Uncategorized

من معجزات الصين : الجزء 1- سد الممرات الثلاثة الطاقي

د. الحسـن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


ملخص

تعكس الإنجازات الهندسية الصينية المعاصرة تحوّل الهندسة من فعل بناء تقليدي إلى أداة استراتيجية لإدارة المكان والزمن والطبيعة. فمن عروض الدرونز التي حوّلت السماء إلى منصة رقمية ديناميكية، إلى مجمّعات حضرية عمودية أعادت تعريف الحركة داخل المدن، يتجلى توظيف التكنولوجيا بوصفها جزءًا بنيويًا من العمارة لا عنصرًا مساعدًا فحسب. في مواجهة الطبيعة، قدّمت الصين حلولًا غير مسبوقة: سدود عملاقة للتحكم في الأنهار، وجسور بحرية اختصرت المسافات، وبنى تحتية مكّنت مدنًا جبلية من العمل على مستويات متعددة. وفي مجال التنقّل، أعادت القطارات فائقة السرعة والمشاريع البحرية الربط بين الأقاليم، فاختُصر الزمن وتحفّز الاقتصاد. كما برز اتجاه معماري جديد يدمج الطبيعة في العمران، عبر مبانٍ مزروعة وواجهات حيّة تحسّن المناخ الحضري وجودة الهواء. وفي السياحة، تحوّلت المواقع الوعرة والمحاجر المهجورة إلى تجارب معمارية جريئة. هذه المشاريع، على تنوّعها، لا تمثل استعراض قوة بقدر ما تجسّد فلسفة عملية ترى في الهندسة وسيلة لخدمة الحياة اليومية، وربط المدن، وتقديم حلول قابلة للتعميم على نطاق واسع. هذا المقال هو الأول ضمن سلسلة تتناول نماذج من الإبداعات الهندسية الصينية، ونستهلها بالوقوف عند سدّ الممرات الثلاثة، أحد أضخم المشاريع الطاقية في العالم الذي يغطي إنتاج السد في الصين، حاجيات نحو 70 إلى 80 مليون نسمة من الكهرباء، يفوق عدد سكان المغرب بأكمله مثلا.


 تقديم

ليست الصين مجرد بلدٍ على الخريطة، بل تجربة يُختَبَر فيها المستقبل كل يوم. هنا لا يُنتظر الغد، بل يُصنَع في الحاضر، حيث تنهض مشروعات عملاقة كأنها خرجت من قلب الخيال العلمي لتقف اليوم شاهدةً في صلب الواقع. في هذا الفضاء، لا تمشي الهندسة بمحاذاة الطبيعة، بل تدخل معها في حوارٍ قاسٍ لا يعرف المهادنة؛ جبال شاهقة، وأنهار جارفة، ووديان عميقة تحوّلت من عوائق إلى فرص، وفرضت حلولًا جريئة لا مكان فيها للتقليد ولا للمألوف. هنا لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة تُستدعى عند الحاجة، بل غدت نسيجًا حيًا في جسد البناء نفسه؛ ذكاء اصطناعي يوجّه القرار، وروبوتات تنفّذ بدقة تتجاوز حدود اليد البشرية،وطائرات مسيّرة ترسم السماء،. في هذا العالم تتحول الأفكار إلى بنى تحتية، وتُترجم الرؤى إلى مدن وجسور وطرق وأنظمة تعمل بلا توقف، لتصبح الهندسة لغة يومية للحياة لا استعراضًا للقوة. ومن هذا القلب النابض، ندخل معًا لاكتشاف أعظم إنجازات الهندسة الصينية، من المشاريع التي يعرفها الجميع إلى تلك التي تعمل في صمت، لكنها تدهش العالم بعبقريتها. هذا المقال هو الأول ضمن سلسلة تتناول نماذج من الإبداعات الهندسية الصينية، ونستهلها بالوقوف عند سدّ الممرات الثلاثة، أحد أضخم المشاريع الطاقية في العالم، الذي دخل حيّز التشغيل الرسمي سنة 2012. حالة فريدة؟ ليس مجرد محطة كهرباء فحسب، بل منظومة قارية تجمع كما سنراه بين إدارة نهر عابر لآلاف الكيلومترات وإنتاج طاقة هائل وتحكم في الفيضانات وتنظيم الملاحة النهرية تحكم في الفيضانات.


الابداع الاول : سد الممرات الثلاثة

يقع سدّ الممرات الثلاثة في وسط الصين، على مجرى نهر اليانغتسي، أطول أنهار البلاد وثالث أطول نهر في العالم، وذلك قرب مدينة ييتشانغ في مقاطعة هوبي. ويُعد هذا السد أضخم مشروع للطاقة الكهرومائية عرفه التاريخ الحديث، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث الوظائف الاستراتيجية التي أُنشئ من أجلها. بدأت الدراسات الأولى للمشروع منذ منتصف القرن العشرين، غير أن التنفيذ الفعلي انطلق سنة 1994، واستمر على مراحل متعاقبة إلى أن اكتمل البناء الأساسي وتشغيل معظم مرافقه بحلول 2012، قبل أن تُستكمل بعض التجهيزات التقنية النهائية في السنوات اللاحقة.
صُمّم السد لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: التحكم في الفيضانات التي طالما شكّل نهر اليانغتسي خطرًا مدمّرًا بسببها، وتوليد كميات هائلة من الكهرباء لدعم التنمية الصناعية والحضرية، وتحسين الملاحة النهرية في واحدة من أهم الشرايين المائية في الصين.


ويمتد جسم السد الخرساني على طول يزيد عن كيلومترين، بارتفاع يناهز 185 مترًا، ما يجعله من أكبر المنشآت التي شُيّدت يومًا على نهر جارٍ. وإلى جانبه، شُيّدت منصة رفع السفن، وهي الأكبر من نوعها في العالم، تُمكّن السفن التجارية من تجاوز فرق ارتفاع يصل إلى عشرات الأمتار خلال دقائق، بدل الساعات الطويلة التي كانت تتطلبها أنظمة الأقفال التقليدية، وهو ما أحدث تحولًا جذريًا في النقل النهري والتجارة الداخلية.
ولا يقتصر أثر سدّ الممرات الثلاثة على الجانب الهندسي أو الطاقي فحسب، بل يمتد إلى كونه مشروعًا يعكس فلسفة صينية ترى في البنية التحتية أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وترويض القوى الجغرافية الكبرى لخدمة الاستقرار والتنمية طويلة المدى.

في بعض التقديرات والإحصاءات، تشير الأرقام إلى أن الاستهلاك السنوي للكهرباء في الصين يقارب أو يتجاوز 9,000 تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل نحو ثلث إجمالي الاستهلاك العالمي تقريبًا

يُعدّ التوليد الكهربائي لسدّ الممرات الثلاثة من أضخم ما عرفه العالم في مجال الطاقة الكهرومائية، إذ تبلغ قدرته المركّبة الإجمالية نحو 22,500 ميغاواط، تتحقق عبر اثنين وثلاثين توربينًا رئيسيًا، تبلغ قدرة كل واحد منها حوالي 700 ميغاواط، إضافة إلى توربينين أصغر مخصّصين لتشغيل المحطة. ويترجم هذا الحجم الإنشائي إلى إنتاج سنوي متوسط يتراوح بين 90 و100 تيراواط/ساعة، بحسب مستويات المياه واختلاف مواسم الأمطار، فيما سجّل السد في بعض السنوات الرطبة أرقامًا قياسية تجاوزت 110 تيراواط/ساعة. وعمليًا، تكفي هذه الكمية الهائلة من الكهرباء لتغطية الاستهلاك المنزلي لما يقارب 70 إلى 80 مليون نسمة داخل الصين، أو ما يعادل احتياجات عدة مدن عملاقة بحجم شنغهاي أو بكين. وعلى المستوى الوطني، يسهم السد بنحو 2% إلى 3% من إجمالي استهلاك الكهرباء في الصين، وهي نسبة بالغة الدلالة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الصين تُعد أكبر مستهلك للكهرباء في العالم. فقد بلغ استهلاكها حسب بيانات رسمية حديثة لعام 2024/2025 حوالي 9.85 تريليون كيلوواط-ساعة (≈ 9,850 تيراواط/ساعة) خلال عام 2024، وفي بعض التقديرات والإحصاءات، تشير الأرقام إلى أن الاستهلاك السنوي يقارب أو يتجاوز 9,000 تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل نحو ثلث إجمالي الاستهلاك العالمي تقريبًا. وإلى جانب هذا الدور الطاقي، يساهم السد في تقليص الاعتماد على الفحم وخفض عشرات الملايين من الأطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ما يجعله ركيزة أساسية في مسار التحول الطاقي الصيني نحو مصادر متجددة واسعة النطاق.

أن سدًّا واحدًا في الصين بقدرة 22,500 ميغاواط يعادل تقريبًا ضعف القدرة المركّبة للمغرب بأكمله ( 11 إلى 12 ألف ميغاواط)

المقارنة مع وضع الكهرباء في المغرب

ولفهم الحجم الحقيقي لسدّ الممرات الثلاثة، تكفي مقارنته بوضع الكهرباء في المغرب. فإجمالي القدرة الكهربائية المركّبة في المغرب يناهز اليوم 11 إلى 12 ألف ميغاواط من مختلف المصادر، أي أن سدًّا واحدًا في الصين بقدرة 22,500 ميغاواط يعادل تقريبًا ضعف القدرة المركّبة للمغرب بأكمله. أما من حيث الإنتاج السنوي، فيبلغ الاستهلاك الكهربائي الإجمالي للمغرب حوالي 40 إلى 45 تيراواط/ساعة في السنة، بينما ينتج سدّ الممرات الثلاثة وحده ما بين 90 و100 تيراواط/ساعة في المتوسط، أي أكثر من ضعفي ما يستهلكه المغرب سنويًا من الكهرباء. وبعبارة أخرى، فإن محطة كهرومائية واحدة على نهر اليانغتسي قادرة نظريًا على تغطية كامل الطلب الكهربائي المغربي مع فائض كبير. كما أن عدد السكان الذين يغطيهم إنتاج السد في الصين، والمقدر بنحو 70 إلى 80 مليون نسمة، يفوق عدد سكان المغرب بأكمله. هذه المقارنة تُظهر أن سدّ الممرات الثلاثة ليس مجرد مشروع وطني ضخم، بل بنية طاقية بحجم دولة، وتكشف الفارق الهائل في مقاييس التخطيط الطاقي بين مشروع عملاق واحد في الصين ومنظومة كهربائية وطنية كاملة في بلد متوسط الحجم مثل المغرب.


مقارنة كهربائية: سدّ الممرات الثلاثة بالصين مع المغرب بأكمله

المؤشّرسدّ الممرات الثلاثة (الصين)المغرب
القدرة المركّبة22,500 ميغاواط11,000 – 12,000 ميغاواط
الإنتاج / الاستهلاك السنوي90 – 100 تيراواط/ساعة (وقد يتجاوز 110 في سنوات رطبة)40 – 45 تيراواط/ساعة
النسبة من الاستهلاك الوطني2 – 3% من استهلاك الصين
عدد السكان الذين يمكن تغطيتهم70 – 80 مليون نسمة37 مليون نسمة
المعادلة الحجميةسد واحد بحجم دولةمنظومة وطنية كاملة
نوع المصدرطاقة كهرومائية متجددةمزيج (حرارية، متجددة، استيراد)
الأثر البيئيخفض عشرات ملايين أطنان CO₂ سنويًااعتماد جزئي على الفحم والغاز
الدلالة الاستراتيجيةأمن طاقي عملاق + تحكم في الفيضاناتأمن طاقي متوسط مع تبعية خارجية

 

مقارنة سريعة مع دولة عظمى “امريكا”

يمثّل سدّ هوفر  (Hoover Dam) في الولايات المتحدة رمزًا تاريخيًا للهندسة الأمريكية في القرن العشرين، إذ شُيّد في زمن الكساد العظيم ليجسّد قدرة الدولة على توظيف البنية التحتية لإنعاش الاقتصاد وضبط الموارد المائية في الغرب الأمريكي. وقد أسهم السد في توفير الكهرباء والمياه لمناطق واسعة، وكان لعقود نموذجًا عالميًا في هندسة السدود. غير أنّ قدرته الطاقية تبقى محدودة مقارنةً بسدّ الممرات الثلاثة في الصين، الذي يتفوّق عليه بأضعاف من حيث القدرة المركّبة والإنتاج السنوي. وتعكس هذه المقارنة انتقال مركز الثقل من مشاريع رمزية كبرى في القرن العشرين إلى بنى تحتية عملاقة شاملة في القرن الحادي والعشرين تُدار بعقل دولة قارية.

سدّ هوفر Hoover Dam
المؤشرسدّ الممرات الثلاثة (الصين)سدّ هوفر (الولايات المتحدة)
النهراليانغتسيكولورادو
الموقعهوبي – وسط الصينبين نيفادا وأريزونا
بدء البناء19941931
نهاية البناء20121936
نوع السدثقلي خرسانيقوسي ثقلي
الارتفاع≈ 185 م≈ 221 م
الطول≈ 2,335 م≈ 379 م
القدرة المركبة22,500 ميغاواط≈ 2,080 ميغاواط
الإنتاج السنوي90–100 تيراواط/ساعة≈ 4 تيراواط/ساعة
السكان الممكن تغطيتهم70–80 مليون نسمة≈ 1–2 مليون نسمة
الوظائف الأساسيةطاقة + فيضانات + ملاحةطاقة + ماء + ري
الدلالة الاستراتيجيةبنية طاقية بحجم دولةرمز عصر الكساد والنهضة

هل سدّ الممرات الثلاثة هو أضخم مشروع طاقي في التاريخ؟

عند طرح سؤال من قبيل: هل سدّ الممرات الثلاثة هو أضخم مشروع طاقي في التاريخ؟ لا تكون الإجابة بنعم أو لا مباشرة، بل تحتاج إلى تفكيك مفهوم «الضخامة» نفسه. فإذا كان المقصود هو أكبر قدرة كهربائية مركّبة، وأوسع أثر جغرافي، وتعدّد الوظائف الاستراتيجية في مشروع واحد، فإن الجواب يميل بوضوح إلى نعم. فـسدّ الممرات الثلاثة ليس مجرد محطة لإنتاج الكهرباء، بل منظومة طاقية–مائية–جغرافية متكاملة، أُنشئت على نهر قاري هو اليانغتسي، لتجمع بين توليد الطاقة، والتحكم في الفيضانات، وتنظيم الملاحة، ودعم التنمية الصناعية والحضرية على نطاق وطني واسع.

سدّ إيتايبو (البرازيل/الباراغواي)

الأرقام التي ذكرت اعلاه تجعل السد وحده قادرًا على إنتاج كهرباء تفوق ما تستهلكه دول متوسطة الحجم كاملة. اضافة أنه يؤدّي دورًا حاسمًا في حماية ملايين السكان من الفيضانات التي طالما شكّلت خطرًا تاريخيًا على حوض اليانغتسي، فضلًا عن إعادة تشكيل الملاحة النهرية عبر أكبر منصة لرفع السفن في العالم.

محطة نووية عملاقة

في المقابل، توجد مشاريع طاقية أخرى تُنافس سدّ الممرات الثلاثة في بعض المؤشرات دون غيرها. فمثلًا، يُعد سدّ إيتايبو بين البرازيل والباراغواي من أعلى السدود إنتاجًا للكهرباء في بعض السنوات، لكنه أقل قدرة مركّبة، ولا يتمتع بالتعدد الوظيفي نفسه. أما المحطات النووية العملاقة، فتتميّز بالاستمرارية والاستقرار، لكنها تبقى محطات طاقة صِرفة، بلا أثر جغرافي أو مائي واسع. في حين أن المجمعات الشمسية والريحية الحديثة قد تصل إلى قدرات مركّبة ضخمة على الورق، إلا أنها تعاني من التقطّع ولا توفر الاعتمادية نفسها التي تؤمّنها السدود الكهرومائية الكبرى.

من هنا، يمكن القول إن تفوّق سدّ الممرات الثلاثة لا يكمن فقط في الأرقام، بل في فلسفة المشروع نفسها: مشروع واحد يُدار بعقل دولة، لا بعقل محطة كهرباء. إنه نموذج للبنية التحتية الشاملة التي تُستخدم لإدارة الطاقة، والماء، والجغرافيا، والاستقرار الاقتصادي في آنٍ واحد. وبهذا المعنى، يصح اعتباره أضخم مشروع طاقي–هندسي متكامل في التاريخ الحديث، حتى وإن وُجدت مشاريع أخرى تنافسه في جوانب جزئية.

Aerial shot of Bhadla Solar Park مجمع شمسي/ريحي ضخم

مقارنة عالمية لأضخم المشاريع الطاقية

المشروعالقدرة المركّبةالإنتاج السنويالتعدد الوظيفيالاستمراريةالدلالة التاريخية
سدّ الممرات الثلاثة (الصين)≈ 22,500 ميغاواط90–100 تيراواط/سطاقة + فيضانات + ملاحةعاليةبنية طاقية بحجم دولة
سدّ إيتايبو (البرازيل/الباراغواي)≈ 14,000 ميغاواطحتى 100 تيراواط/سطاقة أساسًاعاليةذروة السدود في القرن 20
محطة نووية عملاقة5,000–8,000 ميغاواطمرتفع ومستقرطاقة فقطعالية جدًاأمن طاقي صناعي
مجمع شمسي/ريحي ضخم>10,000 ميغاواط (مركّبة)متقلبطاقة فقطضعيفة–متوسطةانتقال طاقي مستقبلي

انتظرونا في ابداع ثان للصين


مقالات ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE