّ تشدده يتجلّى في بعض المباحث، خاصة في التعزير والقضاء.
2 سدّ الذرائع: أصلٌ فقهيّ يُقصد به منعُ الفعل المباح إذا كان وسيلةً ظاهرةً أو محتملةً إلى محرَّم؛ فمثلًا يُمنع بيع العنب لمن يُعلَم أنّه يتّخذه خمرًا، سدًّا للطريق المؤدّي إلى الحرام.
الصحفي حمزة : هل من مثال على ذلك؟
ذ. عبد الله الجباري: يُذكر أنه في مصر في عهد المماليك كان هناك أربعة قضاة، فإذا أرادوا التشديد على جانٍ أو مُتَّهَمٍ عَرضوه على القاضي المالكي؛ لأنه أشدّ من غيره. فحديث المرونة بهذا المعنى يحتاج إلى تدقيق.
الصحفي حمزة : إذن من الناحية العلمية البحتة لا ترى فرقًا كبيرًا؟ ذكرتَ أصل «عمل أهل المدينة» الذي يتميّز به الإمام مالك، وقد خالفه فيه علماء كبار…
ذ. عبد الله الجباري: تقريبًا، نعم. فإذا رجعنا إلى الأسباب العلمية وجدنا أنّ ما يُذكر للمذهب المالكي موجودٌ في غيره بتفاوت: فالاستصلاح يقول به المالكي ويقوله الحنفي ويطبّقه، والاستحسان عمليًّا حاضرٌ في المذاهب كلها. وأصول المالكي إذا استثنينا أصل «عمل أهل المدينة»، فأكثرها يوجد بنسبٍ مختلفة في المذاهب الأخرى. لذلك من الناحية المعرفية لا أكاد أجد فارقًا حاسمًا، بينما الجانب السياسي لعب دورًا كبيرًا في ترسيخ المالكية، ثم إنّ علماء المالكية الأوائل كان لهم نشاطٌ كبير في التدريس والتأليف ونصرة المذهب، وهذا أيضًا ساعد على تثبيته. لكن الأصل في البداية كانت له خلفية سياسية.
الصحفي حمزة : صحيح. أودّ أن أعود إلى أصلٍ مهمّ ذكرتَه، وهو أصل عمل أهل المدينة الذي تفرّد به الإمام مالك، وقد خالفه فيه علماء كبار. وأودّ هنا أن أفتح قوسًا تاريخيًّا: الإمام مالك—للدقّة—لم يتفرّد بهذا الأصل ابتداءً، ولم يُنشئ مذهبًا من فراغ؛ بل جاء فوجد مذهبًا قائمًا بذاته، هو مذهب أهل المدينة، فأقرّه وسار عليه. وكان هناك علماء آخرون يشتغلون على أقوال مالك وعلى المنهج نفسه، غير أنّ مكانة مالك العلمية وشهرته الواسعة جعلتا هذا المذهب يُنسب إليه. وبعبارة أدقّ: لم يُنشئ الإمام مالك مذهبًا بقدر ما انتسب إلى مذهبٍ قائمٍ فنُسب إليه لاحقًا. وانطلاقًا من هذه النقطة، ننتقل إلى الدولة الموحدية. فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنّ الدولة الموحدية، حين قامت، حاولت القضاء على المذاهب الفقهية، ووُصفت أحيانًا بأنها دولة عقلانية، تتّبع الدليل، وتتخلّص من الحواشي والشروح التي كانت سائدة آنذاك، وتختزل الدين في القرآن الكريم والحديث النبوي. ويُقال إنّ الدكتور محمد عابد الجابري مدح هذا التوجّه، واعتبره من أبرز علامات العقلانية المغربية المبكّرة، التي ارتبطت كذلك بابن رشد، بل وبابن حزم، مع أنّ ابن رشد كان مالكيًّا، غير أنّ ابن حزم اشتهر برفضه للتّمذهب أصلًا. غير أنّ هذه المحاولة الموحدية لم تدم إلا فترةً وجيزة. وهنا يبرز السؤال: هل كانت محاولة الدولة الموحدية قادرةً على دفع العقلانية المغربية قدمًا، وعلى تعزيز البحث والتحقيق والاجتهاد؟ أم كانت في جوهرها محاولةً استبدادية، لأنها لجأت إلى القهر، وإلى إحراق المدونات والشروح، بل وحتى بعض كتب المذهب، كالموطأ وغيره؟ وهل كان يمكن أن تُدخل المغرب كما يقول الجابري في «مسار البرهان» ومسار العقلانية؟ أم أنّها فشلت بسبب تناقضاتها الداخلية؟
الدولة الموحدية: دولةٌ إسلامية قامت في المغرب والأندلس سنة 515هـ / 1121م على يد المهدي بن تومرت، وبلغت أوجها في عهد عبد المؤمن بن علي، ثم بدأت في التراجع إلى أن سقطت نهائيًّا سنة 668هـ / 1269م، وتميّزت بنزعةٍ إصلاحية أثّرت بعمق في الحياة الفكرية والفقهية بالمغرب الإسلامي.
ذ. عبد الله الجباري: هذا التوصيف يذهب إليه بعض الباحثين، لا جميعهم. والحقيقة أنّ الدولة الموحدية لم تأتِ لمحاربة المذهب المالكي من حيث هو مذهب، وإنما جاءت بنفسٍ إصلاحيٍّ لمحاربة نسخة معيّنة من المذهب المالكي. ولفهم ذلك، ينبغي الرجوع إلى المنظّر الإيديولوجي للدولة الموحدية، وهو المهدي بن تومرت. فالْمَهدي بن تومرت له اختصارٌ للموطأ يُعرف بـ«موطأ المهدي». وهذا المختصر لم يُقصِ كما يزعم بعض الباحثين أصل عمل أهل المدينة، ولم يُلغِ القياس، بل حافظ عليهما معًا. وهذا وحده كافٍ لنقض القول بأنّ المهدي بن تومرت كان ظاهريًّا؛ لأنّ الظاهرية، كما هو معلوم، ترفض القياس أصلًا.
الظاهرية: مذهبٌ فقهيّ يقوم على التمسّك بظاهر نصوص القرآن والسنة، ويرفض القياس والرأي والاجتهاد التعليلي، ولا يعتدّ إلا بما ورد نصًّا صريحًا دون تأويل أو توسّع، ويُعدّ ابن حزم الأندلسي أبرز أعلامه.
بل إنّ المهدي بن تومرت تبنّى في مواضع عدّة اختياراتٍ مالكيةً تخالف المذهب الظاهري. وكذلك الشأن في تراث أوّل حاكم موحدي، عبد المؤمن بن علي، إذ بين أيدينا كتاب يجمع تراث المهدي بن تومرت مع إضافات من تراث عبد المؤمن، وفيه كلامٌ صريح في القياس وفي مسائل كثيرة لا تمتّ بصلة إلى الظاهرية.
فماذا كان الإصلاح الذي أراده الموحدون؟ لقد رأوا أنّ المذهب المالكي في ممارسته الفقهية آنذاك صار تراكمًا لأقوال الأئمة: في المسألة الواحدة يُقال قال فلان، وقال فلان، وقال فلان، دون ترجيحٍ واضح. فإذا وُجد في النازلة الواحدة ثلاثة أو خمسة أقوال، فبأيّها يُؤخذ؟ بعض حكّام الموحدين رفضوا هذا المنطق، وقالوا: لنعد إلى الأصول. وحين قالوا بالعودة إلى الأصول، فإنما قصدوا القرآن والسنة، وهما أصلان موجودان أصلًا في بنية المذهب المالكي. وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إنّ المذهب المالكي ليس مجرّد مجموع أقوال، بل له أصول ينبغي تفعيلها. ومن هنا نفهم أنّ إحراق بعض كتب المالكية لم يكن إحراقًا شاملًا لكل التراث المالكي، بل اقتصر على نوعٍ معيّن من الكتب، أشهرها «المدوّنة»؛ لأنها جمعت أقوالًا كثيرة. وكذلك بعض كتب ابن يونس التي كانت تجميعًا للأقوال. لكنهم لم يحرقوا كتب ابن العربي المعافري، رغم ولائه للمرابطين، ولم يحرقوا كتب ابن عبد البر، ولا كتب الباجي، وهو مالكي أشعري. فهؤلاء مع كونهم مالكية كانوا أميل إلى الأثر، وأبعد عن مجرد تكديس الأقوال.
غير أنّ هذا المسار الإصلاحي لم يدم طويلًا؛ ففي الشطر الثاني من العهد الموحدي عادت الأمور إلى ما كانت عليه، وعاد تدريس الفروع كما كان في العهد المرابطي. وفي نهاية المطاف لم تصمد هذه التجربة أمام فقهاء المالكية، الذين تشبّثوا بمنهجهم السابق وبتراثهم المتراكم.
الصحفي حمزة : أعلم أنّ الحكم على التاريخ صعب، لكن ما هو تقييمك الشخصي لهذه المحاولة الموحدية؟ هل كان خيارها صائبًا؟ أم ترى أنّ المجال الديني ينبغي أن يُترك للأقوال والفروع كما هي؟
ذ. عبد الله الجباري: من حيث المنهج، كانت محاولة صائبة؛ لأنها تميل إلى الاجتهاد وتناهض التقليد، على الأقل نظريًّا. كانوا يقولون: لماذا نرتهن إلى «قال فلان وقال فلان»؟ لنعد إلى النسخة الأصلية من الإسلام: القرآن والسنة والأدلة. فإذا رجعنا إلى الأدلة، فليجتهد المجتهد، وليبدع في الفهم ضمن هذه الأصول، بدل الاكتفاء بترديد الأقوال. أما بخصوص عمل أهل المدينة، فهو أصلٌ خضع لنقاش علمي واسع. فالسؤال الجوهري هنا: ما الذي يضمن أنّ العرف السائد في المدينة يُمثّل فعلًا جوهر الدين كما تركه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا السؤال ناقشه العلماء، ونوقش الإمام مالك فيه، ووقعت مراسلات معروفة، حتى إنّ ابن رشد نفسه وهو مالكي لا يعترف بأصل عمل أهل المدينة بهذا الإطلاق.
ومع ذلك، فإنّ الإمام مالك كان يرى أنّ عمل أهل المدينة يمثّل نوعًا من السنة العملية؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم عاش في المدينة، وترك فيها ممارساتٍ عملية توارثها الصحابة ثم التابعون جيلًا بعد جيل. وهذه السنة العملية في نظره أوثق من السنة القولية المنقولة آحادًا؛ لأنّ النقل الجماعي أرسخ من النقل الفردي. ولهذا فإنّ أصل عمل أهل المدينة، وإن كان محلّ نقاشٍ محمود، إلا أنّ العمل به لا يقتصر على المالكية وحدهم؛ فالمذاهب الأخرى تعمل بنظائره. فالشافعية مثلًا يعتمدون على عمل أهل مكة في تحديد حدود الحرم؛ لأنّ أهل مكة أدرى بشعابها. وهكذا فإنّ الاعتماد على الممارسة المتوارثة ليس حكرًا على المالكية، بل هو مبدأ حاضر في الفقه الإسلامي بأشكال مختلفة، شأنه شأن أصول أخرى مشتركة بين المذاهب، كـ«شرع من قبلنا».
الصحفي حمزة : ننتقل إلى أصلٍ فقهيٍّ آخر، هو أصل «شرع من قبلنا». وقد يطرح هنا إشكالٌ ظاهر: كيف يُعقَل أن نقول إنّ الإسلام حكم بوقوع التحريف في الشرائع السابقة، ثم يُصرّ الفقهاء، في الوقت نفسه، على اعتبار «شرع من قبلنا» من الأصول التي يُستخرج منها الحكم الفقهي؟ أليس في ذلك تناقض؟ كيف نرجع إلى شرائع سبق أن حُكم عليها بالفساد؟
ذ. عبد الله الجباري: هذا الإشكال مبنيّ على سوء فهم. فـ«شرع من قبلنا» الذي يُعتمَد في الفقه الإسلامي ليس هو الشرائع السابقة كما هي عند أهل الكتاب، وإنما هو ما ورد ذكره من تلك الشرائع في القرآن الكريم. فمثلًا، قصة ابنتي الرجل الصالح مع موسى عليه السلام، حين سقى لهما ثم رجعتا إلى أبيهما، فطلب من موسى أن يعمل لديه ثماني سنين مقابل الزواج بإحدى ابنتيه. هذه الصورة من التعاقد في العمل والأجرة مذكورة في القرآن الكريم. فإذا كان هذا الحكم واردًا في القرآن، فنحن لا نأخذه من أهل الكتاب، بل نأخذه من الوحي الإسلامي نفسه.
ثم ينبغي التنبيه إلى أصلٍ عقديٍّ مهم: الإسلام في اعتقاد المسلمين دينٌ واحد منذ آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. والخطأ الشائع هو الحديث عن «الديانات السماوية» بصيغة الجمع، بينما الأصل أنّه دين واحد، تعدّدت شرائعه. وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا…» ولم يقل بيوتًا، بل بيتًا واحدًا. وهذا البيت هو دين الإسلام في جوهره، أمّا الشرائع فهي لبِناته المتعددة، حتى جاءت اللبنة الأخيرة، فقال: «فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين». فالعقيدة واحدة، وأصل الدين واحد، لكن داخل هذا البناء وقع تنوّع في الشرائع. نعم، وقعت تحريفات، واندثرت شرائع لم تصلنا، لكن حين جاء الإسلام بوصفه الشريعة الخاتمة، جاء القرآن الكريم بصفة الهيمنة على ما سبقه من الشرائع؛ أي إنه يُصحّحها، ويُكملها، ويكشف ما وقع فيها من تحريف. ولهذا يمكننا اليوم أن نعرف عيسى عليه السلام، وموسى عليه السلام، وسيرتهما، معرفةً أدقّ من خلال القرآن الكريم نفسه. ومن هنا فقول بعضهم إنّ الإسلام أخذ كذا من اليهودية أو كذا من المسيحية قول غير دقيق؛ لأنّ الجميع صادر عن وحيٍ واحدٍ، وإن اختلفت مظاهره التاريخية.
الصحفي حمزة : نصل الآن إلى أصلٍ آخر من أصول الفقه، هو الإجماع. هذا الأصل لم يُثَر حوله نقاش واسع إلا في التاريخ الحديث. فقد كان شبه مُجمَع عليه بين المذاهب الأربعة أنه رابع أصول الاستدلال. لكن مع النهضة الفكرية الحديثة بدأ الحديث عن ضرورة مراجعته: أولًا لأننا لا نملك إحاطةً تامة بجميع أقوال العلماء لنقطع بتحقق الإجماع، وثانيًا لأنّ الإجماع قد يقع نظريًّا على قولٍ غير صائب. ثم إنّ القرآن نفسه ينتقد منطق الكثرة: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك﴾، و﴿ولكن أكثرهم لا يعقلون﴾. فلماذا هذا الإصرار على جعل الإجماع أصلًا ملزمًا؟
ذ. عبد الله الجباري: هنا يجب التمييز أولًا بين الإجماع والأغلبية. فالأغلبية ليست إجماعًا، ولا تُعدّ حجّة بذاتها، وإنما هي ترجيح. أما الإجماع فهو اتفاقٌ تام. ثم ينبغي إدراك أنّ الفقه الإسلامي عملٌ إنسانيّ، ولهذا فهو يشتغل في كثير من جوانبه ضمن ما يمكن تسميته بـ«المشترك الإنساني». فقاعدة مثل «ارتكاب أخفّ الضررين» قاعدة عقلية يعمل بها المسلم وغيره. الإجماع من هذا الباب. فمثلًا: إذا قرّر البرلمان بالإجماع قانونًا معيّنًا، فهو قانون ملزم. والفقهاء كذلك، إذا أجمعوا على حكمٍ ما، صار حجّة. لكن الإشكال الحقيقي في الإجماع ليس في أصله، بل في مجاله. وهنا أميّز بين ثلاثة مجالات: العقائد والعبادات والمعاملات، فإذا وقع الإجماع في العقائد أو في العبادات، فهو حجّة ملزمة؛ لأن هذه المجالات غير قابلة للتجديد. أما الإجماع في المعاملات، فهو محلّ نظر. خذ مثالًا: هل وقع إجماع على تحديد مدّة حكم الخليفة؟ لم يقع. الخلفاء حكموا ما شاء الله لهم أن يحكموا. اليوم، إذا رأينا أنّ تحديد مدّة الحكم أصلح للناس، فهل نحن ملزمون بإجماعٍ سابق؟ لا. ومثال آخر: كان هناك إجماع على أن للخليفة أن يعطي من بيت المال لمن شاء دون رقابة. هل يمكن تطبيق هذا اليوم؟ لا. ومع ذلك لا نقول إننا خالفنا الدين، بل خالفنا اجتهادًا تاريخيًّا. فإذا ميّزنا بين الإجماع في العقائد والعبادات وهو حجّة وبين الإجماع في المعاملات وهو اجتهاد بشري انحلّ الإشكال.
أسهم التفاعل الأندلسي بين المالكية والظاهرية في تليين المذهب المالكي؛ إذ انتقل من صرامته القيروانية إلى صيغٍ أكثر مرونة، وتأثّر بعض فقهائه باجتهادات ظاهرية، حتى لدى خصوم ابن حزم، كابن العربي المعافري، وهو ما انعكس في قبول السماع والطرب الأندلسي لدى عدد من علماء المالكية بالمغرب. ذ. عبد الله الجباري
الصحفي حمزة : نعود الآن إلى الاختيار الفقهي المغربي. ذكرتَ أنّ الظاهرية كان لها حضور قوي، بل ربما كادت أن تسود المنطقة.
ذ. عبد الله الجباري: نعم. الظاهرية كان لها أثر عميق، وما يزال هذا الأثر قائمًا إلى اليوم. بل ويمكن أن أقول قولًا قد يبدو صادمًا: إنّ الظاهرية أسهمت في تليين المذهب المالكي. فالمذهب المالكي نشأ في القيروان، وانتقل عبر المغرب إلى الأندلس. وفي الأندلس، وبفعل الحضارة والاحتكاك الثقافي، وبفعل التفاعل مع الظاهرية، جرى تليين المالكية. ومن المفارقات أنّ من أشدّ خصوم ابن حزم كان ابن العربي المعافري، ومع ذلك استفاد منه في بعض المسائل، كمسألة إباحة الغناء. وقد قال بهذا مؤخرًا الشيخ مولود السريري، وهو مالكي. وهكذا، عاد المذهب المالكي إلى المغرب متأثرًا بهذا التفاعل الأندلسي، فصار عندنا فقهاء مالكية يحضرون السماع والطرب الأندلسي. بل عندنا عالم رباطي كبير هو فتح الله البناني، له كتاب بعنوان بلوغ المسرّة والهناء في قول المنشدين إن أنا، وهو مالكي وصوفي. ولو بقيت المالكية على نسختها القيروانية الصارمة، لما وصلنا إلى هذه النتائج. فالمغرب عرف المالكية، والظاهرية، والنَّفَس الاجتهادي، مع علماء كانت لهم قدم راسخة في الاجتهاد، والابتعاد عن بعض الفروع دون الأصول.
إنّ ما يُسمّى اليوم بـ«الثوابت» ليس معطًى تاريخيًا صلبًا بقدر ما هو بناءٌ حديث يُستعمل لضبط المجال الديني وتقييد الحرية والاجتهاد. والتجربة التاريخية المغربية نفسها تُظهر أن ما نعدّه اليوم ثوابت لم يكن كذلك دائمًا، بل كان اختيارات متغيّرة، وأن الخوف الحقيقي ليس على الدين، بل من الحرية، حتى في أبسط المسائل الفقهية التي لا تمسّ جوهر العقيدة ولا الصلاة.
الصحفي حمزة : ننتقل إذن إلى الاختيار العقدي. يُقال إنّ المغاربة اختاروا العقيدة الأشعرية2، وتُقدَّم اليوم ضمن ما يُسمّى «الثوابت المغربية».
2العقيدة الأشعرية مذهبٌ عقديّ سنّيّ سُمِّيَ بهذا الاسم نسبةً إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ)، ويقوم على الجمع بين النصّ الشرعي والعقل؛ فيُثبت العقائد بالوحي، ويستعمل العقل للدفاع عنها ودفع الشُّبهات، دون تقديمه على النصّ. ذ. عبد الله الجباري
ذ. عبد الله الجباري: مصطلح «الثوابت» يحتاج إلى مراجعة. هذا التعبير لم يظهر بهذا الزخم إلا حديثًا، خصوصًا في عهد وزير الأوقاف أحمد التوفيق. قبل ذلك لم يكن الحديث عن «الثوابت» بهذه الصيغة. فكيف يعقل أن تكون ثوابت الأمة ضاربة في القدم، ثم لا يظهر الحديث عنها إلا مؤخرًا؟ هذا غير منطقي. والأدقّ كما قال الدكتور أحمد الريسوني أن نتحدث عن «الاختيارات المغربية» لا عن «الثوابت». ثم إنّ التاريخ يُكذّب فكرة الثوابت الصلبة؛ فمثلًا السلطانان سيدي محمد بن عبد الله ومولاي سليمان أعلنا سلفيتهما في العقيدة، ولم يكونا أشعريين، مع أنّ علماء عصرهما كانوا أشاعرة. فهل خرج السلاطين عن «الثوابت»؟ أم أنّ هذه الثوابت صيغت لاحقًا؟ الحديث عن الثوابت في جوهره يعكس خوفًا من الحرية، ومن الإبداع، ومن الاجتهاد. وهو محاولة لتنميط المجتمع في قالبٍ واحد. وسأضرب مثالًا بسيطًا: في إحدى مدن المغرب، كانت تُكتب شعارات نابية في الشوارع وتبقى أيامًا دون إزالة، بينما كلمة واحدة كُتبت ليلًا هي «الحرية» أُزيلت في أقل من عشر ساعات. هذا هو الخوف الحقيقي: الخوف من الحرية. وينطبق الأمر حتى على تفاصيل فقهية بسيطة، كطريقة الصلاة: القبض أو السدل. اليوم ترى بعض العلماء يصلّون بالسدل في المحافل الرسمية، وبالقبض في غيرها. وهذا وحده كافٍ ليدلّ على أن المسألة ليست «ثوابت»، بل اختيارات تاريخية متغيّرة. وقد يصل الأمر أحيانًا إلى التدخّل الإداري في تفاصيل دينية جزئية، كما وقع في بعض المدن حين أُوقِف أئمّة أو وُوبّخوا بسبب ممارسات لا تمسّ جوهر الدين. والحلّ في نظري بسيط: اتركوا الناس أحرارًا؛ فمن اقتنع بالسدل صلّى به، ومن اقتنع بالقبض صلّى به. فهذه مسائل فرعية لا تمسّ جوهر الصلاة، ولا تمسّ العقيدة.
وقد بلغ الأمر حدًّا لافتًا حين صرّح وزيرُ الأوقاف في البرلمان بأنّ بعضَ النواب لا يعرفون معنى الأشعرية؛ فإذا كانت نخبةٌ تمثّل الأمة تجهل هذا المفهوم، فكيف يُقال إنه من “الثوابت”؟ ثم إنّ تنميط الناس دينيًّا وفكريًّا يمسّ بحرية الاعتقاد التي يقرّها الدستور، ويكشف أن جوهر الإشكال هو الخوف من الحرية. ذ. عبد الله الجباري
والأمر نفسه في العقيدة؛ فالاختلاف بين الأشعري وغيره كان قائمًا تاريخيًّا ولم يكن كارثة. لكن الإشكال اليوم هو تحويل هذه الاختيارات التاريخية إلى ما يُسمّى «ثوابت». وقد بلغ الأمر حدًّا غريبًا حين صرّح وزير الأوقاف في البرلمان بأنّ بعض النواب لا يعرفون معنى الأشعرية. فإذا كانت نُخبة تمثّل الأمة لا تعرف الأشعرية، فكيف يُقال إنها من الثوابت؟ هذا غير معقول. ثم إنّ الدستور ينصّ على حرية الاعتقاد، لكن الواقع يناقض ذلك أحيانًا؛ إذ يجري تنميط الناس دينيًّا وفكريًّا، وهو ما يشكّل مخالفة دستورية صريحة. وجوهر المشكلة كلّه هو الخوف من الحرية؛ هذا هو مربط الفرس، وهو الذي أفرز خطاب «الثوابت».
الصحفي حمزة : ننتقل إلى مسألة الاجتهاد. نظريًّا، الإسلام يحضّ على الاجتهاد، لكن عمليًّا نسمع أنّ «باب الاجتهاد أُغلق» منذ قرون. لماذا هذا التناقض؟
ذ. عبد الله الجباري: صحيح، الاجتهاد مقبول نظريًّا، لكنه محارَب عمليًّا. كلّ من حاول أن يجتهد خارج السردية الرسمية تعرّض للتضييق، سواء من السلطة أو من المجتمع. وهذا لا يخصّ المغرب وحده؛ فالتاريخ مليء بالأمثلة: ابن رشد نُفي، وابن حزم حورب، وقبلهم الفارابي وابن سينا. وفي المغرب، عانت أسر علمية كبيرة كآل الغماري3 من محاربة شديدة، رغم أنهم أشاعرة في العقيدة، فقط لأن اجتهاداتهم خرجت عن النسق السائد. وهذا يؤكّد أنّ المشكلة ليست عقدية، بل سياسية وثقافية. والسبب الجوهري هو الخوف من الحرية، والخوف من التفكير المستقل. فالمجتمعات المتخلّفة تخاف من الحرية، وتخاف من الاجتهاد، وتسعى إلى إدخال الجميع في سردية واحدة مغلقة. ومن خرج عنها وُصِف بالزندقة أو الشذوذ.
3آل الغماري أسرة علمية مغربية عريقة، ترجع أصولها إلى منطقة الشمال (تطوان وما جاورها)، وقد برز منها عدد من كبار المحدّثين والفقهاء في القرن العشرين، أشهرهم أحمد بن الصديق الغماري، وعبد الله بن الصديق الغماري، وعبد العزيز الغماري. تميّز أفرادها بسعة الاطلاع، وقوة الملكة الحديثية، والنزعة الاجتهادية النقدية، مع التزامهم بالعقيدة الأشعرية. وقد تعرّضوا لمحاربات علمية ومؤسساتية بسبب اجتهاداتهم الخارجة عن السردية الرسمية السائدة.
الصحفي حمزة : لكن يبقى السؤال: أين يبدأ الاجتهاد وأين ينتهي؟
ذ. عبد الله الجباري: الاجتهاد الحقيقي ليس مجرّد تغيير في الشكل أو الخطاب، ولا هو تسيّب. بل هو تفكير منضبط ينطلق من الأصول: القرآن، والسنة، والمصلحة، والعرف، والاستحسان. فالقضايا التي لم يرد فيها نصّ قطعي خصوصًا في السياسة والمعاملات باب الاجتهاد فيها مفتوح، أما تعطيل النصوص بدعوى الاجتهاد فهذا انحراف. ولهذا يجب التمييز بين الاجتهاد والتسيّب. فبعض من يُقدَّمون اليوم بوصفهم «مجتهدين»كشحرور أو أركون4 لا يلتزمون بالضوابط العلمية؛ إذ لا يمكن ضبط أصولهم ولا بناء منهج متماسك لهم، بخلاف الاجتهاد الأصيل الذي يقوم على نسق علمي منضبط.
4 محمد شحرور مفكّر سوري معاصر، اشتهر بقراءاته الحداثية للنص القرآني، حيث أعاد تأويل كثير من المفاهيم الشرعية بعيدًا عن مناهج أصول الفقه الموروثة، معتمدًا مقاربات لغوية وعقلانية خاصة به، وهو ما جعله محلّ نقد واسع بدعوى عدم التزامه بالضوابط العلمية المنهجية للاجتهاد. محمد أركون مفكّر جزائري معاصر، تخصّص في تاريخ الفكر الإسلامي، ودعا إلى ما سمّاه «نقد العقل الإسلامي» باستخدام مناهج العلوم الإنسانية الحديثة. وقد أثارت أطروحاته جدلًا كبيرًا، بسبب تشكيكه في بعض المسلّمات التراثية والدينية، واعتماده مقاربات تاريخية ولسانية لا يقرّها المنهج الأصولي التقليدي.
في المغرب، إشكال الدولة أنها غير واضحة الهوية: يمكن وصفها دينية، ويمكن وصفها ديمقراطية، ولكلّ توصيف ما يسنده. وهذا الغموض ينعكس على الحقل الديني والفقهي. ذ. عبد الله الجباري
الصحفي حمزة : لكننا نلاحظ أيضًا أن كثيرًا من العلماء اليوم يضيّقون مفهوم الاجتهاد، بل ينكرونه.
ذ. عبد الله الجباري: وهذا تضييق غير مبرَّر. في الماضي كان ضيق الأفق مبرَّرًا نسبيًّا لندرة المصادر، أمّا اليوم فالمعرفة متاحة، والباحث القادر يمكنه أن يجتهد اجتهادًا جزئيًّا في مسألة معيّنة. فلا معنى للقول إنّ الاجتهاد انتهى.
الصحفي حمزة : نصل هنا إلى العلاقة بين الفقه والسياسة.
ذ. عبد الله الجباري: السياسة مجال مصالح لا مجال عقائد، كما قال عبد الله العروي. ومع ذلك، فإنّ الطرح الإسلامي والطرح العلماني ليسا بالضرورة في صدام دائم. فالعلمانيات متعدّدة، كما أنّ الفقه متعدد. الكارثة هي فرض قراءة واحدة؛ لأنّ القراءة الواحدة هي عين الديكتاتورية. ومن مزايا الإسلام أنّ نصوصه غير مغلقة، وأنّ القطعي فيها قليل، وأنّ الاختلاف فيه واسع، حتى في مسائل العقيدة. وهذا الاختلاف دليل على فسحة الحرية. وفي المغرب، إشكال الدولة أنها غير واضحة الهوية: يمكن وصفها دينية، ويمكن وصفها ديمقراطية، ولكلّ توصيف ما يسنده. وهذا الغموض ينعكس على الحقل الديني والفقهي.
الصحفي حمزة : يُقال أحيانًا إنّ التصوف خيارٌ مغربيّ خاص، أو ظاهرة محليّة مرتبطة بسياق معيّن. ما رأيكم؟
ذ. عبد الله الجباري: هذا غير دقيق. فالتصوف لم يختره المغاربة وحدهم، بل اختاره المسلمون شرقًا وغربًا. بل حتى في أرض الحنابلة وُجد صوفية كبار؛ فعددٌ مهم من علماء المذهب الحنبلي كانوا صوفيين، ومنهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو حنبلي، وكذلك ابن الجوزي، والهروي، وهو حنبلي شديد في الفقه، ومع ذلك كان صوفيًّا عميق الانتماء، وله منظومة في التصوف شرحها ابن القيم رحمه الله، وهو تلميذ ابن تيمية. وهذا يدلّ على أنّ التصوف كان خيار الغالبية العظمى من المسلمين.
الصحفي حمزة : إذن متى ظهر هذا الربط بين الحنبلية ومحاربة التصوف؟
ذ. عبد الله الجباري: هذا الربط لم يظهر إلا مع الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر. قبل ذلك، لم يكن هناك هذا الصدام؛ فالحنابلة والصوفية لم يكن بينهم إشكال جوهري. لذلك فهذه القطيعة أمر طارئ وحديث، والمغرب والمشرق في هذا الباب سواء.
الصحفي حمزة : ولماذا يُقدَّم الجنيد دائمًا بوصفه رمزًا للتصوف؟
ذ. عبد الله الجباري: الجنيد رمز من رموز التصوف، لكنه ليس الرمز الوحيد. لدينا رموز كثيرة، غير أنّ الجنيد5 اتُّخذ مثالًا تمثيليًّا، كما نُمثِّل بالإمام مالك في المذهب المالكي، مع أنّ في عصره علماء يساوونه أو يفوقونه علمًا، مثل ابن أبي ذئب، وهو من كبار علماء المدينة. فالأمر رمزيّ لا إقصائي.
5 الجنيد يُقصد به غالبًا الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد البغدادي، أحد أعلام التصوف في الإسلام. واصطلاحًا، هو رمز التصوف السُّني المعتدل الذي يربط السلوك الروحي التزامًا صارمًا بالقرآن والسنة، ويقوم على الصحوة مع الفناء، وضبط التجربة الصوفية بالعقل والشرع، لا بالانفلات أو الشطح.
الصحفي حمزة : وماذا عن التصوف المغربي تحديدًا؟
ذ. عبد الله الجباري: التصوف المغربي ظلّ منفتحًا على مختلف الخيارات والمدارس الصوفية. لكن من يجهل هذا السياق التاريخي قد يظنّ أنّ هناك حساسية معاصرة تجاه التصوف، فيراه بدعة أو محرّمًا. ويرتبط هذا جزئيًّا بواقعٍ حديثٍ أصبح فيه عدد من “العلماء” المعاصرين في الأصل أساتذة جامعيين، عُيّنوا في المجالس العلمية بظهائر رسمية، وقد تأثّر كثير منهم بالتيار السلفي.
الصحفي حمزة : ومع ذلك نراهم اليوم يثنون على التصوف رسميًّا؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، وهذا من مفارقات الواقع. فبفعل التحولات السياسية والمؤسساتية، اندمج بعض هؤلاء في الخطاب الرسمي، فأصبحوا يمدحون التصوف حين يُطلب منهم ذلك، بل يشاركون في وفود رسمية إلى مناطق صوفية، ويتحدثون عبر المنابر مادحين له.
الصحفي حمزة : لكن يُقال أحيانًا: نحن لا نحارب التصوف، بل نحارب “التصوف الطرقي” فقط.
ذ. عبد الله الجباري: هنا يظهر الإشكال. فبعضهم لا يميّز أصلًا، بل يرفض التصوف كله ويعدّه بدعة. ثم يظهر مصطلح إشكالي مثل “التصوف السني”، وكأن هناك تصوفًا غير سني. وقد استنكر هذا التعبير بعض السلفيين أنفسهم، مثل الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي، متسائلًا: كيف يكون التصوف سنيًّا وغير سني؟
الصحفي حمزة : ويُقال إنّ المقصود بـ“التصوف السني” هو تصوف الجنيد.
ذ. عبد الله الجباري: حتى هذا تبسيط مخلّ. فابن عربي الحاتمي، مثلًا، يكثر في «الفتوحات المكية» من النقل عن الجنيد، وهو جنيدي في هذا المعنى. وفي المغرب، لم يكن التأثر محصورًا في الجنيد، بل امتدّ إلى الحلاج، وابن عربي، وغيرهما من كبار الصوفية.
الصحفي حمزة : من أكثر القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في التصوف قضية وحدة الوجود، وغالبًا ما تُخلط بمفاهيم أخرى مثل الحلول والاتحاد. هل يمكن توضيح الفرق بينها؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، هذا من أهم مواضع الإشكال. بدايةً، يجب التنبيه إلى أن وحدة الوجود من جهة، والحلول والاتحاد من جهة أخرى، مفاهيم متناقضة أصلًا، وليس بينها تلازم كما يُشاع. فقد شرح علماء المغرب قصائد ومنظومات صوفية مرتبطة بوحدة الوجود6، مثل نونية الششتري. واعتنق هذا القول عدد من كبار صوفية المغرب، كابن عجيبة، والحراق، والإمام زروق، ومولاي العربي الدرقاوي. وكانت كتب هؤلاء متداولة ومشروحة، وهو ما يدلّ على أنّ هذا التصور لم يكن هامشيًّا ولا دخيلًا في التصوف المغربي.
6 وحدة الوجود مذهبٌ صوفيّ فلسفيّ يقول إنّ الوجود الحقيقي المطلق هو وجود الله وحده، أمّا وجود المخلوقات فوجودٌ نسبيّ أو مجازي قائم بالله لا مستقلّ عنه. لا يقول بالاختلاط ولا بذوبان الخالق في المخلوق، بل يميّز بين وجودٍ ذاتيّ (لله) ووجودٍ عارضٍ (للمخلوقات). الحلول عقيدة باطلة تقول إنّ الله يحلّ في بعض المخلوقات (إنسان، جسد، شيء معيّن). تفترض ثنائية: خالق ومخلوق، ثم تزعم حلول أحدهما في الآخر. وهذا مرفوض عقديًّا. الاتحاد قولٌ باطل أيضًا، يذهب إلى أنّ الخالق والمخلوق يصيران شيئًا واحدًا، أي تزول الفوارق بينهما. وهو أشدّ غلوًّا من الحلول.
الحلول والاتحاد يفترضان الاثنينية؛ أي وجود ذاتين: الله من جهة، والمخلوق من جهة أخرى، ثم يُقال إنّ أحدهما يحلّ في الآخر أو يتّحد به. وهذا التصور، في تقديري، خارج عن دائرة الإسلام. أما وحدة الوجود فلا تؤمن بالاثنينية أصلًا، بل تنطلق من تصور مغاير تمامًا.
الصحفي حمزة : وما هو هذا التصور؟
ذ. عبد الله الجباري: وحدة الوجود تقول إنّ الوجود الحقيقي هو وجود الله تعالى وحده؛ وجودٌ غير مسبوق بعدم، ولا ملحوق بعدم. أما ما سواه فوجوده مجازي، أو استعاري، أو قائم بالله، لأنه مسبوق بالعدم وملحوق به، فهو وجود زائل. وبهذا المعنى، لا يوجد “حلول”، لأن الحلول لا يكون إلا بين شيئين، بينما هنا لا توجد اثنينية أصلًا.
الصحفي حمزة : لكن يُقال إنّ ابن تيمية كفّر القائلين بهذه الأقوال؟
ذ. عبد الله الجباري: هنا وقع الخلط. ومن الأخطاء المنهجية التي وقع فيها ابن تيمية رحمه الله أنه جمع بين الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وردّ عليها بوصفها تصورًا واحدًا، ونسبها إلى أشخاص بعينهم، وكفّرهم بناء على ذلك. وهذا غير دقيق من الناحية المفهومية.
الصحفي حمزة : وماذا عن ابن عربي، وهو أشهر من نُسب إليه القول بوحدة الوجود؟
ذ. عبد الله الجباري: ابن عربي الحاتمي كان واضحًا في هذا الباب؛ فهو يقول نصًّا: «لا يقول بالحلول إلا من دينه معلول، ولا يقول بالاتحاد إلا أهل الإلحاد». وله نصوص كثيرة يرفض فيها الحلول والاتحاد صراحة. لكن كثيرًا من المعاصرين ما زالوا ينسبون إليه هذين القولين تقليدًا لابن تيمية، دون تحقيق علمي.
الصحفي حمزة : وماذا عن الأقوال الصوفية المنسوبة إلى الحلاج، والتي تبدو صادمة أحيانًا؟
ذ. عبد الله الجباري: بعض هذه الأقوال أُسيء فهمها بسبب القراءة الحرفية. فالصوفية يعتمدون ما يُسمّى التفسير الإشاري، ويستعملون الرمز بكثافة. فمثلًا، قولهم: «ما دون الله باطل» لا يعني إنكار وجود العالم، بل يعني أن وجوده غير ذاتي، زائل، قائم بالله. أما العبارات الرمزية المنسوبة للحلاج، كقوله: «سبحاني سبحاني ما أعظم شأني»، فلا تُفهم على ظاهرها، وإنما في سياقها الروحي والرمزي.
الصحفي حمزة : إذن الخطاب الصوفي له مستويات؟
ذ. عبد الله الجباري: بالضبط. الخطاب الصوفي خطاب ذو طبقات، لا يُفهم كله فهمًا واحدًا. ولهذا نجد كتبًا كثيرة في شرح أقوال ابن عربي وغيره، كتبها تلامذته ومن جاء بعدهم، مثل القونوي وابن عجيبة والحراق وغيرهم. بل إنّ علماء المغرب تداولوا هذه الكتب، وشرحوها، وتبنّوا القول بوحدة الوجود بهذا المعنى الفلسفي الدقيق، دون أن يروا فيه خروجًا عن التوحيد.
الصحفي حمزة : وهذا يفسّر كثرة الرمز والاستعارة في الشعر الصوفي؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم. الرمز عنصر جوهري في التصوف، كما هو في الشعر الحديث وما بعد الحداثي. من يقرأ النص الصوفي بميزان الظاهر وحده سيخطئ حتمًا. ولهذا كان الصوفية أنفسهم يحذّرون من التسرّع في التكفير، ويؤكدون أنّ لكل خطاب مقامًا، ولكل معنى مرتبة.
الصحفي حمزة : يُؤخذ على بعض عبارات الصوفية، خاصة عند ابن عربي والحلاج، أنّ ظاهرها يوحي بالكفر، ويستند بعضهم إلى القراءة الظاهرية للحكم عليهم. كيف تنظرون إلى هذا الإشكال؟
ذ. عبد الله الجباري: هنا يقع الخلل المنهجي. حين يُقرأ الخطاب الصوفي بمنطقٍ ظاهريٍّ حرفي، قد يُكَفَّر صاحبه، بل قد يُقال – على هذا الفهم – إنّه “تجاوز الأنبياء في المعرفة”، وهذا خطأ جسيم. لكن حين يُعاد تفسير الكلام في سياقه الرمزي والإشاري، يتّضح المعنى المقصود.
الصحفي حمزة :هل من مثال يوضح هذا الفرق؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم. هناك مقولة صوفية تقول: «دخلنا بحرًا، ووقف الأنبياء بساحله». من يقرأها قراءة حرفية يظنّها ادعاءً فاسدًا، لكن تفسيرها الإشاري يقول: دخلنا بحر المعاصي، ووقف الأنبياء بساحله؛ أي أنّ الأنبياء معصومون من الغرق فيه. هنا يظهر بوضوح اختلاف مستوى الخطاب.
الصحفي حمزة : وهذا ينطبق كذلك على عبارات ابن عربي؟
ذ. عبد الله الجباري: بالضبط. بعض عبارات ابن عربي، مثل قوله: «يا من يراني ولا أراه»، إذا أُخذت بظاهرها أوحت بالكفر، لكن عند شرحها وبيان مقاصدها، يظهر أنّ معناها مستقيم منسجم مع التوحيد. ولهذا السبب وُضعت شروح كثيرة لكلامه، كتبها تلامذته مثل صدر الدين القونوي، ثم من جاء بعدهم.
الصحفي حمزة : وهل امتدّ هذا التقليد إلى المغرب؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، وبقوة. نجد في المغرب مولاي العربي الدرقاوي مجدّد الطريقة الصوفية، يشرح ويؤصّل على نهج ابن عربي. ومن تلامذته ابن عجيبة في الشمال، والحراق، وغيرهما، وكلهم ساروا على هذا النسق، وشرحوا كثيرًا من الأقوال الصوفية شرحًا رمزيًّا عميقًا. وهذا يدلّ على أنّ هذا الخطاب لم يكن شاذًّا ولا مرفوضًا، بل كان متداولًا ومفهومًا داخل المدرسة الصوفية المغربية.
الصحفي حمزة : إذن الإشكال في التسرّع في الحكم؟
ذ. عبد الله الجباري: تمامًا. المطلوب هو التأنّي وعدم التسرّع، لأنّ الخطاب ليس كلّه موجّهًا للعامة. الخطابات لها مستويات ومراتب، وقضية الرمز والاستعارة حاضرة بقوة في التصوف، بل في الشعر الصوفي أكثر منها في النثر. وكما أنّ شعر الحداثة وما بعد الحداثة لا يُفهم من اللفظ وحده، كذلك النص الصوفي.
الصحفي حمزة : ننتقل إلى التصوف الطُّرقي، وهو موضوع جدلي اليوم في المغرب.
ذ. عبد الله الجباري: نعم. التصوف الطُّرقي هو الذي يثير الإشكال اليوم. مؤخرًا، شهدنا نزاعًا داخل الطريقة البوتشيشية بين أفراد الأسرة حول “حامل السر”، وهو ما يُظهر أنّ الخلاف صار حول النفوذ والمصالح، لا حول السلوك الروحي. وهنا يُطرح السؤال: لماذا نتحوّل إلى طُرُق متعدّدة، مع أنّ التصوف في أصله متاح لكل مسلم دون الحاجة إلى إطار تنظيمي مغلق؟
الصحفي حمزة : لكن هل يمكن القياس على كبار الصوفية كابن عربي؟
ذ. عبد الله الجباري: لا. ابن عربي لا يُقاس عليه. هو حالة استثنائية. وقد قال لي مرة عبد الله بن كيران رحمه الله: «ذاك السيد ثقب السقف»؛ أي تجاوز المألوف، ولا يمكن لعامة الناس أن يسلكوا طريقه. ولهذا، كما في السياسة توجد مدارس، وفي الفقه توجد مذاهب، كذلك في التربية والسلوك توجد مدارس، لأنّ العامي لا يستطيع أن يربّي نفسه بنفسه.
الصحفي حمزة : وهنا تأتي فكرة الشيخ المربي؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم. الشيخ المربي يتعهد المريدين، يوجّههم إلى الذكر، والأوراد، والصلاة، والقرآن، والسنة. وكل أئمة التصوف، وعلى رأسهم الجنيد البغدادي، يقولون: «طريقنا مقيد بالكتاب والسنة». أما تخصيص أوراد أو أذكار معينة، فليس فيه إشكال في ذاته، ما دام منضبطًا بالشرع ومقاصده.
الصحفي حمزة : تحدّثتم عن دور الشيخ المربّي في التصوف، وعن تخصيص الأوراد والأذكار، كيف نفهم هذا الأمر دون الوقوع في البدعة أو التسيّب؟
ذ. عبد الله الجباري: الأمر في جوهره بسيط. أنا قد أقول للناس: اذكروا الله مثلًا بـ«أستغفر الله» مائة مرة، والصلاة على النبي ﷺ مائة مرة. فإذا رأيتُ شخصًا له همّة أعلى وقدرة أكبر، أقول له: اجعلها ألفًا. هذا ليس تشريعًا جديدًا، بل تربية ومراعاة لأحوال الناس. والشيخ المربّي يفعل ذلك بحسب معرفته بمريده، كما يفعل الطبيب مع مرضاه.
الصحفي حمزة : وهنا تتشكّل العلاقة التربوية؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم. هذا هو معنى الشيخ المربّي. قد يكون الشيخ في بجعد، ويأتيه أناس من طنجة أو من غيرها. فإذا التحق به عدد من الناس، تشكّلت مدرسة تربوية، ثم قد تتحوّل مع الزمن إلى طريقة، وقد تنشأ لها فروع. الإشكال ليس في الأصل، بل في ما يطرأ لاحقًا.
الصحفي حمزة : وغالبًا ما يُثار السؤال: لماذا اشتهرت بعض الطرق أكثر من غيرها، مثل الطريقة البوتشيشية؟
ذ. عبد الله الجباري: صحيح. شهرة الطرق ليست دائمًا دينية خالصة. تاريخيًا، كانت قبل البوتشيشية طرق أكثر انتشارًا في المغرب. خذ مثلًا الطريقة الدرقاوية، التي وقعت بينها وبين السلطان مولاي سليمان صدامات واضحة. ثم جاء أحمد التجاني فارًّا من الجزائر، حيث كانت له مشاكل مع ممثلي السلطة العثمانية، فوجد فيه مولاي سليمان فرصة لمواجهة الدرقاوية، فقرّبه، وسهّل له الإقامة، وفتح له أبواب القرويين.
الصحفي حمزة : ويُروى في هذا السياق حادث منع تدريس التفسير؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، يُحكى أنّ السلطان مولاي سليمان، حين دخل جامع القرويين ووجد الشيخ الطيب بن كيران يدرّس تفسير القرآن، أُبلغ من طرف أحمد التجاني بأن تدريس التفسير يُعدّ «نذير شؤم» على السلطان، أي علامة على قرب وفاته بحسب الاعتقاد السائد آنذاك. فاستجاب السلطان لهذا الرأي وأصدر أمرًا بمنع تدريس التفسير. ومنذ ذلك الحين، بدأ عدد من القضاة ووجهاء المجتمع ورجال المال يقتربون من الطريقة التجانية، كما يحدث غالبًا عندما تتقاطع السلطة السياسية مع النفوذ الديني.
الصحفي حمزة : وهذا ما يفسّر تحوّل بعض الطرق إلى قوى اجتماعية كبرى؟
ذ. عبد الله الجباري: بالضبط. الدولة بطبعها لا تترك تنظيمًا يتضخم خارج السيطرة. وفي العقود الأخيرة، دعمت الدولة الطريقة البوتشيشية دعمًا ظاهرًا، فصار القضاة، والوكلاء العامون، وكبار المسؤولين يحجّون إلى مداغ. وهذا طبيعي أن يقود إلى ما سماه ابن خلدون «الدورة»، حيث يبدأ النفوذ، ثم تتراكم المصالح، ثم يقع الصراع، خصوصًا بعد وفاة الشيخ.
الانحراف في بعض الطرق الصوفية ليس أمرًا طارئًا، بل عرفه التاريخ منذ زمن، فعندما تتحوّل الطريقة البوتشيشية الآن إلى بنيةٍ أشبه بمؤسسة اقتصادية، تمتلك العقارات والأموال والأوقاف، ويغدو النقاش منصبًّا على من يملك ومن يُدير، ينتقل التصوف من مجال التزكية والسلوك الروحي إلى منطق المصالح والنفوذ.
الصحفي حمزة : لكنكم تشيرون إلى انحرافات أعمق؟
ذ. عبد الله الجباري: نعم، بصراحة. الانحراف في الطرق الصوفية قديم، وفي الطريقة البوتشيشية بشكل خاص منذ مدة. حين تتحوّل الزاوية إلى ما يشبه «مقاولة صوفية»، لها عقارات، وأموال، وأوقاف، ويصبح الحديث عن من يملك ماذا ومن يدير ماذا، فنحن أمام منطق المصالح لا منطق السلوك الروحي.
الصحفي حمزة : وهل يمكن للدولة ضبط هذا المجال؟
ذ. عبد الله الجباري: أظنّ أن الدولة حاولت عبر جمعيات الشرفاء، لكنها لم تنجح. المجال الصوفي بطبيعته مجال روحي، وإذا دخلته الانحرافات، فإمّا أن يُصحَّح من الداخل، أو يُقمع قمعًا كاملًا كما حدث مع الزاوية الدلائية7 قديمًا، لأنها كانت تمتلك حسًّا نقديًا تجاه السلطة. أما الزوايا التي لا تمتلك هذا الحسّ النقدي، فغالبًا ما تُترك أو تُوظَّف.
7 الزاوية الدلائية هي زاوية صوفية وعلمية كبرى ظهرت في المغرب خلال القرن السابع عشر، ونُسبت إلى قبيلة دلا في الأطلس المتوسط. تأسست على يد أسرة آل أبي بكر الدلائي، وأصبحت مركزًا للتعليم الديني والتصوف، ثم تحوّلت مع الزمن إلى قوّة سياسية نافست السلطة المركزية، حتى قضى عليها السلطان العلوي مولاي الرشيد سنة 1668م.
الصحفي حمزة : وهل النزاع الحالي داخل الطريقة البوتشيشية ديني في جوهره؟
ذ. عبد الله الجباري: لا أظن. في تقديري، أصل الخلاف الحقيقي مرتبط بالأوقاف والمصالح، لا بـ«السر» ولا بالمقام الروحي. ومن أخطر الانحرافات التي لا يعرفها كثير من الناس: بناء ضريح للشيخ حمزة رحمه الله، يُقال إنه يفوق في رمزيته وضخامته ضريح محمد الخامس، وهو أمر تتحفّظ عليه السلطة نفسها.
الصحفي حمزة : وهذا يناقض روح التصوف؟
ذ. عبد الله الجباري: قطعًا. لا علاقة لهذا بروح التصوف، التي هي روح الزهد والتواضع. أئمة التصوف، وعلى رأسهم الجنيد، يقولون بوضوح: «طريقنا مقيد بالكتاب والسنة». وبناء الأضرحة الضخمة، وتحويلها إلى رموز سلطة ونفوذ، مخالف للكتاب والسنة، ومخالف لجوهر التصوف نفسه.
الصحفي حمزة : قلتم إنّ طريق الصوفية «مقيَّد بالكتاب والسنة»، لكن في المقابل نرى مظاهر كبرى، كتشـييد الأضرحة الضخمة. كيف يُفهم هذا التناقض؟
ذ. عبد الله الجباري: هذا هو الإشكال بعينه. أئمة التصوف، وعلى رأسهم الجنيد، صرّحوا بوضوح: «طريقنا مقيَّد بالكتاب والسنة». وبناء الأضرحة الضخمة، وتحويلها إلى رموز سلطة أو مظاهر بذخ، أمرٌ مخالف للكتاب والسنة، ومنافٍ لروح الزهد التي قام عليها التصوف. مع ذلك، يجب أن نكون منصفين، نحن اليوم أحوج ما نكون إلى التصوف، لأنّ الجانب الروحي عنصر أساسي في توازن الإنسان. لكننا في الوقت نفسه أحوج ما نكون إلى مُحتسِب داخل التصوف، أي إلى صوت إصلاحي من داخله.
الصحفي حمزة : وما المقصود بالمُحتسِب هنا؟
ذ. عبد الله الجباري: أقصد ما كان يفعله كبار الصوفية أنفسهم، مثل سيدي أحمد الرفاعي، ومولاي عبد القادر الجيلاني، والإمام أحمد زروق. هؤلاء لم يتردّدوا في نقد المتصوفة الزائفين، والتنبيه إلى الدخيل الذي يفسد الطريق. بل حتى ابن عربي في زمنه، والجنيد في زمنه، كانوا يتحدثون عن الانحراف داخل التصوف. فإذا كان هؤلاء قد نبّهوا إلى الدخيل في عصورهم، فكيف بعصرنا؟ لهذا أقول، الإصلاح لا يمكن أن يأتي من السلطة؛ فالسلطة لا تنجح في إصلاح المجال الروحي. الإصلاح الحقيقي يجب أن يأتي من داخل التصوف نفسه.
الصحفي حمزة : دعنا ننتقل إلى قضية أخرى أثارت جدلًا واسعًا في المغرب، وهي مدونة الأسرة، وبالخصوص مسألة الإرث والمساواة بين الرجل والمرأة.
ذ. عبد الله الجباري: نعم، هذا هو جوهر الخلاف الحقيقي. المغاربة لا ينشغلون كثيرًا بالتفاصيل التقنية للمدونة، بقدر ما ينشغلون بسؤال المساواة في الإرث. وهذا ليس جديدًا؛ نتذكر مسيرات سنة 2000، مسيرة في الرباط وأخرى في الدار البيضاء، واحدة قادها الإسلاميون، وأخرى قادها التيار التقدمي.
الصحفي حمزة : ويُقال اليوم إنّ الواقع تغيّر، وإنّ الأحكام لم تعد مناسبة كما كانت؟
ذ. عبد الله الجباري: هنا يجب التوقف. هذه القضية تحتاج نقاشًا علميًا هادئًا، لا أيديولوجيًا. أخطر ما يهدد مثل هذه القضايا هو تحويلها إلى شعارات سياسية. في الحقيقة، سؤال المساواة سؤال فلسفي عميق: هل المساواة مبدأ مطلق؟ أم هي وسيلة لتحقيق غاية أعلى؟ هذا السؤال لا يجيب عنه الفقهاء وحدهم، بل الفلاسفة أيضًا.
الصحفي حمزة : هل من أمثلة فلسفية على ذلك؟
العدل لا يُطابق المساواة دائمًا؛ إذ يعني إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه وفق مرجعية محدّدة، شرعية أو قانونية أو عرفية. وفي نظام الإرث تتنوّع الأحكام: فهناك حالات يكون فيها للذكر مثل حظّ الأنثيين، وأخرى يتساوى فيها الطرفان، بل وحالات ترث فيها المرأة دون الرجل، بما يؤكّد أنّ المبدأ واحد، أمّا تنزيله فمتعدّد.
ذ. عبد الله الجباري: نعم. ماكس شيلر، الفيلسوف الألماني، يرى أن المساواة قد تكون أحيانًا تعبيرًا عن الحقد. ونيتشه يرى أنها قد تكون تعبيرًا عن الحسد؛ أي محاولة لخفض الآخر بدل الارتقاء بالذات. قد نختلف معهم، لكن هذا يبيّن أن المساواة ليست فكرة بريئة دائمًا. خذ مثالًا بسيطًا: في الدستور المغربي، نقرّ بالمساواة، لكن ولاية العهد حكر على الذكور. الملك الحسن الثاني كانت له ابنة كبرى، الأميرة مريم، ولم يقل أحد إنها أولى بالعرش. ومع ذلك، يستمد النظام الملكي شرعيته من النسب عبر فاطمة الزهراء، أي عبر المرأة، لكنه لا يمنح الحكم للمرأة. أليس في هذا تناقض ظاهري؟
الصحفي حمزة : إذن، المساواة ليست قاعدة مطلقة؟
ذ. عبد الله الجباري:بالضبط. العدل ليس هو المساواة. العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه وفق مرجعية معيّنة: شرعية، قانونية، أو عرفية. في الإرث، عندنا حالات: للذكر مثل حظ الأنثيين، حالات تتساوى فيها المرأة مع الرجل، بل حالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل. المبدأ موجود، لكن التطبيق متنوّع.
الصحفي حمزة : وماذا عن مفهوم الإنصاف الذي يُطرح اليوم؟
ذ. عبد الله الجباري: هذا مفهوم مهم. جون راولز، الفيلسوف الأمريكي، تحدث عن العدالة كإنصاف. أحيانًا، القاعدة العامة العادلة تُنتج ظلمًا في حالات خاصة، وهنا نتدخل بآليات إنصاف. مثلًا: ذوو الإعاقة، هل نعاملهم بالمعايير نفسها في مباريات التوظيف؟ لا. نلجأ إلى «الكوطا»، وهذا ليس ظلمًا، بل إنصاف. في الإرث، قد تتضرر المرأة بسبب ممارسات اجتماعية جائرة، لا بسبب النص الشرعي. هنا يمكن اللجوء إلى أدوات مشروعة كالهبة، والوصية، والعُمْرى8… لا إلى هدم النظام كله.
8 العُمْرَى هي تمليكُ عينٍ (كدارٍ أو أرض) لشخصٍ ما مدّةَ حياته، بحيث ينتفع بها ما دام حيًّا، ثم تعود بعد وفاته إلى المالك الأوّل أو إلى ورثته، ما لم يُنَصّ على خلاف ذلك. وتُستعمل فقهيًا أحيانًا كوسيلة للإنصاف أو لتنظيم التصرّف في المال خارج قسمة الإرث المباشرة.
تاريخيًا، صدر الأمر بإصلاح مدوّنة الأسرة عن الملك الحسن الثاني، غير أنّ دستور 2011 جعل تعديل القوانين من اختصاص الحكومة. ومع ذلك، يسود صمتٌ عام إزاء هذا الإشكال الدستوري في قضايا مثل مدوّنة الأسرة أو الإجهاض أو إصلاح المناهج الدينية، وهو ما يكشف خللًا في فصل السلطات؛ إذ يسهل الاعتراض حين يصدر التعديل عن الحكومة، بينما يُفضي نسبُه إلى الملك إلى إسكات النقاش وتفريغ المسؤولية السياسية من معناها. ذ. عبد الله الجباري
الصحفي حمزة : لكن هناك من يقترح فتح باب الوصية على مصراعيه؟
ذ. عبد الله الجباري: وهذا أخطر ما يمكن فعله. في مجتمع ذكوري، فتح الوصية دون ضوابط يعني شرعنة حرمان النساء. اليوم، المرأة ترث شرعًا وقانونًا، ومع ذلك تُحرم في الواقع. فإذا أعطيتَ هذا الأب سلطة الوصية المطلقة، فسيورّث الذكور ويحرم الإناث باسم «الإنصاف». وهنا تصبح الوصية أكبر تهديد للمرأة، لا حمايتها.
الصحفي حمزة : تبقّى سؤال أخير: من يملك شرعية تعديل مدونة الأسرة؟
ذ. عبد الله الجباري : سؤال في غاية الأهمية. تاريخيًا، الحسن الثاني هو من أعطى الأمر بإصلاح المدونة. لكن بعد دستور 2011، تعديل القوانين من اختصاص الحكومة، لا الملك. ومع ذلك، نرى سكوتًا عامًا عن هذا الإشكال الدستوري، سواء في مدونة الأسرة، أو في قضايا أخرى كالإجهاض، أو إصلاح المناهج الدينية. هذا يكشف خللًا حقيقيًا في فصل السلطات، ومشكلًا ديمقراطيًا عميقًا في المغرب. حين يأتي التعديل من الحكومة، يمكن معارضته. لكن حين يُنسب إلى الملك، يسكت الجميع، وتُفرَّغ المسؤولية السياسية من معناها.
الصحفي حمزة : إذن خلاصة ما تفضلتم به: هذه النقاط التي ذكرتموها في قضية مدونة الأسرة تحتاج إلى نقاش جدي؟
ذ. عبد الله الجباري : نعم، وهذه بالذات هي النقطة التي أؤكد عليها: قضية المدونة ينبغي أن تُناقَش داخل منطق الدولة الحديثة؛ أي أن تكون قضية حكومة قبل كل شيء. الحكومة هي التي ينبغي أن تبادر، وهي التي تتحمل المسؤولية السياسية. لأن أي تعديل يأتي من حيث المبدأ من حقي أن أعارضه أو أناقشه. أما إذا جاء من المؤسسة الملكية، فالناس يعرفون أن الاعتراض يصبح شبه مستحيل، أو على الأقل بالغ الكلفة.
الصحفي حمزة : يعني أنتم تدعون إلى الفصل الواضح بين الأدوار؟
ذ. عبد الله الجباري : بالضبط. ينبغي أن نكون صارمين مع الحكومة، وأن نطالبها بالوضوح. نعم، صلاحيات الملك موجودة ومعروفة دستورياً، لكن الإشكال هو وضوح الممارسة، حين تختلط الاختصاصات في الواقع، تصبح الثقة الدستورية نفسها مفرغة من معناها. كيف نستقيم مع “الاختيار الديمقراطي” مثلاً، ثم نسمع في الوقت ذاته عن عقوبات على من يشكك في الانتخابات؟ هذا تناقض واضح.
الصحفي حمزة : نصل الآن إلى ختام هذا النقاش الممتع. شكرًا جزيلاً لكم أستاذ عبد الله الجباري على قبول الدعوة. بقيت لنا أسئلة روتينية نطرحها على جميع الضيوف. لكن قبل ذلك، سؤال له علاقة بالدستور: هناك نقاش واسع هذه الأيام حول وثيقة التطبيع التي وقّعها الدكتور سعد الدين العثماني.
ذ. عبد الله الجباري : نعم، رغم أن الوقت ضيق، يمكن أن نتناولها باختصار. اليوم نرى أن حزب العدالة والتنمية يحاول بكل ما أوتي من قوة تبرئة نفسه، في حين يحمل آخرون الحزبَ والعثمانيَّ المسؤولية. وأنا أرى أن هذه القضية ينبغي أن تُناقش سياسيًا ودستوريًا في آنٍ واحد.
الصحفي حمزة : كيف ذلك؟
ذ. عبد الله الجباري : أولاً: لنفترض أن رئيس حكومة آخر غير العثماني هو من وقّع الاتفاقية، هل كان الحزب سيبرر له كما يبرر اليوم للعثماني؟ بالطبع لا. كانوا سيهاجمونه بأشد العبارات. ولنا سابقة: عبد الرحمن اليوسفي حين كان وزيراً أول وزار بيت لحم وحضر قداس رأس السنة مع ياسر عرفات؛ تعرض لهجوم شديد من جهات محسوبة على التيار نفسه، ومن جريدة “التجديد” وغيرها، على أمور أقل من هذا بكثير.
في ما يخصّ اتفاق التطبيع مع إسرائيل، صحيح أنّ الفصل 55 من الدستور ينصّ على توقيع الملك أو المصادقة على المعاهدات، غير أنّ إعدادها والتداول بشأنها يتمّان داخل الحكومة، وفق مقتضيات دستورية أخرى، خاصة الفصل 92 المتعلّق باختصاصات المجلس الحكومي. لذلك لا يستقيم دستوريًا تحميل الملك عبء المسؤولية لتخفيف الضغط عن رئيس الحكومة؛ إذ إنّ المسؤولية الدستورية تقع على رئيس الحكومة انذاك سعد الدين العثماني، أمّا تقدير القرار سياسيًا فموضوعٌ آخر.
الصحفي حمزة : إذن مسؤولية العثماني قائمة؟
ذ. عبد الله الجباري : نعم، المسؤولية السياسية حاضرة. ثم هناك نقطة ثانية: الحزب صوت على دستور 2011 ودافع عنه، وكان يقول إن الدستور يعطي رئيس الحكومة صلاحيات ومسؤوليات كبيرة. والسؤال هنا: المعاهدات الدولية تناقَش داخل المجلس الحكومي. هل نوقشت أم لم تُناقش؟ لا نعلم. العثماني يقول إن مساء التوقيع لم يكن على علم كامل… لكن كيف يعقل أن تُوقَّع معاهدة ولا تمر عبر المجلس الحكومي؟
الصحفي حمزة : هناك من يستند إلى الفصل 55 ويقول إن الملك هو من يوقع أو يصادق على المعاهدات.
ذ. عبد الله الجباري : صحيح، الفصل 55 ينص على توقيع الملك أو المصادقة، لكن أين تُتداوَل المعاهدة وتُحضَّر؟ داخل الحكومة. وهناك فصول أخرى كالفصل 92 وما يرتبط به تؤكد اختصاص المجلس الحكومي في التداول. ولهذا لا يستقيم أن يُرمى ثقل المسؤولية على الملك لتخفيف الضغط عن رئيس الحكومة. دستورياً المسؤولية تقع على رئيس الحكومة: وقع أو لم يوقع، قرر أو لم يقرر، هذا موضوع سياسي آخر، لكن من حيث المسؤولية الدستورية الأمر واضح.
الصحفي حمزة : لكن كثيرين يؤكدون أن العثماني رجل فاضل وذو أخلاق.
ذ. عبد الله الجباري : هذا لا خلاف فيه، وهو موضوع آخر. نحن هنا لا نحاكم الأشخاص أخلاقيًا، بل نناقش الفعل سياسيًا وتاريخيًا. بعد خمسين أو مئة سنة سيقرأ الناس وثيقة موقعة باسمه، ولن يسألوا عن نواياه ولا عن صفاته الشخصية. سيحاكمون الحدث بوصفه وثيقة سياسية.
الصحفي حمزة : إذن ما الحل؟
ذ. عبد الله الجباري : الحل الوحيد هو إعلان البراءة الرسمية والاعتذار عن ذلك الفعل. وليس العثماني وحده: الحزب كذلك لا حل له إلا أن يعلن البراءة، ويقول بوضوح إن التوقيع لم يتم بعد استشارة الحزب. أما إن لم يفعل، فسيظل يتحمل المسؤولية سياسيًا ودستوريًا.
الصحفي حمزة : هناك من يقدم تبريرات مثل “لحظة ارتباك” أو “أخف الضررين”.
ذ. عبد الله الجباري : هذه تبريرات غير مقنعة. “لحظة ارتباك” ليست تحليلًا سياسيًا. و”أخف الضررين” مسألة فكرية ومقاصدية كبرى، لكنها اليوم صارت تُستعمل لتغطية كل كارثة. بل صرنا نرى خطابات كاملة تُلبَس لبوس المقاصد لتبرير مواقف سياسية محرجة. المشكلة الحقيقية عندنا هي ثقافة التبرير والتهرب من المسؤولية. لا نحب أن نتحمل مسؤوليتنا في اللحظات الحاسمة. وأنا أقول، لو كان أخنوش هو من وقّع، لكان الحزب نفسه سيشنّ عليه هجومًا شرسًا. ومع ذلك نحن نحترم الأشخاص، لكن التاريخ لا يرحم، في اللحظات التاريخية يجب تحمل المسؤولية.
الصحفي حمزة : شكرًا لكم سي عبد الله، الحديث معكم ممتع. تبقّى لنا سؤالان روتينيان نختم بهما الحلقة. السؤال الأول: اقترحوا على المشاهدين كتابًا واحدًا ترون أنه جدير بالقراءة.
ذ. عبد الله الجباري : كتاب واحد فقط؟ حسنًا.

أقترح كتابًا للمعلم الهندي أمارتيا سِن، عنوانه قريب من: “التنمية حرية” أو “الحرية تنمية” (المعنى واحد). تتمثل فكرته الأساسية في أن التنمية لا يمكن أن تتحقق بدون وجود الحرية، وهذا يتماشى مع ما تناولناه سابقًا. الكتاب مُترجم وقد أصدرت طبعه سلسلة “عالم المعرفة” الكويتية، ويُعتبر عملًا ذا أهمية بالغة. (رابط الكتاب في آخر الحوار)
الصحفي حمزة : جميل. السؤال الثاني: من الضيف الذي تتمنى أن تراه في هذا البودكاست؟
ذ. عبد الله الجباري : سؤال صعب… لكن سأذكر اسمًا واحدًا له حضور كبير وطبع الحقل السياسي من زوايا متعددة، ومع ذلك لم نسمعه إلا مرة أو مرتين، ونحن بحاجة إلى الاستماع إليه: السيد فؤاد علي الهمة. أوجه له دعوة مباشرة: اشتغلتم فترة في وزارة الداخلية مع جلالة الملك، ثم انتقلتم إلى العمل السياسي والبرلماني، ثم إلى دور المستشار. نحن نعرف جزءًا صغيرًا من الصورة، ونحتاج إلى معرفة ما لا نعرفه. نكون سعداء إن حضرتم في هذا البودكاست للحديث عن التجربة وعن كثير من الحيثيات التي يتوق المغاربة لسماعها.

الصحفي حمزة : نتقاسم معكم هذه الدعوة، ونأمل أن يتحقق ذلك، لأنه قد يعزز الممارسة الديمقراطية ويطورها.
ذ. عبد الله الجباري : بكل تأكيد.
الصحفي حمزة : شكرًا جزيلًا لكم مرة أخرى، وشكرًا لمشاهدينا الكرام، وإلى الأسبوع المقبل.




