التكنلوجيا

لماذا تُعَدّ الصين قوّةً عالمية؟ الجزء 2

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي

ملخص

تابعتُ حوارًا جيوسياسيًا على قناة “Openbox TV” جمع ألان جويّيه وكلود ميدوري بالخبير جاك ليجي، حيث تناول النقاش الاستراتيجية التي تدفع بالصين نحو صدارة القوى العالمية، مقابل حالة التراجع التي تعيشها أوروبا اليوم. عرضت في الجزء الاول من الحوار كيف اعتمدت الصين في نهضتها الحديثة على منهج استراتيجي وضعه الغرب، يقوم على خمسة مبادئ: منحنى الخبرة الذي يخفض الكلفة مع زيادة الإنتاج، الحصة السوقية التي تمنح الأفضلية، أولوية النمو، التجزئة الاستراتيجية وفق دورة حياة المنتج، ثم جعل التمويل خادمًا للاستراتيجية. ويبيّن الحوار أن الصعود الصيني يستند أيضًا إلى ذاكرة تاريخية مريرة امتدت 140 عامًا من حروب الأفيون إلى الاحتلالات الأجنبية، ما جعل النهضة الحالية تُعدّ «استعادة مكانة». كما يبرز تفوق الصين البحري القديم، ثم التحول الجذري الذي أطلقه دينغ شياو بينغ عبر إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة وعكس مسار التنمية التقليدية لبدء التصنيع مباشرة، مما وفّر الوظائف والمهارات وأعاد إطلاق دورة الابتكار والنمو. و في هذا الجزء الاخير من الحوار سلط الضوء على قدرة الصين الفائقة على الاستباق الاستراتيجي، خصوصًا في ما يتعلق بالمواد الحيوية للثورة التكنولوجية. فقبل ثلاثة عقود أدركت الصين أن مستقبل العالم يتجه نحو السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، فسارعت إلى السيطرة على مناجم الليثيوم والمنغنيز والكوبالت والأتربة النادرة، ثم أنشأت داخل أراضيها 90% من قدرات التكرير العالمية، وهو ما جعل العالم بأسره معتمدًا عليها صناعيًا. وفي حين حققت الشركات الصينية نموًا سنويًا بين 35% و40% في سوق السيارات الكهربائية، لم تتجاوز الشركات الغربية 1% إلى 2%، ما وسّع الفجوة بسرعة. ويرجع ذلك إلى أن الصين طبّقت منهجية BCG بدقة، بينما أهملها الغرب، فركزت على النمو والحصة السوقية بدل الأرباح قصيرة المدى. ويكشف الحوار أن الشركات الغربية محكومة بثقافة نتائج فورية ومديرين يقضون في مناصبهم ثلاث سنوات فقط، بينما يعمل النظام الصيني بهيكل مزدوج يضمن الاستمرارية ويقوده جهاز تخطيطي استراتيجي هو اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح (NDRC). كما تبنت الصين استراتيجية «محاكاة الأفضل ثم تجاوزه»، فاستلهمت من تسلا والهندسة الألمانية، وبدعم حكومي يصل إلى 300 مليار يورو ظهرت 54 سيارة منافسة خلال أربع سنوات فقط، مع أمثلة مذهلة مثل شركة Xiaomi التي أصبحت منتجًا لمئات آلاف السيارات في وقت قياسي. ويخلص الحوار إلى أن صعود الصين يرتكز على ثقافة العمل والانضباط والتخطيط الطويل، مقابل انهيار قيمة العمل واتساع الفجوة الإنتاجية في الغرب، ما جعل الصين أقرب من أي وقت لصدارة القوى العالمية.


الجزء الثاني والاخير من الحوار


يركّز الجزء التالي من هذا الحوار الشيق على قناة “Openbox TV” الذي جمع ألان جويّيه (Alain Juillet) وكلود ميدوري (Claude Medori) بالخبير في الصناعة الصينية جاك ليجي (Jacques Léger)، (حول الاستراتيجية الكبرى التي تقود صعود الصين نحو قمة القوى العالمية، في مقابل ما تعانيه أوروبا من وهنٍ يدفعها إلى الانكفاء والتراجع) على قدرة الصين الفائقة على الاستباق الاستراتيجي (anticipation)، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأساسية للثورة التكنولوجية الحديثة. فقد أدركت الصين، قبل 30 عامًا، أنّ الانتقال نحو السيارات الكهربائية والطاقة الخضراء سيجعل العالم يعتمد على مجموعة من المعادن الجديدة، مثل: الأتربة النادرة*1، الليثيوم، المنغنيز، الكوبالت وغيرها. بينما لم تكن الدول الغربية تولي أي اهتمام لهذه الثروات، تحركت الصين سريعًا للاستحواذ على معظم مناجم العالم المنتجة لهذه المعادن.

*1 الأتربة النادرة هي مجموعة من العناصر الكيميائية التي توجد في القشرة الأرضية لكنها لا تتجمع عادةً في مناجم نقية، بل تختلط بمعادن أخرى، مما يجعل استخراجها وتنقيتها عملية صعبة ومكلفة. ورغم أنّ اسمها يوحي بأنها قليلة، فإنّ ندرتها الحقيقية تكمن في صعوبة فصلها وليس في غيابها. وتكتسب هذه العناصر أهمية استراتيجية لأنها تدخل في تصنيع أغلب التقنيات الحديثة مثل السيارات الكهربائية، البطاريات المتطورة، المحركات ذات المغانط القوية، الهواتف الذكية، الشاشات المسطحة، الطائرات المسيّرة، والأنظمة العسكرية الحساسة. وبسبب هذه الأهمية، أصبح التحكم في إنتاجها وتكريرها مسألة جيواستراتيجية كبرى، وقد سيطرت الصين على نحو 90% من قدرات التكرير في العالم، ما جعل العالم يعتمد عليها في معظم الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

تحقق الشركات الصينية نموًا سنويًا يتراوح بين 35% و40% في قطاع السيارات الكهربائية، في حين لا تحقق الشركات الأوروبية والأمريكية سوى 1% إلى 2%، ما يجعل الفجوة تتسع يومًا بعد يوم.

لكن الأهم أنّها لم تكتفِ بشراء المواد الخام، بل أنشأت داخل أراضيها 90% من قدرات التصفية والتكرير العالمية. وهذا التفوق بالغ الخطورة: فالمعادن لا يمكن استعمالها مباشرة بعد استخراجها، بل تحتاج إلى عمليات تكرير معقّدة لا تملكها اليوم إلا الصين. وهكذا أصبح العالم — بما فيه البلدان الغربية — «مقيّدًا بالكامل» بالصين في كل الصناعات التي تعتمد على هذه المعادن.

فقد ساهمت السياسات البيئية في الغرب في تفاقم هذا التبعية؛ فقد أوقفت شركات غربية كبرى — بدفع من الحركات البيئية — نشاطها في مجال تكرير المعادن بسبب الخوف من التلوث. وأبرز مثال هو بيع إحدى الشركات العالمية الكبرى كامل قدراتها للجانب الصيني، بالإضافة إلى قرار الولايات المتحدة نفسها بالتخلي عن تكرير الأتربة النادرة. واليوم، عندما تحاول هذه الدول استعادة الصناعة نفسها، فهي تبدأ متأخرة بـ40 سنة، وصعودها سيكون بطيئًا لأن الصين في قاع «منحنى الخبرة»، بينما الغرب في قمته. ثم يشرح المتحاورون كيف أنّ هذه القدرة على «النزول السريع» في منحنى الخبرة سببها الحجم الهائل للسوق الداخلي الصيني. فمن ينتج أكثر يتعلم أسرع، ومن يتعلم أسرع ينخفض سعر تكلفته ويتفوق على الجميع. ثم يربط بين هذه الرؤية وبين استراتيجيات النمو. فخلال المرحلة المبكرة لأي منتج — مثل السيارات الكهربائية — يجب التركيز فقط على النمو السريع والحصة السوقية. لذلك تحقق الشركات الصينية نموًا سنويًا يتراوح بين 35% و40% في قطاع السيارات الكهربائية، في حين لا تحقق الشركات الأوروبية والأمريكية سوى 1% إلى 2%، ما يجعل الفجوة تتسع يومًا بعد يوم. فالصين لم تكتفِ بفهم منهجية BCG *2 التي اخترعها الغرب، بل طبّقتها بصرامة، بينما أهملها مبتكروها الأصليون.

*2 BCG هي اختصار لـ Boston Consulting Group، وهي شركة استشارات أمريكية (1963) ابتكرت “مصفوفة BCG” لتقييم المشاريع والمنتجات عبر أربعة معايير استراتيجية تساعد على اتخاذ القرار.

الحوار ناقش ايضا الفرق الجذري بين العقلية الاقتصادية الغربية والنهج الصيني طويل المدى. ففي الغرب، تُدار الشركات تحت ضغط مستمر لتحقيق أرباح فورية ورفع مؤشرات “العائد على الاستثمار” (ROI). ويُقاس نجاح المديرين التنفيذيين بمدى تحقيقهم لأفضل نتائج مالية فصلية، وليس بمستوى النمو طويل الأجل. وتؤدي تقارير المحللين الماليين، التي تتنبأ بانخفاض أرباح الربع المقبل، إلى تراجع سريع في قيمة الأسهم، رغم أن هذه النتائج قصيرة الأمد لا تدل على صحة المسار الاستراتيجي. كما أنّ متوسط المدة التي يقضيها كبار المديرين في مناصبهم في الغرب هو سنتان إلى ثلاث سنوات فقط؛ السنة الأولى يُغتفَر فيها ضعف النتائج، الثانية تتحسن الأرقام، أما الثالثة فإن لم تُحقق نتائج مساوية أو أفضل، يُقال المدير. بذلك تُصبح الإدارة الغربية سجينة أفق قصير للغاية. في المقابل، يعمل النظام الصيني بمنهج بنيوي مختلف تمامًا. يُشبَّه ببنية «سُلّم الرسامين» الذي يتكون من قائمين: الأول يمثّل السلطة التنفيذية، والثاني يمثّل السكرتارية الدائمة للحزب الشيوعي. وهذان القائمان موجودان في كل مستوى إداري: من الحكومة المركزية إلى المقاطعات، إلى البلديات، وحتى مستويات المصانع وورش العمل. وظيفة سكرتير الحزب ليست الحكم، بل التحقق من اتساق كل مستوى مع الخطة الوطنية العليا. أما الوزراء في الحكومة المركزية، فيعملون وفق توجيهات هيئة مركزية لا نظير لها في الغرب: اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح (NDRC) ( stands for National Development and Reform Commission.)، وهي جهاز يتجاوز دور “وزارة التخطيط” التقليدية نحو قيادة مستقبل الدولة: تحديد ميزانيات الابتكار، وتحديد عدد المهندسين المطلوبين سنويًا، وتوزيع الاستثمارات، وتوجيه السياسات الصناعية على مدى عقود.

من ذكاء الصين أنها اختارت في مجال السيارات الكهربائية نموذجين تعتبرهما معيارًا أعلى: النموذج الأمريكي (تسلا) من حيث التصميم المدمج للبطارية والبنية الهندسية، والنموذج الألماني من حيث القوة الميكانيكية والدفع والسينماتيك… وتجاوزتهما عمليا

هذا الهيكل المزدوج يضمن الاستمرارية؛ فحتى لو تغيّر التنفيذي، فإن الخطة الوطنية لا تتغير، لذا تنجز الصين أهدافها ليس فقط بدقة، بل قبل الموعد المحدد. واستدلوا بذلك بمؤشر قوي : أوروبا تهدف إلى الوصول إلى 100% سيارات كهربائية خلال 10 سنوات، بينما نسبة انتشارها حاليًا 16% فقط، ما يجعل الهدف غير قابل للتحقيق. في المقابل، الصين حدّدت هدفًا أكثر واقعية: بحلول 2035، يكون 50% من السيارات كهربائية بالكامل و50% هجينة قابلة للشحن. لكنها وصلت بالفعل إلى 45% في سبتمبر 2025، وستحقق 50% قبل نهاية العام، أي قبل الهدف بعشر سنوات كاملة.

المصنع الغربي يحتاج 4 سنوات لتطوير سيارة جديدة، بينما الصين خفّضت المدة إلى أقل من سنة ونصف أو سنتين بفضل شركات الهندسة ومعايير الإنتاج الموحدة

ثم في الاخير ركّز الحوار على منهجية الابتكار الصينية وكيفية مضاعفة قدراتها الصناعية عبر استراتيجية تقوم على محاكاة الأفضل عالميًا ثم تجاوزه. فقد اختارت الصين في مجال السيارات الكهربائية نموذجين تعتبرهما معيارًا أعلى: النموذج الأمريكي (تسلا) من حيث التصميم المدمج للبطارية والبنية الهندسية، والنموذج الألماني من حيث القوة الميكانيكية والدفع والسينماتيك. وبتمويل ضخم يتراوح بين 250 و300 مليار يورو قدّمته الدولة عبر NDRC، تلقّت جميع المجموعات الصناعية توجيهات لإنتاج نماذج منافسة. والنتيجة: خلال أربع سنوات فقط، بين 2020 و2024، ظهر 54 طرازًا صينيًا ينافس تسلا مباشرة. ويشرح ذلك كون الصين نظّمت -على الأرجح- تقاسم التكنولوجيا بين الشركات كي لا يضطر كل مصنع لتطوير كل الحلول من الصفر، وهو ما يفسّر سرعة التطور الهائلة.

شركة شاومي Xiaomi

المثال الأبرز هو شركة Xiaomi: شركة هواتف فقط، بلا مكاتب دراسات وبلا مصانع سيارات، تدخل السوق فجأة وتتحوّل خلال أشهر إلى منافس مباشر لعلامات فاخرة : 100 ألف طلب في ساعة، و150 ألف سيارة منتجة في 6 أشهر، وتوقع تصنيع 400 ألف في السنة التالية. هذا بسبب «التكنولوجيا على الرف» التي توفرها الدولة، إضافة إلى شركات الهندسة المتخصصة التي تطوّر المشاريع لصالح أي مصنع يريد دخول القطاع. ويذكر الحوار أن نجاحها ناتج عن مزج الصين بين التعاون التقني والتنافس التجاري العنيف: تعاون في تطوير التكنولوجيا وبناء «القدرة الوطنية»، ومنافسة شرسة في السوق عبر الأسعار والتسويق الرقمي. ويصف هذا المبدأ بما يسميه المفكر الفرنسي فرنسوا جوليان «القدرة الكامنة للوضع» (Potentiel de situation)، أي بناء قوة تمنح الانتصار قبل بدء المعركة وهي فلسفة مستمدة من «سون تزو». معززا بعامل السرعة: المصنع الغربي يحتاج 4 سنوات لتطوير سيارة جديدة، بينما الصين خفّضت المدة إلى أقل من سنة ونصف أو سنتين بفضل شركات الهندسة ومعايير الإنتاج الموحدة. حتى شركات غربية مثل رينو اعتمدت على مكاتب دراسات صينية لتقليل مدة التطوير إلى عامين.

في نهاية الحوار، يخلص المتحاورون، أنّ العامل الحاسم في صعود الصين هو ثقافة العمل، المتجذّرة في الأسر والتعليم والانضباط الاجتماعي، مقابل تراجع القيمة الاجتماعية للعمل في الغرب منذ 1968. ويُقارن بين عدد «الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين» في عدة دول: الصين: 60% منتجون و40% مستهلكون غير منتجين، اليابان وكوريا: 45% / 55%، ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة: 40% / 60%، فرنسا: فقط 28% منتجون و72% مستهلكون بلا إنتاج. وأنّ هذه المعادلة القيمية -مع التخطيط بعيد المدى والدعم الصناعي الهائل- تفسّر كيف أصبحت الصين قريبة من صدارة القوى العالمية.

الملحق

جدول العناصر الـ17 للأتربة النادرة واستخداماتها

الرقمالاسم بالعربيةالاسم بالإنجليزيةالرمزأبرز الاستخدامات
1السيريومCeriumCeتلميع الزجاج، المحولات الحفازة، الشاشات
2اللانثانومLanthanumLaبطاريات NiMH، عدسات الكاميرات
3النيوديميومNeodymiumNdمغانط قوية للمحركات الكهربائية، توربينات الرياح، مكبرات الصوت
4البراسيوديميومPraseodymiumPrالسبائك فائقة القوة، المغانط، المحركات النفاثة
5الساماريومSamariumSmمغناطيسات مقاومة للحرارة، أنظمة التوجيه العسكرية
6اليوروبيومEuropiumEuشاشات LED، الإضاءة الفوسفورية
7الغادولينيومGadoliniumGdأجهزة الرنين المغناطيسي MRI، الصناعات النووية
8التيربيومTerbiumTbالألواح الشمسية عالية الكفاءة، المغانط المتقدمة
9الديسبروسيومDysprosiumDyمغانط مقاومة للحرارة للمحركات الكهربائية
10الهولميومHolmiumHoالليزر الطبي، التطبيقات النووية
11الإربيومErbiumErالألياف الضوئية، الليزر الجراحي
12الثوليومThuliumTmأجهزة الليزر الطبية المتقدمة
13الإتربيومYtterbiumYbالفولاذ المتين، أجهزة قياس الضغط
14اللوتيتيومLutetiumLuالتطبيقات الطبية، الحساسات الدقيقة
15السكانديومScandiumScسبائك الطائرات، الهياكل الخفيفة
16الإيتريومYttriumYالسيراميك المتين، الليزر، المغانط
17البروميثيومPromethiumPmالبطاريات النووية الصغيرة، أجهزة القياس

المقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE