مرآة لإصلاح الحال.(78-79). صيد الفكرة الثالثة، حول طبيعة الإصلاح.
– 9 – أكادير في 13 دجنبر 2022.
لنأخذ مفهوم الإصلاح نفسه كمثال، فسنجده يتعرض لأنواع من التشوه والابتذال، ليس فقط من طرف أهل الافساد والانحلال، الذين إذاقيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن نصلح الاختلال؛ وإنما أيضا على يد المصلحين أنفسهم، عندما تسكرهم نزوة الأحلام، فيتوهمون أنفسهم يتصرفون بقوة الإعجاز، أو يتصورون الإصلاح يأتي فجأة بدون مقدمات ترتيب وإعداد ولا سابق إعلام، أوْ بِلا حدوث أزمات، ولا تَكَبُّد نكسات، وتحَمُّل آلام. فإصلاح حال النفس، كما إصلاح الشأن العام، لا يتم إلا كما تتم الولادة، مِن حَمل هو من أكره الأثقال، ولا يجيء المخاض إلا مقرونا بالزحمات الشداد والألام العظام.
يتصورون “اي المصلحون” الإصلاح يأتي فجأة بدون مقدمات ترتيب وإعداد ولا سابق إعلام، أوْ بِلا حدوث أزمات، ولا تَكَبُّد نكسات، وتحَمُّل آلام. فإصلاح حال النفس، كما إصلاح الشأن العام، لا يتم إلا كما تتم الولادة، مِن حَمل هو من أكره الأثقال، ولا يجيء المخاض إلا مقرونا بالزحمات الشداد والألام العظام.
ولو كان التغيير بالإصلاح يأتي بمجرد الخوارق والمعجزات؛ لكان ذلك لأئمةِ المصلحين من الأنبياء والرسل الكرام، الذين أيدهم الله بالمعجزات، للتدليل بها على صدق ما أُرسلوا به إلى الأنام. لكن مِن سنة الله في إيقاع وتحقق الإصلاح في هذه الدار، أن تركهم يعانون من دواعي اليأس في مدافعة الموانع وتهييء الدوافع في الميدان،؛فمحّص، فيمن معهم، صِدْقَ تطابقِ ما في صدورهم مِن نِية، مع ظاهر القول والحال، قبل أن يأتيهم فرح النصر وتدنو لهم ثمار النجاح، ويُتوَّجوا بشرب نخبِ كأس الانتصار. وقد أفردت الفقرة الثالثة والخمسين بعد المائة، من كتاب “لنحذرِ العكاز”، للكلام عن بعض أسباب فشل مشاريعنا في الإصلاح، تحت عنوان “من مقاتل مشاريع الإصلاح سوءُ وفسادُ النية” بشكل عام. (صفحة 193، طبعة ورقية 2021 طنجة)
نعم، إن الإصلاح ليس من قبيل المستحيلات، بل من الواجبِ الإيمانُ بأنه دوما في الإمكان، لأن اليأس هو من سمات الكفار؛ لكن الإصلاح، كيفما كان، لا يمكن أن يحدث بمجرد التمني مع القعود، ليتولى عنا الأغيار التضحية والاقتتال، ولا حتى بمجرد الدعاء مع الانتظار، الذي ليس له معنى إلا بعد استفراغ ما لدينا من جهد في القيام بما يلزم من أسباب تقتضيها سنة الله في الأكوان، مع ما تفرضه تلك السنن الكونية من تراكم جهود البناء وإعداد القوة، في الزمان، بحكمة واستبصار، والرضى والفرح بالمُتاح ما يسمح به تعاقب للمراحل وتتالٍ، والصبر والثبات وعدم الاستعجال. فكيف لمن يَعُدّ نفسه من المصلحين الفُهَّام، أن يتطاول بسلاطة اللسان، ووقاحة الكلام، للبخس وللتيئيس، ليلَ نهار، عبر وسائل الإتصال، مِن أي نتيجة لما تكابده الدولة، من أشغال مشاريع متكاملة كبار، بدعوى أنها عجزت عن أن تلد له الإصلاحَ عاجلا في الآن، وعلى صورة الاكتمال، وهو لم يصلح حتى ركعات صلاته التي هي عمود الإسلام. وقد تقدم به قطار العمر، والموت يطلبه، باستعجال.
– 10 – أكادير في 16 دجنبر 2022
ثم إن مما يتسرب إلى مفهوم الإصلاح، ذاته، من تشوه وابتذال: أن نتصور، كل ما بُذل في الإصلاح، من جهد ومال، يضيع إن لم نصل فيه إلى النهاية والإكتمال، مثل صنع كأس زجاجي، من طرف إنسان آلي، محددةٌ مُدّته في الزمان، ليس فيها أي إمكان للإعادة أو فرصة ثانية للتكرار، إذا سقط من يده قبل أن يتم لِصنعه الاكتمالُ، فأتى على جميعه التشظيُّ والانكسارُ، ولم يَعُد، لِما تمّ إنجازه مِن صُنْعه، أيُّ مكان يستحقه، غير أن يُحال ما آل إليه من شظايا وحطام، إلى سلة القمامة والإهمال؛ فضاعت كل الجهود التي أنفقت في صُنعه، ونفقت بالمجان، وأتى عليها الاندثار. في حين أن الأمر، في الإصلاح، له اتصال بذات الإنسان. حيث يتيح له فرصة لكي يتطور ويتطهر من أدران العجز والكسل والجهل والاغترار، فيزداد نضجا وثقة في ذاته وشعورا بلذة العطاء والإنجاز، واشتياقا لنيل مفاتيح الانتصار. فالجهود في هذا المسار، هي أقرَبُ شبهاً بمجهود النملة التي تحاول إيصال حبة زرع، عبر طريق فيه الصعود والانحدار، ينفسح، في بعض الأحيان، وأحيانا أخرى يضيق فيتمنع عليها ما تجر خلفها، عن الانجرار. فهي في محاولة إثْرَ محاولة، باستمرار. تنساب حينا في تحرك إلى الأمام، وحينا آخر تتعثر فتتوقف للتفكير والترقب والانتظار. ومع كل عقبةٍ تزداد تجربتها في الرصيد، ويغشاها الازدهار. إنها تجربة لا يتم نقلها، بل تُعاش في الميدان ،وتساهم في تسهيل وتسريع ما يلي من مراحل ومهام. وكل نجاح يشحد الهمة ويُهوِّن ألم التضحية، ويزيد من صبيب نبع الآمال، وينزِّل راحة البال.
…فالجهود في هذا المسار، هي أقرَبُ شبهاً بمجهود النملة التي تحاول إيصال حبة زرع، عبر طريق فيه الصعود والانحدار، ينفسح، في بعض الأحيان، وأحيانا أخرى يضيق فيتمنع عليها ما تجر خلفها، عن الانجرار. فهي في محاولة إثْرَ محاولة، باستمرار. تنساب حينا في تحرك إلى الأمام، وحينا آخر تتعثر فتتوقف للتفكير والترقب والانتظار. ومع كل عقبةٍ تزداد تجربتها في الرصيد، ويغشاها الازدهار…
وهكذا، حتى تصل بها إلى باب قرية النمل بسلام. وهي المخلوقة التي تكاد، من ضعفها، تثير، في نفوس الجهال، مشاعرَ الازدراء والاحتقار. هنالك تُحمد العاقبةُ وتكتمل حمْدَلَةُ الفرحة، وتطيب زغاريدُ الاحتفال، بسلامة الجرة وتحقيق الانتصار، الذي هو في حقيقة الحال، عصارة مجموعة من الهزائم التي تعاملت معها الذات كمشتل لمباشرة التقويم واستكمال التكوين، لتجاوز حواجز النقص والنقصان، والانطلاق بعيدا عن مواطن النقائص والدنايا، سعيا نحو التفوق في مراتب العلا والكمال. إنها عملية استنهاض واستنفار مكامن الثروة البشرية التي يأتي على يدها الفتح وتحوز مفاتح النصر، عن جدارة واستحقاق وأصالة، ليس فيها شبهةُ سرقةٍ أوقرصنة أوتسلل أو انتحال.