مع ذ. سليمان شاهي الدين : ما موقعنا من التباري الحضاري ؟ الجزء الاول
مع ذ. سليمان شاهي الدين: ما موقعنا من التباري الحضاري ؟

إن الدين عند الله الإسلام و إن أول كلمة أسس عليها كمنهج حياة لا تبدأ إلا بفعل أمر إلهي و هو إقرأ ، و هو فعل القراءة الذي لا ينفصل عن الكتابة التي تؤسس لبناء معارف حول جميع تجليات الوجود الإنساني المادي و المعنوي و هذا العمل هو سر التقدم المذهل في وجود الحضارات الإنسانية الغابرة التي تشكل مخلفاتها آيات و برهان قاطع على تطور و نبوغ حضاري لا مثيل له ، و ليست الحضارة الإنسانية الحديثة و المعاصرة إلا النسخة الثانية في صناعة التقدم الحضاري ، غير أن الخطر الذي يتربص بالإنسانية يكمن في المآل المأساوي الذي سقطت فيه الحضارة المتطورة الغابرة ، و حتى تتفادى الإنسانية السقوط في نفس المتاهة و مستنقع الهلاك ، كان لزاما على الإنسان المسؤول الذي أنيط به حمل أمانة قيام الأسرة و المجتمع و الدولة أن يتصدر المشهد و يعمل على التأسيس لبناء العمران البشري أي لبناء المجتمع على أساس الإصلاح و التطوير و رسم الأهداف و إتخاذ كل الأسباب التي تجعل الفرد و الأسرة و الجماعة تدخل في نطاق اجتماعي منتظم داخل مؤسسات بناءة و عاملة و سائرة في طريق النمو و التطور و لقد قدمت بعض الدول تجارب ناجحة يمكن النسج على منوالها و هي من قبيل كل من سنغافورة و ماليزيا و تركيا.
إن أهم الأدوار المنوطة بالإنسان العاقل و المفكر من حيث هو مثقف و داعية و سياسي و معلم و أستاذ و قاضي و موظف ؛ يتمثل في ترجمة رسالة الإنقياد في معركة تطوير جامعة و شاملة للذات و الأسرة و المؤسسة أو المقاولة / الشركة أو الضيعة و الإدارة و الإعلام و المدرسة أو الجامعة و مراكز البحث العلمي ، ضمن هذا العمل يسقط أشباه المثقفين و الدعاة المزيفين كما يجب الفصل في ذات الوقت في القضايا الخلافية الثانوية التي يمكن تجاوزها عند التنبه لكونها مشكلات مفتعلة تؤسس لمبدأ فرق تسد و إن البث في قضايا من هذا النوع ضرورية و سنخوض بشأنها لاحقا .
إن الأعمال و الأقوال و الدروس الحقيقية التي يمكن أن يعتد بها تتمثل في كل ما من شانه أن يدخل في الإعداد لخوض المعركة الحضارية في أوسع أبوابها و في أرحب آفاقها ، فنحن نحتاج إلى الإنسان الفاعل الأكثر قدرة على أن يكون منتجاً و لا يكون ذلك إلا على ضوء التمتع الساطع الباهر للكفاءات المتنوعة و المختلفة و هي العمل المطلوب الذي ينهض على تنزيل قيمها النظرية و التطبيقية ، و هنا يسقط و هو أمر ضروري و ملزم لكل وجود سلبي سائد ؛ أو بالأحرى نواجه نوع العلاقات التقليدية السائدة المرتبطة بنمط ونظام اجتماعي كلاسيكي أو هجين ، تستدعي ضرورة التطور و اللحاق بالركب الحضاري نقده و تجاوزه لأنه يعرقل خطة الإنقاذ الإجتماعية التي يجب التسريع في تنزيلها ، ذلك أن كل تماطل أو تسويف أو عرقلة تجعل الشعوب في منأى عن التقدم و لو قيد أنملة ، و هنا نحن نواجه الإستعمار الغربي في نسخته غير المباشرة و بالنظر إلى أن أنساق الأنظمة القائمة في المغرب الكبير على سبيل المثال لا الحصر يجعلنا نقف أمام متاريس متعددة تعمق إعادة نفس العلاقات الإجتماعية القائمة منذ القرن التاسع عشر ، و يتصدر المشهد لتعميق نمط التخلف الإجتماعي كل من السياسات الفاشلة الجاري بها العمل و يواكبها بروز أبواق تطغى عليها الدعاية السياسية و تؤازرها خطابات صادرة من قبل ” مثقفين ” يقدمون بضاعة مجزاة لا تكشف عن الحقائق بقدر ما تحجبها و تسوق لأوهام و أصنام لا تتعدى أن تكون مجرد الضلال الباهتة للحقائق المزيفة .
إن الرسالة التي يحملها كل إنسان عامة و كل مسلم خاصة تستوجب الإنتصار للحق و تستدعي قول الحقيقة و البحث الدؤوب على تحصيلها من حيث هي ذلك المعطى الموضوعي الماثل للعيان و مهما كان موضوع الدرس من قبيل الظواهر الإنسانية و ما ينشأ عنها من ترابط الذاتي و الموضوعي ،فإن ذلك لا يمنع من التوصل إلى حقائق نسبية عند إعتماد مقاربات منهجية و معرفية و مفاهيم إجرائية و إحصائية ، و هناك تكون السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا لا تنفك البتة عن العمل بالموازاة مع الدراسات المقاصدية الجريئة في ضبط كل أحوال الممارسات الإنسانية في تعاطيها مع ضرورات المعيش اليومي و إكراهات السلطة الزمنية المتمثلة في مدى تحاملها على نمذجة الجماهير و تطويعه و قولبته عبر و سائل الضبط و الضغط و التدجين .
إن الإشكالية العظمى و المعضلة الكبرى تكمن في الإنخراط العملي لمعظم المثقفين خارج حلبة الصراع الحضاري و من ثم تخرج كل أعمالهم عن أن تكون ذات قيمة مضافة و لهذا يمكن القول أن أعمالهم تشكل معاول هدم خطيرة تعرقل عملية الإعداد لخوض المعركة الحضارية و مواصلة محطاتها و جولاتها السائلة . إن المثقف العضوي و الداعية النموذجي الذي يعمل على بناء إستراتيجيات علمية و عملية و تجنيد السواعد العاملة البناءة – على غرار النحل – و العقول النابهة التي تؤسس للإستراتيجيات الجامعة المعلنة و السرية أصبحت من الضروريات التي يجب الإشتغال عليها كما كان ذلك بغض النظر عن حجم المنخرطين في هذا العمل فلقد كان إبراهيم عليه السلام أمة في زمانه و كذلك كانت رسالة المرسلين و كل المصلحين ، و لا شك أن نموذجا عاملا مثل سقراط لإصلاح الشباب هو عمل شاق و مضني ذلك أن مواجهة السفسطائية كنمط فكري و سياسي و ايديولوجي و الذي أصبح يكتسح العقول بفعل التجارة الرائجة لفلسفة الإقناع السفسطائية يتماثل و يتشابه مع ” المشعال” المغشوش – عبر و سائل التواصل الاجتماعي – الذي تحمله طينة المثقفين و الدعاة و الصحافيين الذي يعملون في صف أعداء الأمة و أعداء المشروع الحضاري الإسلامي النموذج البديل للحضارة الغربية المبتذلة التي تسير بالإنسانية إلى مآسي جديدة و تجربة خطيرة تنذر بملحمة للمسلخ البشري الذي بدأ مع الحرب البيولوجية التي يعد كوفيد ١٩ السيناريو الأول في مساقها القائم على قدم و ساق في الكواليس و يحضر له للتنزيل عند أول الفرص المتاحة التي يراها دجالي العصر المعاصر بوصفهم المتنفذين على المستوى المحلي و الإقليمي و العالمي .
إننا إزاء ملحمة كبرى و عظمى و لن يكون للمثقف و الداعية فيها أي وزن إن لم يكن في خط المواجهة و الممانعة و الشجاعة و الرسالة الإنسانية الحقة .
لن تشفع لنا حتى ذواتنا عندما ندخل معها بصدق في منولوج داخلي أن نبرر لها تقاعسنا عن أن نتجشّم قول الحقيقة و السعي في دروب الكشف عنها و التأسيس لتبنيها و تبيينها و إمتلاكها و توظيفها في البناء الحضاري و الحرص على عدم إستعمالها ضدا على الإنسان و مشروعه الحضاري و لعل الهندسة الإجتماعية التي تتم عملية تنزيل مخططاتها غير البناءة لا تهدف على الأقل في المجتمعات التي ترزح تحت نير الإستعمار غير المباشر ، إلا جعلها حقل فئران تجارب ترمي إلى تقويض عملية الإقلاع الحضاري و ليس هناك من كائن قادر على التصدي لمعاول الهدم هذه إلا ذوي الضمائر الحية التي تخفق أفئدتهم بعشق الحرية و الريادة الحضارية .
يتبع




