المنبر الحر

من البذخ إلى الرحمة: نموذج “اثنا عشر جارًا-12 Neighbours- يضيء طريقًا إنسانيًا

 د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

في عالمٍ تتجاور فيه ناطحات السحاب مع أحياء الصفيح، وتُصفّ فيه السيارات الخارقة أمام موائد الترف المفرط، بينما ينام الفقراء على الأرصفة داخل المدن نفسها، تتجلّى أبشع مفارقات العصر وخصوصا في العالم العربي والإسلامي: ثراءٌ فاحش إلى جانب فقرٍ مدقع في الوطن الواحد، وفي الشارع ذاته أحيانًا. وفي وقت تُهدر فيه الثروات على اللهو والسباقات الاستعراضية واليخوت، يختار قلةٌ نادرة أن تسلك طريقًا آخر، طريق الكرامة والإنسان. من بين هؤلاء يبرز اسم المهندس ورائد الأعمال الكندي مارسيل لوبران (Marcel LeBrun)، رجل جمع ثروة هائلة، ثم قرر أن يُحوّل المال من أداة للترف إلى وسيلة لإنقاذ البشر وبناء حياة جديدة لمن لفظهم المجتمع.

مارسيل لوبران من هو؟ ولم هذا العمل الاجتماعي؟

مارسيل لوبران يُقدَّر مولده حوالي عام 1970، وهو من مقاطعة نيو برونزويك الكندية. تلقّى تعليمه في الهندسة: حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية والحاسوب من University of New Brunswick عام 1992. انطلق مارسيل لوبران في رحلات متعددة داخل أميركا الشمالية وخارجها، بحثًا عن نماذج ناجحة في معالجة مشكلتي الفقر والتشرّد، وكان يولي اهتمامًا خاصًا لتجارب “المنازل الصغيرة” التي لا تكتفي بتوفير سقف، بل تحفظ للإنسان كرامته أيضًا. ومن خلال هذه التجارب، توصّل — بحسب تصريحاته — إلى قناعة عميقة مفادها أن كثيرًا من المبادرات الخيرية تظلّ حبيسة التعامل مع مظاهر العجز: الفقر، والتشرّد، والإدمان، دون أن تعيد بناء هوية الإنسان المنكسرة في الداخل، حيث يُنظر إلى الفقير غالبًا بوصفه محتاجًا دائمًا لا كفرد يمتلك قدرات وإمكانات. ومن هنا تشكّل لديه وعيٌ جديد يرى أن استعادة الكرامة الإنسانية لا تتحقق بمسكن مؤقت فقط، بل ببيئة مستقرة، وعلاقات قائمة على الاحترام، وفرص عمل حقيقية، ودعم نفسي واجتماعي متكامل. وهكذا تجسّد مشروع «اثنا عشر جارًا» بوصفه ترجمة عملية لهذه الرؤية: بيتٌ يوفّر الأمان، وكرامة تُصان، ومجتمع يحتضن، وفرصة تُفتح لبداية جديدة.

من تكنولوجيا المعلومات إلى المنازل الصغيرة للمحتاجين

بدأ مارسيل لوبران، مهندس كمبيوتر ورائد تقني كندي، دخوله إلى عالم التكنولوجيا من بوابة العمل في إحدى شركات الاتصالات، قبل أن يخطو بثبات نحو ريادة الأعمال عبر مشاركته في تأسيس عدد من الشركات الناشئة، كان أبرزها شركة Radian6 المتخصّصة في مراقبة وتحليل محتوى وسائل التواصل الاجتماعي. وفي سنة 2011، حقّقت هذه الشركة قفزة تاريخية بعدما استحوذت عليها الشركة الأمريكية العملاقة Salesforce.com في صفقة بلغت قيمتها نحو 326 مليون دولار نقدًا وأسهمًا، لتُعدّ من أكبر الصفقات في تاريخ المنطقة.

وبعد إتمام البيع، شغل لوبران لفترة منصب نائب رئيس داخل Salesforce، غير أنّه سرعان ما خفّف من اندماجه في عالم الشركات ليبدأ تحوّلًا عميقًا في مساره، متجهًا نحو العمل الاجتماعي بوصفه “مبادرًا إنسانيًا” يبحث عن معنى أسمى لتوظيف الثروة خارج منطق الربح وحده. سأل نفسه: كيف أستطيع أن أساهم بحق في تغيير حياة أشخاص فقدوا الأمل؟ ثم انبثقت فكرة مشروع”اثما عشر جارا” 12 Neighbours: قرية من «منازل صغيرة» (tiny homes) مخصّصة لمن كانوا بلا مأوى في مدينة Fredericton (مقاطعة نيو برونزويك، كندا). 

ماذا يقدم مشروع 12 Neighbours؟

انطلق المشروع في مرحلته الأولى ببناء ما يقارب ستةً وتسعين إلى تسعةٍ وتسعين منزلًا صغيرًا خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2021 و2024، صُمِّم كل واحد منها على مساحة تقارب 240 قدمًا مربعة اي حوالي 22.3 مترًا مربعًا، ويضم فضاءً للمعيشة والنوم، ومطبخًا، وحمّامًا، إضافة إلى التجهيزات الأساسية، في تصميم يراعي خصوصية الساكن ويحفظ له كرامته الإنسانية. ويُقدَّم السكن بتكلفة ميسّرة تراعي أوضاع المستفيدين، بحيث لا يتجاوز الإيجار ثلاثين في المائة من دخل الساكن، وغالبًا لا يزيد عمّا يقارب مئتي دولار شهريًا شاملةً فواتير الكهرباء والماء والإنترنت. ولا يقتصر دور المشروع على توفير المسكن فحسب، بل يواكبه بدعم تنموي متكامل يشمل الاستشارات النفسية وعلاج الإدمان، إلى جانب فرص عمل داخل فضائه من خلال مقهى، ومتجر للطباعة، وورش عمل، فضلًا عن برامج للتعليم والتدريب، في مسعى واضح لإعادة إدماج المستفيدين في الحياة كأفراد منتجين لا كمحتاجين دائمين للمساعدة. ويختصر مارسيل لوبران فلسفة هذا التوجّه بقوله: «لا أريد أن أقدّم لهم مأوى فقط، بل أريد أن أقدّم لهم فرصة ليبدؤوا من جديد».

لماذا هذا النموذج مهم؟

تبرز أهمية هذا النموذج لأنه ينطلق من فهم عميق لحقيقة الفقر والتشرّد، فالمسألة لا تتعلّق بسقف يؤوي الجسد فقط، بل بكرامة تُرمَّم واستقرار نفسي يُعاد بناؤه؛ إذ يمنح مشروع 12 Neighbours لكل إنسان مساحة شخصية يشعر فيها بالأمان والانتماء، فتُستعاد إنسانيته قبل أي شيء آخر. كما أن المشروع يعيد تعريف دور أصحاب الثروات، لا بوصفهم مستهلكين للبذخ والاستعراض، بل فاعلين في صناعة الأمل وقادة لتغيير اجتماعي حقيقي. وإلى جانب ذلك، يقدّم 12 Neighbours نموذجًا عمليًا قابلًا للتنفيذ لمعالجة جزء من أزمة السكن، بعيدًا عن الحلول المؤقتة والهشّة كالملاجئ المكتظة أو الشارع أو الخيام، ليطرح بديلًا إنسانيًا قائمًا على الاستدامة والتمكين.

ومع ما يحمله هذا المشروع من قيمة إنسانية عالية، فإنه لا يخلو من حدود واقعية ينبغي التنبيه إليها؛ فالمنازل، بحكم صِغَر مساحتها، تكون في الغالب مناسبة لفرد واحد أو شخصين، ولا تلائم العائلات أو الأطفال على نحو كافٍ. ورغم أن المشروع استفاد من دعم وتمويل حكومي، فإن جزءًا مهمًّا من تكلفته تحمّله مارسيل لابرون من ماله الخاص، وهو ما يبرز أن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطًا إلى حدّ كبير بوجود شخصية مبادِرة وفاعلة تقوده. ثم إن مشروع 12 Neighbours، على أهميته، لا يشكّل حلًّا شاملًا لأزمة السكن في كندا، إذ يظلّ الطلب على السكن المدعوم أكبر بكثير مما يستطيع المشروع توفيره، ما يجعل منه تجربة رائدة لكنها غير كافية وحدها لمعالجة المشكلة جذريًا.

في الاخير، يفتح لنا مشروع “اثنا عشر جارا” نافذة أمل، ذلك أن الثروة لا تدعو بالضرورة إلى البذخ، بل يمكن أن تكون أمانة تُستثمر في إنسانٍ فقد الأمل. إن نموذجًا كهذا يذكّرنا – كمجتمعات عربية وإسلامية — بأن الصدقة الحقيقية هي ما يُعيد الكرامة، ليس التباهي.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE