استجواب جان-لوك ميلونشون حول خطر الاسلاميين من طرف اللجنة البرلمانية للتحقيق بفرنسا

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
استدعت اللجنة البرلمانية للتحقيق في فرنسا مؤسّس حركة “فرنسا الأبية” (La France insoumise) جان-لوك ميلونشون Jean-Luc Mélenchon حول اختراق “الاسلاميين” للاحزاب في فرنسا. في مستهلّ هذا الجزء الأوّل من هذا الحوار الشيق، تتجلّى مفارقةٌ لافتة تُلقي بظلالها على النقاش كله: فرنسا التي ترفع شعار “الجمهورية” و”الحرّيات” لا تزال تُحسن—بحذقٍ سياسي وإعلامي—تحويل تفاصيل رمزية هامشية إلى معارك هويةٍ كبرى، وفي مقدّمتها مسألة الحجاب وابعاد سلطة الاباء على ابناء المسلمين. فبدل أن تُواجه أسباب التوتر الاجتماعي الحقيقية: الفقر، التهميش، العنصرية البنيوية، والتفاوتات الصارخة؛ تُعيد إنتاج جدلٍ متكرر حول لباس امرأةٍ في الشارع، كأنه مفتاح الأمن القومي ووحدة الأمة. هنا تبدو “العلمانية” عند كثيرين أداة فرزٍ وإدانة، لا إطارًا يضمن حرية المعتقد، ويصبح المسلم—لا بوصفه مواطنًا—بل بوصفه “مشكلة” قابلة للاشتباه الدائم. وهذه ازدواجية تُشعر كثيرًا من المسلمين أن المطلوب منهم إثبات الولاء قبل ممارسة أبسط حقوقهم.
وفي المقابل، يبرز وجهٌ آخر للمفارقة: حين تشعر فرنسا أن خطرًا ما يتجاوز حدود الرموز إلى مستوى الأمن والسيادة، تتحرك بسرعة وبآليات دولةٍ صلبة—مثل هذه اللجنة البرلمانية—لتدقيق الوقائع، وطرح الأسئلة، وبناء سردية رسمية حول “الاختراق” و”الإسلام السياسي”. بينما في عالمنا العربي والإسلامي، تُرتكب تجاوزاتٌ يومية في مدننا من طرف أجانب أوروبيين خصوصًا تُفسد المجال العام أو تعبث بالقيم أو تستغل هشاشة الأنظمة، ومع ذلك نادرًا ما نرى المسار المؤسسي نفسه: لا لجان تحقيق برلمانية جادة، ولا استدعاءً للمسؤولين المحليين، ولا مساءلة شفافة تُنصف المجتمع وتحميه.
داخل هذا الإطار، يسعى ميلونشون جاهدا إلى إعادة ضبط المفاهيم: الفصل بين الإسلام كدين والإسلاموية كأيديولوجيا، والتذكير بأن العلمانية الفرنسية نشأت تاريخيًا لحماية الوحدة والحرية، لا لملاحقة المعتقدات. كما يلمّح إلى توظيف خارجي للملف عبر صراعات نفوذ دولية، ويؤكد أن المعركة الحقيقية هي حماية المجتمع من الانقسام ومن تحويل الدين إلى أداة صراع سياسي. د. الحسن اشباني
الجزء الاول من الاستجواب
كلمة تمهيدية لرئيس اللجنة كزافيي بروطون Xavier Breton :
السيد المقرر، زميلاتي وزملائي الأعزاء، سنشرع الآن في أولى جلسات الاستماع المقررة لهذا اليوم، والتي سنستمع خلالها إلى السيد جان-لوك ميلونشون. سيدي الوزير، أنتم مؤسّس حركة “فرنسا الأبية” (La France insoumise)، وتشغلون حاليًا منصب الرئيس المشارك لمعهد “لافواسيي تينغ تونغ”، القريب من هذه الحركة. أشكركم جزيل الشكر على حضوركم اليوم أمام لجنتنا البرلمانية للتحقيق.

أودّ قبل الشروع في تبادل الآراء أن أوضّح بعض النقاط التي أراها ضرورية. أولًا، فيما يخص نطاق عمل لجنة التحقيق هذه، أذكّر بأنها تهتم بالاستراتيجيات التي قد تعتمدها بعض الحركات الإسلامية الناشطة داخل أراضينا للتأثير على ممثّلينا السياسيين، سواء المحليين منهم أو الوطنيين، ومن ثَمّ التأثير على سياساتنا العامة. بعض الزملاء، وخصوصًا من المجموعات اليسارية، تمنّوا لو وسّعنا مجال التحقيق ليشمل أشكالًا أخرى من “الاختراق” (Entrisme). لكن ذلك لم يكن يومًا موضوع عمل لجنتنا، التي تركز تحديدًا على الإسلام السياسي، امتدادًا مباشرًا للتقرير الذي نشرته وزارة الداخلية في مايو/أيار 2025 حول هذه الأيديولوجيا. وفي هذا السياق، أمكن لأعمالنا أن تبرز مجموعة من الخلاصات:
- الحركات الإسلامية الموجودة على أراضينا تمثّل تهديدًا حقيقيًا، وقد باتت هذه الحقيقة موثقة ومؤكدة لدى أجهزة الاستخبارات.
- بعض هذه الحركات يسعى إلى إضعاف بعض مبادئنا الجمهورية، مثل العلمانية، أو قيمنا الأساسية كالمساواة بين الرجل والمرأة وحرية المعتقد. وهذا الهدف يقودها بطبيعة الحال إلى الاهتمام بالممثلين السياسيين والأحزاب السياسية.
وعلى هذا الصعيد، أظهرت أعمالنا أنه على المستوى المحلي يمكن لجميع الأحزاب السياسية أن تكون معنيّة، لأن المنتخبين لا يملكون دائمًا المعلومات الكافية لتمييز نوايا محاوريهم. أما على المستوى الوطني، فإن الخطر يتركّز حول عدد محدود من المنتخبين الذين يظهرون قدرًا من القرب أو التعاطف مع أفراد مرتبطين بحركات إسلامية. وسنعود إلى هذا الأمر خلال أسئلتنا. وأود أيضًا توضيح نقطة أساسية بالنظر إلى حساسية هذا الموضوع: نحن نعالج هنا الإسلام السياسي، أي مواقف أشخاص يدافعون عن رؤية متشددة للإسلام ويسعون لفرضها على الجاليات المسلمة في بلادنا، وربما على المجتمع بشكل عام. نحن لا نتناول الإسلام كدين، ولا المسلمين كمواطنين، ولا القرارات المشروعة التي يتخذها المنتخبون لخدمة احتياجات مواطنين منتمين إلى هذه الديانة. كما أننا ندين بلا لبس كل الخلط بين الإسلام والإسلاموية، كما ندين كل أعمال العنف الموجهة ضد أفراد بسبب دينهم المفترض. بالتالي، تركّز أعمالنا على نقطة دقيقة جدًا، لم تُطوّر بما يكفي في تقرير وزارة الداخلية الأخير، وهي العلاقة بين الحركات الإسلامية وبعض ممثلي الأحزاب السياسية.
أما بشأن المنهجية، ورغم كل ما قيل، فإن لجنتنا لا تستهدف حزبًا معينًا. لسنا محكمة، وجلسات الاستماع التي عقدناها لغاية الآن جرت في مناخ هادئ. هدفنا الوحيد هو تحليل ظواهر حذّرت منها أجهزة الاستخبارات بأكملها. لقد استمعنا إلى شخصيات مختلفة المقاربات، واقترحها مختلف أعضاء اللجنة. كما حرصتُ شخصيًا على أن تتم دعوة جميع المجموعات للمشاركة في مكتب اللجنة، وعلى أن يُتاح لها التعبير بكل حرية.
وفي ما يخص جلسة الاستماع الخاصة بكم، فقد تمّ خلال أعمالنا ذكر حزبكم عدة مرات كهدف محتمل للحركات الإسلامية. لذلك بدا لنا مهمًا أن نستقبلَكم ونناقش معكم هذه المسألة. سأعرض عليكم، سيدي الوزير، في مستهل هذا الحوار ثلاث أسئلة رئيسية، ثم أعطيكم إن رغبتم كلمة تمهيدية من نحو عشر دقائق، يعقبها أسئلة المقرر وسائر الأعضاء الراغبين.
- السؤال الأول: حذّرت أجهزة الاستخبارات جميعها من خطورة التهديد الذي يمثّله الإسلام السياسي في فرنسا، وحدّدت نوعين من التهديدات: تهديد انفصالي أساسه انكفاءٌ مجتمعي متزايد في بعض الأحياء والمناطق، بحيث يشكّل مساسًا بالالتزام بمبادئنا وقيمنا الجمهورية. وتهديد اختراقي/انتهازي (entrisme)، عبر محاولة التأثير على الجمعيات والمؤسسات والأحزاب لتغيير القواعد المشتركة. ما رأيكم بهذه التهديدات؟ وهل ترونها حقيقية؟
- السؤال الثاني: هل تعتقدون أن داخل حزبكم توجد معرفة كافية تسمح بالتمييز بين الإسلام كدين، وبين الإسلاموية كمنهج سياسي؟ وهل هذه القضايا موضوع نقاش داخلي؟ وهل تُقدّمون تكوينًا أو توعية لمنتخبيكم ومناضليكم بهذا الشأن؟
- السؤال الثالث: تمّ خلال جلسات الاستماع التطرّق لاحتمال وجود محاولات اختراق في اللوائح البلدية استعدادًا لانتخابات مارس المقبل، خصوصًا في بلديات توجد ضمن “منظومات محلية” قائمة. كيف يمكن برأيكم منع هذا النوع من الظواهر؟ وهل يشكل هذا الأمر نقطة يقظة داخل حزبكم؟
أشكر لكم المعلومات التي ستقدّمونها لنا. وأدعوكم الآن، وفقًا للمادة السادسة من مرسوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، إلى أداء اليمين بقولكم: “أقسم أن أقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق”. أرجو رفع يدكم اليمنى وقول: “أقسم”.(رفع يده وأقسم) شكرًا لكم، وأترك لكم الكلمة لعرض مداخلتكم التمهيدية.
جان-لوك ميلونشون Jean-Luc Mélenchon:
شكرًا لكم، سيدي الرئيس. يبدو أننا كدنا نتصالح، أنت وأنا… رغم أن شرطيًا جاء في ساعة متأخرة من الليل ليسلّمني استدعاءً. أعلم أنكم لستم مسؤولين عن ذلك، غير أنكم ارتكبتم خطأ سابقًا: فقد أُرسِل الاستدعاء إلى مكتب رئاسة مجموعة “فرنسا الأبية”. وأذكّركم بأن النظام الداخلي يمنعنا تمامًا من تكليف موظّفي مجموعاتنا البرلمانية بمهام حزبية، حتى ولو كانت مهمات أمانة أو سكرتارية. وبالتالي لم أكن على علم، ثم علمت بالأمر فجأة. وغضبت منكم كثيرًا، لكنكم وجّهتم إليّ رسالة شديدة اللطف، وأقدّر لكم ذلك. كنّا قد قررنا مقاطعتكم، وتعرفون الأسباب. أولًا، لأن عنوان لجنتكم كان غير مقبول؛ إذ بدا وكأنه يتهم حزبنا مباشرة. ولست أقول إن هذا كان سيزعجنا نحن؛ فنحن قادرون على مواجهة كل الخصومات. لكن كان هناك إشكال جوهري: كيف يمكن في فرنسا أن تُنشأ لجنة برلمانية للتحقيق مع حزب سياسي بهدف التأكد من مطابقته لقوانين الجمهورية؟ هذا أمر غير مسبوق. ولحسن الحظ، تدخلت لجنة القوانين بحكمتها، ولها الشكر.

ثم بعد ذلك، ألاحظ أن مكتب اللجنة شُكّل بطريقة لا تعكس تمثيل المجموعات البرلمانية، وأن شخصيات رغب بعض النواب في دعوتها للاستماع إليها—كما أشرتم أنتم الآن—لم يُسمح باستدعائها. لذلك اتُّخذ قرار المقاطعة، وهو قرار كتلة “فرنسا الأبية”، وليس قراري. تساءلتُ: لماذا تدعونني أنا تحديدًا؟ ولما لم أجد سببًا واضحًا، قلت في نفسي إنكم ربما مهتمون بقدراتي الفكرية كرئيس مشارك لمعهد “لابواسيي”!
معهد لابواسيي (Institut La Boétie) هو مركز أبحاث وفكر (Think Tank) فرنسي تأسّس سنة 2022 بمبادرة من حركة فرنسا الأبيّة – La France insoumise. يقدّم المعهد دراسات سياسية واستراتيجية في مجالات الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، التحولات البيئية، القضايا الدولية، والفكر الجمهوري. يعقد ندوات، ويُنشر تحليلات، ويهدف إلى تطوير رؤية فكرية تقدمية داعمة للمشروع السياسي للحركة. يشغل جان-لوك ميلونشون منصب الرئيس المشترك للمعهد، إلى جانب باحثين وأكاديميين من تيارات فكرية يسارية متنوعة.
لقد كتبت خلال العقود الثلاثة الماضية عددًا كبيرًا من المقالات والافتتاحيات والكتب حول قضية العلمانية. وأرى أنني قادر على تقديم وجهة نظر مستنيرة في موضوع دقيق يتعلق بالمبادئ، لا سيما وأن فرنسا أرضٌ عرفت حروبًا دينية طويلة، الأمر الذي يفرض عليها من الحذر ما لا يُطلب من غيرها، وأن تتذكّر دائمًا دروس الماضي. الحروب الدينية في بلادنا -في ظلّ النظام الملكي القديم- شهدت أحد عشر طردًا لليهود من فرنسا، وابتكار “شارة الرُّوَيْلة”* بأمر من الملك الملقّب زورًا بـ“القديس لويس”، ثم إحراق التوراة، ثم الطرد مجددًا. ثم جاءت الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت، قرابة قرنين وربع من المجازر.
لذلك، العلمانية ليست نتاج نقاش أكاديمي هادئ، بل ثمرة تاريخ طويل حاولنا خلاله كل البدائل: الطرد، الاضطهاد، الاقتتال… ولم تنجح إلا حين صيغت بوصفها إطارًا يضمن وحدة الشعب. وانطلاقًا من ذلك، أرجو أن يكون هذا هو السبب في دعوتي للإجابة عن أسئلتكم.
* شارة الرُّوَيْلة هي أداة تمييز ديني قسري فُرضت على اليهود في فرنسا الوسيطة، ترمز إلى بداية الاضطهاد المنهجي الذي انتهى بالطرد والعنف.
وأسمح لنفسي بسؤالكم: لماذا لم تستمعوا إلى شخصيات كان استدعاؤها مفيدًا للغاية في موضوعكم؟ لقد استمعتُم إلى المقررَين السيد كورتاد والسيد غويّيت. والسيد غويّيت سفيرٌ كبير لفرنسا، مثّل بلادنا في دول عديدة من العالم الإسلامي، ويعرف الملف حق المعرفة. وقد قرأت التقرير الذي شاركا فيه، ووجدته شيّقًا. لكن عليّ أن أقول لكم، دون سوء نية، إنه خارج نطاق موضوعكم. فالتقرير لا يركّز تحديدًا على جماعة الإخوان المسلمين، بينما أنتم جعلتم القضية تتمحور حولهم. وسأسألكم بعد قليل: لماذا هم بالذات؟ فكما تعلمون، الطوائف والمدارس داخل الإسلام متعددة، وهذا جزء من طبيعة هذا الدين. الإسلام ليس مؤسسة عمودية مثل الكنيسة الكاثوليكية، فليس هناك جهة تُصدر “الحقيقة” وعلى الجميع الإذعان أو يتعرضوا للحرم. ولهذا السبب، يكون النقاش دائمًا حاضرًا بين علماء الإسلام حول أي مسألة. أقول هذا لأنني مهتم بالثقافة الدينية باعتبارها جزءًا من تكوين الثقافة الوطنية الفرنسية. ولطالما خاض علماء اللاهوت المسيحي قرونًا من الجدال حول قضايا لاهوتية، وحتى حول ما إذا كان قرار البابا هرطقة أم لا. أذكّركم بفيليب لو بيل (Philippe le Bel) حين طلب من جامعة السوربون أن تفصل في ما إذا كان يحق للبابا بونيفاس أن يفرض ضريبة في فرنسا. وكان العلماء بين طاعة الملك وطاعة الباب في حرج كبير! ما أريد قوله: نحن بحاجة إلى العلم، إلى فهم عميق لما نواجهه.
العلمانية ليست إلحادًا رسميًا، وليست منعًا لهذا أو ذاك. إنها إطار يضمن حرية الجميع. جان-لوك ميلونشون
حين نواجه إرهابيين، يكون من مصلحتنا فصلهم عن باقي السكان، وعدم منحهم أي تعاطف. لأن استراتيجيتهم تقوم على إجبارنا على الخلط: بين الدين الذي يزعمون الانتماء إليه، وبين أعمالهم، وبين مجموع المسلمين. هدفهم أن ننقسم نحن الفرنسيين: مسلمون في مقابل غير مسلمين… وهذا قديم قدم الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت، حيث كان كل طرف يتهم الآخر بالعمالة للأجنبي. وبالتالي يجب علينا العمل دائمًا من أجل وحدة الشعب الفرنسي. ولهذا وُجد قانون 1905، ولهذا يجب علينا جميعًا—مهما اختلفت أحزابنا—أن نطبق روح هذا القانون الذي هو قانون حرية، لا قانون قمع.
العلمانية ليست إلحادًا رسميًا، وليست منعًا لهذا أو ذاك. إنها إطار يضمن حرية الجميع. ومنذ قرون طويلة حاولت الملكية الفرنسية حل مشكلة تعدد الدين، إلى أن استقر الأمر على فكرة أنّ الملك هو ملك جميع رعاياه، وليس ممثلًا لدين ضد آخر. ثم جاءت الثورة ثم الكومونة… وتطوّر المفهوم تدريجيًا إلى أن أصبح على ما هو عليه. لهذا السبب، أدعوكم إلى استشارة شخصيات كان لها أن تنفع أعمالكم، مثل:
– السيد جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي، صاحب معرفة واسعة بالعالم الإسلامي.
– السيد برنار كازنوف، الذي عاش في الصف الأول مأساة اعتداء باتاكلان المروعة.
– أو حتى السيد فوكويه، مبتكر فكرة هذه اللجنة، والذي أساء طرحها إلى درجة أنّه اضطرّ لاحقًا لتغيير اسمها… ثم ها هو يغيب عن حضور جلساتها اليوم! لماذا لا يأتي؟ لماذا لا يطلب منكم–سيدي الرئيس–إطلاعَه على ما دفعه لاتهامنا نحن “فرنسا الأبية” بذلك الشكل؟ ولا أتكلم عن السيد روتايو أو حتى الرئيس فرانسوا هولاند، الذي اعترف علنًا بأنه اتخذ قرارات بالغة القسوة ضد أعداء فرنسا… (وأظنكم تفهمون ما أعنيه).
أما إن كنتم تريدون فعليًا التحقيق في روابط محتملة مع الإرهاب، فابدؤوا باستجواب أعضاء من حزب التجمع الوطني. لا أقول إن الحزب نفسه إرهابي—لم أقل هذا يومًا—ولكن هناك من أعضائه مَن ضُبط وهو يبيع أسلحة، وآخر يساعد على عمل مشبوه. ومع ذلك لم أتهم الحزب ككل. حتى حين تعرّض منزلي للتخريب الكامل، وكانت شعارات التجمع الوطني تغطي الجدران، لم أقل إن الحزب أصدر الأمر. لأني لا أعتقد ذلك. وهكذا، على خلاف أحزاب أخرى، لا توجد أدنى صلة -لا من بعيد ولا قريب- بين “فرنسا الأبية” وبين أي جماعات إرهابية، لأن فلسفتنا تقوم على مساواة البشر جميعًا، ورفض أي تمييز، وجعل ذلك مبدأً سياسيًا ثابتًا. ورغم كل ما قلت، ها أنا أمامكم اليوم، وأرى السبب واضحًا: لجنتكم نفسها أنتجت وثائق تبرّئنا تمامًا.
كل مسؤولي أجهزة الاستخبارات الذين استمعتم إليهم -قرأت محاضرهم- لم يقل أحد منهم إن هناك علاقة بيننا وبين الإسلاميين. بل قالوا العكس. وحتى فيما يتعلق بموضوع “الإخوان المسلمين”، يقول تقرير السيد كورتاد والسفير غويّيت بوضوح تام: “على المستوى الوطني، لا نعرف أيّ استراتيجية منظّمة من قبل حركة الإخوان للتأثير على الأحزاب السياسية الفرنسية.” قول التقرير إن هذه التحركات لا تُنفّذ بالضرورة بأوامر مركزية، لكنها قد تُستخدم محليًا ضمن استراتيجيات نفوذ، أو للحصول على امتيازات، أو حتى في إطار محاولات اختراق. لكن -وأكرر ما قاله السيد كورتاد حرفيًا- لم نلاحظ، ولم نُوثّق، ولم ندرس أي استراتيجية نفوذ على المستوى الوطني موجّهة نحو الأحزاب السياسية. وبالأحرى تجاهنا نحن. وهذا الكلام صادر عن محاضر لجنتكم، لا عن تحقيقاتنا نحن. وهو ما أكده أيضًا مسؤولو أجهزة الاستخبارات الفرنسية الذين قالوا: “نحن لم نرَ شيئًا من هذا القبيل”. لكن اسمحوا لي الآن أن أدق ناقوس الخطر. هناك أمر مريب يحدث في هذا البلد.
النائب عن “فرنسا الأبية” كارلوس بيلونغو كان مقررًا حول التحضير لشروط مؤتمر COP28، وهو عمل برلماني عادي ومألوف. ذهب إلى الإمارات العربية المتحدة، وذكر في تقريره أنه يستغرب أن يكون المسؤول عن مؤتمر المناخ هو نفسه مسؤول شركة نفطية. عاد إلى فرنسا، وفجأة وُجّهت إليه حملة كراهية شرسة وغير مسبوقة، وتحركت -بشكل غريب- أجهزة ومؤسسات، بل حتى الإدارة الفرنسية، لملاحقته في قضية مشوشة لا أفصّل فيها هنا، وأحيلكم إليه فيها.لكن الأخطر من ذلك أن بيلونغو تمّ استهدافه من جهاز استخباراتي أجنبي. وأذكّر بأن لا أحد في هذا البلد مُخوّل له أن يتجسّس علينا أو أن يتلاعب بنا. أتذكر باعتزاز موقف السيد شارل باسكوا حين طرد 47 دبلوماسيًا. قلت له يومًا: “لقد طردتَ 47 دبلوماسيًا أمريكيًا!” فأجابني: “كلا، لقد طردتُ 47 جاسوسًا!” هكذا كان الفرنسيون دائمًا: لا يقبلون تدخل أي قوة في شؤونهم الداخلية. وقد احتججنا رسميًا، فماذا حدث؟ لا شيء.
ثم فجأة تنهال علينا استطلاعات رأي، وتحليلات صحفية، ويقال إنها “مُحرّفة” و”مُدبّرة”. من يقف وراءها؟ لقد استقبلتم شخصين هنا، وأرى من المهم جدًا -سيدي الرئيس وسيدي المقرر- أن تعرفوا من الذي أوصى باستدعائهما. فهما مرتبطان بصحيفة وهمية في الواقع، تُوزّع مجانًا داخل الجمعية الوطنية، وهذه الصحيفة مرتبطة بصندوق مالي مرتبط بدوره بالإمارات. كل هذا موثّق في الملفات التي وضعتها بين أيديكم، وهي ليست صادرة عنّا نحن في “فرنسا الأبية”، بل عن مواقع ميديابارت وأوريونت 21.
وأُسارع هنا إلى القول للإماراتيين الذين قد يستمعون إليّ: ليس لي أي عداء لهم، ولا أُكنّ لهم أي كراهية. لكن الواقع أنهم تلاعبوا بالأمور، وجعلوا هدفهم عبر هذا المنبر الإعلامي الوهمي هو افتعال نقاشات داخل فرنسا، في سياق صراعهم مع قطر. وبسبب التنافس مع قطر، خطرت لهم فكرة التركيز على الإخوان المسلمين من أجل ضرب قطر سياسيًا.
هل يوجد إخوان مسلمون في فرنسا؟ نعم، وبالطبع يوجدون. ففي فرنسا يوجد من كل شيء وعلى جميع الأصعدة. يُقال بحسب التقرير إن لهم حضورًا في بعض المساجد، وعدد المساجد في فرنسا يبلغ نحو 2600 مسجدًا. هذا أمر يجب رصده بعقلانية وحذر، دون تهويل، ودون منح هذه الظواهر حجمًا دعائيًا أو إعلاميًا يفوق وزنها الحقيقي.
ولهذا أحذّركم بوضوح: هناك قوة خارجية تتلاعب وتُقحم فرنسا في صراعات نفوذ لها مع دولة أخرى هي قطر. وفي ما يُسمّى بالعالم الإسلامي -ولا أحد سيغضب من هذا التعبير- توجد الإمارات وقطر ضمن مجموعة من الدول التي تنصّ دساتيرها على مرجعية الإسلام، ومن الطبيعي أن تقع بينها صراعات تأثير ونفوذ. لكن ما لا أقبله هو أن تتحوّل فرنسا إلى ساحة لهذه الصراعات، وأن تُستدرَج لجنتكم -بحسن نية ويقظة مثلكم- لخدمة مخططات لم يخطر ببال أيّ منكم يومًا أن يكون جزءًا منها. ولهذا السبب، قررت مجموعة “فرنسا الأبية” تفعيل المادة 40 (إحالة قضائية).
هل تسمحون لي الآن، قبل الدخول في الأسئلة، أن أقول كلمتين أخيرتين باختصار شديد؟ أولًا: أعيد التأكيد، حتى يسمعنا مواطنونا بوضوح، أننا -رغم اختلافنا السياسي- نحن وأنتم متفقون على أمر أساسي: لا نخلط بين الإسلام والإسلاموية، ولا نخلط بين الإسلاموية والإرهاب. وأقول ذلك باسم كل من هو حاضر هنا. بعد هذا، يصبح الأمر بسيطًا: – الإسلام دين. – الإسلاموية فكر أصولي، ينقسم إلى تيارين: تيار يقول: نحن نلتزم شريعة الله في حياتنا الخاصة، في بيوتنا وسلوكنا، دون ادّعاء فرضها سياسيًا. وتيار آخر يريد تحويل هذه المرجعية إلى قوانين سياسية للدولة، كما هو الحال في بعض الدول التي تعلن تبنّي الإسلام السياسي، مثل تركيا.
العلمانية نشأت من ضرورة حماية حرية العبادة، لا من أجل منعها. فهي في جوهرها إطارٌ ضامن لحرية الاعتقاد، لا أداة لقمع الدين. جان-لوك ميلونشون
وهنا نختلف نحن الفرنسيين جذريًا، لأننا نفصل الدين عن السياسة. واليوم، نحو 60٪ من الفرنسيين لا يمارسون أي دين، وبالتالي لم يعودوا يعيشون قرب الممارسة الدينية كما كان الحال في جيلي، حيث كان الحضور الكنسي والطقوس الدينية جزءًا من الحياة اليومية في القرى والمدن. كنا نرى رجال الدين باستمرار، وكان المؤمن -سواء كان كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا- يحاول التوفيق بين إيمانه وانخراطه في الحزب الشيوعي أو الاشتراكي، وهو ما لم يكن المجتمع يتقبّله دائمًا بسهولة. لكننا اليوم نُميّز، ولا نخلط، ونُحسن الفصل.
الإرهاب هو شكل من أشكال الإسلاموية القاتلة، وهو استراتيجية قتال تقوم على إحداث انهيار داخل المجتمع عبر دفعه إلى التمزّق والصراع الداخلي. لكن ينبغي توسيع زاوية النظر. وأنا دائمًا ما قلت ذلك داخل عائلتي السياسية: نعم، يوجد الإرهاب، بطبيعة الحال. غير أن هذا المصطلح لا يحمل المعنى نفسه في كل السياقات؛ فالمقاومون الفرنسيون، خلال الاحتلال، كانوا يُوصَفون بالإرهابيين. وفي سياقات أخرى يُستخدم الوصف نفسه. لكن بوجه عام، فإن العنف العسكري داخل المجتمع—مهما كان الإطار الذي يحدث فيه—مرفوض. ونحن، كحركة سياسية، نُحارب كل أشكال العنف: سواء كانت عنفًا إسلامويًا، أو حتى عنفًا صادرًا عن اليسار. نقطة أخيرة، ثم أنهي هذه المقدمة: أودّ أن أعود إلى الشروط التي وُلدت فيها العلمانية، كما ذكرت في البداية. العلمانية نشأت من ضرورة حماية حرية العبادة، لا من أجل منعها. فهي في جوهرها إطارٌ ضامن لحرية الاعتقاد، لا أداة لقمع الدين. ولذلك، حين يُطلب من الفرنسي أن يتعامل دائمًا مع ممارسة دينية في الفضاء العام، يصبح الأمر عنده أكثر حساسية مما هو عليه في مجتمعات أخرى تقبل بتجاور كل المعتقدات داخل “غيتوهات” دينية متجاورة.
نحن الفرنسيين لا نُدين الآراء، بل نُدين الأفعال. نُحاسِب على الممارسات، لا على القناعات. أما حرية الضمير فهي مطلقة، بل وغير قابلة للضبط أو الرقابة، وأنتم تعلمون ذلك كما أعلمه. لذلك، لا نستطيع أن نُحارب إلا الأفعال، وبناءً عليه فإن العلمانية لا تُحارب إلا الممارسات التي يُحرّمها القانون. لا أكثر. وعندما اخترع الأمريكيون فكرة أننا “نضطهد الأديان” بسبب خلافنا مع إحدى الطوائف، قلنا لهم بوضوح: ليس لنا أيّ نزاع مع أيّ طائفة دينية. وكان المقصود آنذاك طائفة “السينتولوجيا”. نحن لا نعاقب عقيدة، وإنما نُعاقب الاحتيال. هكذا يتعامل الفرنسيون مع هذا الموضوع.
ردّ رئيس لجنة التحقيق
شكرًا جزيلًا لك، السيد ميلونشون، على هذه الكلمة الافتتاحية. بضع توضيحات سريعة قبل الانتقال إلى الأسئلة، خاصة ما تعلّق بموضوع الاستدعاء. لقد وُجّه الاستدعاء إليكم بالطريقة نفسها التي وُجّه بها إلى السيدة تونديلييه. صحيح أنه كان أسرع معها، لكننا سعداء اليوم بتمكّننا من هذا اللقاء معكم. لماذا أنتم ضمن الضيوف؟ أُعيد التأكيد مرة أخرى: نحن لسنا محكمة، ولا نُوجّه اتهامًا إلى أيّ شخص. الأمر واضح تمامًا. اختياركم جاء بالنظر إلى مسؤولياتكم السابقة والحالية داخل الحزب بصفتكم المؤسّس، وكذلك بسبب مساركم السياسي داخل اليسار، والتحوّلات الفكرية التي عرفتموها عبر الزمن، في قضايا مثل مسألة “الارتداء الرمزي” وغيرها، وهو ما يمكن فعلًا أن يُثري تفكيرنا. وفيما يخص اختيار مواضيع جلسات الاستماع، فإن موضوع “الإخوان المسلمين” ورد صراحة في عنوان تقرير وزارة الداخلية. هم يشيرون في التقرير إلى أن الإخوان المسلمين يشهدون تراجعًا في مستوى تأثيرهم داخل فرنسا، لكن استراتيجيات الاختراق السياسي هي التي تُقلق أجهزة الدولة اليوم أكثر من غيرها. وعليه، فإن أعمال لجنتنا تأتي امتدادًا مباشرًا لهذا التشخيص. تساءلتم عن غياب رئيس مجموعة اليمين الجمهوري. هذا الأمر يعود إلى حقّ التمثيل داخل المجموعة البرلمانية، كما هو معمول به في كل الكتل، وقد سبق لكم أن توليتم رئاسة مجموعة أيضًا. وفي هذا الإطار، تمّ إسناد تمثيل هذه المجموعة داخل اللجنة إليّ شخصيًا.
أما حين قلتم إن محاضر الاستماع لا تُظهر شيئًا، فأستطيع أن أورد لكم اقتباسات صريحة من كل من: المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI)، والمديرية الوطنية للاستخبارات الإقليمية (DNRT)، ومديرية الاستعلامات في شرطة باريس (DRPP)، والمديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE)، وكلها تشير بوضوح إلى وجود خطر حقيقي للاختراق السياسي في بلادنا. وهذا أمر ثابت ومُكرّر في تقاريرهم. ولا يعني هذا استهدافكم أنتم بشكل خاص، لكن واقع الاختراق السياسي موجود ويستوجب المعالجة. وسيَرِد اسم حزبكم في بعض الحالات المرتبطة باتصالاتٍ بين بعض أعضائكم وممثلين عن منظمات إسلاموية، وسنفصل ذلك في وقت الأسئلة.
أما بخصوص استطلاع الرأي الذي أجراه معهد IFOP، فأنا أحترم عمل هذا المعهد الذي يُعدّ من أعرق المؤسسات في بلادنا.
وقد تقدّمتم بإحالة قضائية بناءً على المادة 40، وهذا أصبح شأنًا قضائيًا لا يندرج ضمن نطاق عمل لجنتنا.
لكننا رأينا من الطبيعي، بحكم راهنية الموضوع، أن نستمع إلى ممثل المعهد، وأشير إلى أن الخمسة عشر دقيقة الأولى من جلسة استماعه خُصّصت بالكامل لشرح المنهجية العلمية للاستطلاع، وهو ما أتاح توضيح عدد من النقاط. ننتقل الآن إلى مرحلة الأسئلة والأجوبة. وأدعو السيد المقرر لطرح أسئلته أولًا، ثم سأتدخل أنا بعده، ثم يُفتح المجال للزملاء الراغبين في طرح أسئلتهم.
المقرر ماتيو بروش Matthieu Bloch :
شكرًا لكم، السيد ميلونشون، على مداخلتكم الافتتاحية. زميلاتي وزملائي الأعزاء، قبل أن نستمع إلى إجاباتكم، السيد ميلونشون، أودّ أن أذكّر بالإطار الدقيق لطبيعة أعمالنا. اللجنة البرلمانية للتحقيق—وقد قيل ذلك بوضوح—ليست محكمة. هي لا تحاكم، ولا تُدين، ولا تُجري تحقيقات جنائية، ولا تملك الصلاحيات نفسها التي يتمتع بها القضاء، وليس هذا هدفها أصلًا. إنما هي أداة برلمانية في خدمة التمثيل الوطني، مهمتها إثبات الوقائع واقتراح السبل للوقاية أو للتصحيح فيما يخصّ، في حالتنا، ظواهر الاختراق (الانترِيسم) التي قد تمسّ مسؤولين عموميين أو منظمات أو أحزابًا سياسية في بلادنا. بهذه الروح -روح الوضوح والمسؤولية- يجب أن نفهم أعمالنا.

نحن مجتمعون هنا أيضًا لأن فرنسا ضُربت في عمقها بالإرهاب الإسلاموي. منذ عام 2012، شهد ترابنا الفرنسي 50 هجومًا، بينها 24 هجومًا قاتلًا، خلّفت 274 قتيلًا وأكثر من 800 جريح: من تولوز إلى مونتوبان، من “شارلي إيبدو” إلى أحداث 13 نوفمبر، ومن نيس إلى سانت-إتيان دو روفريه… وصولًا إلى الجريمتين المروعتين بحق صامويل باتي ودومينيك برنار. هذه الجرائم هزّت وجدان وطننا بشكل دائم. وهي ليست حوادث معزولة، ولا انحرافات فردية، بل تقع ضمن سلسلة فكرية متصلة: سلسلة الإسلام السياسي الذي -بأشكاله القانونية أو العنيفة- يسعى إلى تفتيت المجتمع، ونزع شرعية مؤسسات الدولة، وتقويض أسس جمهوريتنا. وهذه الحقيقة تفرض علينا مسؤولية. فما قبل الفعل الإرهابي، توجد شبكات تأثير، واستراتيجيات انفصالية، وأحيانًا مسارات اختراق منظّم—وثّقها منذ زمن طويل كل من أجهزة الدولة والباحثين المتخصصين. إن فهم هذه الديناميات هو مساهمة أساسية في منع ما يمكن أن يهدد سلامة الأمة يومًا ما. ولعدة عقود، تواجه بلادنا انتشارًا تدريجيًا لأيديولوجيا—هي الإسلاموية—تتجاوز كثيرًا مجرد الشأن الديني. كما ذكّر بذلك العديد من الباحثين والمسؤولين الذين استمعنا إليهم، الإسلاموية مشروع سياسي يستخدم المرجعية الدينية كأداة للتنظيم الاجتماعي، ولدى بعض تياراته كوسيلة لتغيير طبيعة الدولة نفسها. لقد ذكرتم الإخوان المسلمين، وهناك غيرهم. وفي فرنسا، أخذ هذا الوجود شكل شبكات تأثير: – أماكن عبادة، – جمعيات، – هياكل تربوية، – وواجهات مجتمعية. وقد أظهرت أجهزة الاستخبارات والباحثون الذين استمعنا إليهم أن هذه الهياكل—وإن لم تكن كلها سرّية أو عنيفة—قد تُنتِج مجتمعات موازية متوترة مع قواعدنا المشتركة. بل إن بعض التيارات تطوّر استراتيجيات اختراق بهدف التأثير في المؤسسات أو البلديات أو المنتخبين، مع إخفاء نواياها خلف خطاب ينسجم ظاهريًا مع قيم الجمهورية. أمام هذا الواقع، تتحمّل لجنتنا مسؤولية واضحة: إثبات الوقائع، وقياس المخاطر، وتحديد ما إذا كان بعض المسؤولين العموميين قد يجدون أنفسهم في وضعية قرب أو تأثير أو استغلال من قبل شبكات تسعى إلى أهداف تتعارض مع مبادئ العلمانية والمساواة والحرية.
سيدي ميلونشون، نهجنا ليس حزبيًا. بل هو امتدادٌ للإنذارات التي وجّهتها أجهزة الدولة، والأكاديميون، والمنتخبون المحليون. وهو يستند إلى قناعة بسيطة: الجمهورية القوية هي التي تنظر بوضوح إلى ما قد يمسّ وحدتها. وبهذه الروح—روح الصرامة والاحترام والبحث عن الحقيقة—نستمع إليكم اليوم. كلمتكم مهمّة، كما قال الرئيس، لأنكم إحدى الشخصيات البارزة في الحياة العامة الفرنسية. كما تكتسب كلمتكم أهميتها لأن بعض الخطابات، وبعض التحالفات النضالية، أو بعض الروابط الجمعوية تثير تساؤلات مشروعة، ويُفترض أن تُتيح هذه الجلسة تقديم أجوبة واضحة عنها.

سيدي ميلونشون، لقد أظهرت أعمال لجنتنا، في عدد من البلديات داخل بلادنا، وجود حالات تمكن فيها أفراد ينتمون إلى تيارات إسلاموية من ممارسة نفوذ أو من الوصول إلى مسؤوليات محلية. أفكّر مثلاً في حالة مدينة كولومب، حيث كان مدير ديوان رئيس البلدية يجمع بين منصبه البلدي وبين مسؤولية إدارة مسجد ومدرسة قرآنية تمّ تحديدها من قبل السلطات بوصفها مصدرًا لتعليم ديني إشكالي. كما أفكّر في حالات أخرى في فيلنوف داسك وفالنسيان ودوشي-ليه-مين، حيث انتُخب أو عُيّن في مواقع نفوذ أشخاص قريبون من منظومة فرعية ذات صلة بالفكر الإخواني.
هذه الأمثلة تُجسّد واقعًا ملموسًا لظاهرة الاختراق السياسي (الانترِيسم)، وهي ظاهرة قد تطال أي حزب عندما تضعف اليقظة، خصوصًا على المستوى المحلي.وفي هذا السياق، ظهرت أيضًا شكل آخر من الاختراق، ذو طبيعة أيديولوجية، وقد تمّ التصريح به علنًا عام 2022 من قبل السيدة آريا بوتيلجا، مؤسسة “حزب السكان الأصليين للجمهورية”. ففي معرض حديثها عن ترشحكم للانتخابات الرئاسية، قالت وأقتبس حرفيًا: «في هذا المزيج، يوجد غنيمة حرب تُدعى ميلونشون. كان مجنونًا بالعلمانية، والآن يقول أمورًا لم يكن ليقولها قبل 15 عامًا». هذه العبارة تُقدّمكم بوضوح بوصفكم حصان طروادة (Cheval de troie) (شخص يُتَّهَم بخدمة أجندة خارجية من الداخل)، أداة—من وجهة نظرها—لتحقيق أجندة سياسية تستهدف ما تسميه هي “العلمانيين المتشددين”، وتفترض أنكم تخضعون لآلية تأثير موجّهة نحو مرشح لأعلى منصب في الدولة، أي رئاسة الجمهورية. ولذلك، أسئلتي هي الآتية:
- في ضوء هذه الأمثلة الملموسة—سواء المحلية أو التنظيمية أو الأيديولوجية—كيف تقيّمون واقع ظاهرة الاختراق في فرنسا؟
- برأيكم، ما هي “الخطوط الحمراء” والضمانات الضرورية التي يجب أن تلتزم بها جميع التشكيلات السياسية—بما فيها حزبكم—حتى لا يتم استغلال حركة سياسية أو مرشح سياسي من قبل فاعلين يسعون إلى أجندات تتعارض مع المبادئ الجمهورية؟
رد جان-لوك ميلونشون:
أشكر السيد المقرر على دقة سؤاله، لكن دعوني أبدأ أوّلًا ببعض الملاحظات والشكوك. لقد قدّمتم أمثلة على ما تسمّونه “الاختراق”. ولمَ لا؟ يمكن استخدام هذا المصطلح. لكن لا واحدًا من هذه الأمثلة يخصّني شخصيًا ولا يخصّ حركة “فرنسا الأبية”. وأودّ أن أفهمكم لماذا يبدو من الصعب جدًا—بل شبه المستحيل—أن يحدث مثل هذا الأمر داخل حركتنا. يجب فهم الأساس الفكري لحركة “فرنسا الأبية”. محرّكها الرئيسي هو النزعة الإنسانية التي تقول إن الإنسان هو صانع تاريخه. ومن هذا المنطلق، يوجد بالفعل تقاطع طبيعي بين فكرنا وبين فكر المؤمنين. لماذا؟ لأن الأديان التي تعترف للإنسان بحرية الإرادة، تقول إن الخير والشر ينشآن من قراراته. في الإسلام، يقال إن الله لم يخلق الشر، بل البشر هم الذين يصنعونه. وفي المسيحية، توجد الفكرة نفسها تقريبًا، وإن كانت تُجسَّد بقوة في شخصية “الشيطان” كفاعل في المغامرة الروحية. أما غير المؤمنين، فيقولون إن الخير والشر يتحددان وفق المبادئ الأخلاقية التي يلتزم بها الإنسان. هذا يمنحنا أرضية مشتركة.
ثم ننتقل إلى شيء آخر: المساواة والتشابه المطلق بين جميع البشر. وهنا تبدأ النقاشات السياسية حول نطاق الحقوق والواجبات، وأولها احترام حقوق الآخرين. ولهذا السبب، فإن حركة “فرنسا الأبية” تجعل في تكوينها الفكري الأساسي—كما في كل دوراتها التدريبية الدورية—محورين ثابتين: محور مناهضة العنصرية، ومحور العلمانية. لدينا مدرسة تكوين حزبية تشمل تدريبات جهوية وأخرى وطنية. وأحد هذه التدريبات الوطنية يمتد لستة أشهر إلى سنة، يجتمع فيه المشاركون كل 15 يومًا، وتتكفل الحركة بمصاريفهم. وفي كل الدورات دون استثناء، يتلقى المشاركون درسين أساسيين: درس حول العنصرية ودرس حول علمانية الدولة. ويقدَّم درس العلمانية من قبل الفيلسوف بونوا شنكنبورغر، وهو اليوم رئيس “جمعية الفكر الحرّ”. ويستطيع المرء تخيّل الحذر الشديد الذي يمنحه هذا الموقع لمقاربته لمسألة الإيمان.
ولأن هدفنا ليس التلقين بل التحفيز على التفكير، فمن الطبيعي أن يصطدم المحاضر أحيانًا برؤى يعتبرها البعض مبالغًا فيها، مما يثير النقاش ويُنعش التفكير داخل مجموعتنا، حيث تسود حرية التعبير وتبادل الآراء. إذن، كل كوادر الحركة يتلقّون هذا التكوين المزدوج. أما درس العنصرية، فيتناول جميع أشكالها: معاداة السامية وكراهية السود، وغيرها من المظاهر التي ينشرها “العدو” -وأستخدم هنا مفرداتي السياسية- من أجل تفتيت الشعب. لأن الشعب—بالنسبة لنا—هو فاعل التاريخ. ونحن نرى من منظور مادّي أن خصمنا، الأوليغارشية، لا تستطيع السيطرة على المجتمع إلا إذا قسّمته. ومن هنا تأتي يقظتنا الخاصة تجاه العنصرية، وكذلك تجاه احترام العلمانية. نقضي وقتنا نشرح ونوضح. ونقوم بذلك -بإعطاء أوامر- بل عبر توضيح البيئة الفكرية للفكرة. فأنتم سياسيون مثلي، وتعرفون أن رهان العمل السياسي هو وعي الناس. إن مسألة علمانية الدولة مسألة مؤسِّسة بالنسبة لنا، لأنها تمنع المطالبة من الدولة بحماية هذا الدين أو ذاك، أو هذه العقيدة أو تلك. ولهذا نكرر دائمًا أن الحرية الجمهورية هي حرية مطلقة.
ففي بلادنا مثلًا، توجد حرية الإجهاض. لكن لا أحد مُلزَم بأن يُجهِض. ومع ذلك، فإن من ترغب في ذلك لها الحق في ممارسته لأن القانون يسمح به. ومن المفارقات أن النظام سمح للعاملين في القطاع الطبي بأن يقدّموا اعتراضًا ضميريًا لرفض القيام بعملية الإجهاض. ولا أخفيكم أنه، رغم أنّني أتفهّم ما قد تمثّله بعض الاختيارات الأخلاقية أو الدينية بالنسبة إلى أشخاص مؤمنين، فإنني أرى في المقابل انحيازًا أو استثناءً قانونيًا قد يمتد لاحقًا إلى مجالات أخرى. فإذا أصبح بمقدور أي شخص يشغل وظيفة عمومية—أياً كانت طبيعتها أو دورها الاجتماعي—أن يحتجّ في أي وقت بقناعاته الدينية لمنع الآخرين من ممارسة حرياتهم، فهنا تبدأ المشكلة. لا أتهم أحدًا الآن، لكن أقول إنه بين الحين والآخر نجد أنفسنا أمام تناقضات تطرح إشكالات، وتستدعي التفكير، وفي النهاية… نطبّق القانون. هذا ما أفعله أنا على كل حال.
أن الإسلام الأكثر حضورًا في فرنسا ذو جذور مغاربية، وأن هذه الجذور متأثرة بالإرث الأندلسي، ما يجعل المرجعية المالكية شائعة بين كثير من المسلمين هناك. ويستند إلى فكرة متداولة في الفقه المالكي مفادها أن المسلم في بلد غير مسلم يلتزم بقوانين البلد الذي يقيم فيه ما دامت لا تمنعه من أصل دينه.
هذا بالنسبة إلى الإجابة المبدئية المتعلقة بحركة “فرنسا الأبية”. ولكن هل يحمينا ذلك من كل شيء؟ بالطبع لا. فنحن لسنا محصّنين—لا ضدّ التمييز، ولا ضدّ الغباء، ولا ضدّ أي سلوكيات بشرية أخرى. هذه كلها تأثيرات مجتمعية، ويتعين علينا مكافحتها في صفوفنا كلما ظهرت. وهذا يطال جميع الأحزاب، بلا استثناء. فنحن بشر نعيش في مجتمع حر، وبالتالي تنتقل التأثيرات إلينا كما تنتقل إلى غيرنا. ونحن نعتبر أننا نوفر الوسائل اللازمة لمواجهة ذلك. ففي جامعاتنا الصيفية السنوية، ننظم دومًا جلسات مخصصة بالكامل لموضوعات العنصرية بمختلف أشكالها، ولعلمانية الدولة.
ومن المهم أن تعلموا أننا لا نواجه أي صعوبة خاصة مع المواطنين المسلمين، سواء المنتمين إلى حركتنا أو من نلتقيهم في المجتمع. لماذا؟ لأن الإسلام في فرنسا متأثر بدرجة كبيرة بأصله المغاربي، والأصل المغاربي مرتبط بدوره بشكل وثيق بالفترة الأندلسية في تاريخ الإسلام. وبالتالي نتعامل غالبًا مع إسلام مالِكي يقوم على قاعدة واضحة: «احترم قوانين البلد الذي تعيش فيه». وهذه قاعدة مهمة جدًا، إذ تُسهّل التعامل وتمنع حصول الإشكالات. وقد كان لدينا في الماضي مشكلة أكبر مع الكنيسة الكاثوليكية. أذكّركم بأنه في عام 1906، جاء في الرسالة البابوية “Vehementer Nos” (البابا بيوس العاشر) القول إن لا قانون يعلو على قانون الله، وإن الاعتقاد بوجوب تطبيق قانون آخر يُعَدّ جرمًا. وكانت المواجهة الفكرية والسياسية آنذاك شديدة.
وأذكّركم أيضًا بأن الكنيسة الكاثوليكية—رغم وجود كثير من الكاثوليك الذين لم يتفقوا مع هذا الطرح—كانت تعتبر الجمهورية مجرد “سوء تفاهم مؤقت”. ولم تعترف بها إلا عام 1920، وعلى استحياء، في حفل أُقيم بالجزائر—على ما أذكر. اليوم، أصبح كل ذلك أسهل بكثير. ومن ثمّ، فإن أي شخص قد يحاول تنفيذ اختراق ديني داخل حركة سياسية سيُكشَف أمره بسرعة فائقة، أسرع من غيره. وبطبيعة الحال، فإن حركتنا لن تقبل أبدًا بالاختراق الديني، ولن تسند أي مسؤولية إلى شخص يقول: «أنا أفعل هذا لأنني كاثوليكي… أو لأشرح الفضائل الكاثوليكية، أو اليهودية، أو البروتستانتية…» وكل هذه فضائل محترمة، نعم، لكنها لا مكان لها داخل تنظيمنا، ولا داخل ترشحياتنا. وعلى هذا الأساس، لا أعتقد أن لدينا مشكلة. لكن إن كانت لديكم ملاحظات أو صعوبات ترغبون بإبلاغنا بها، فافعلوا ذلك. ثم أنتم منتخبون، وتعرفون جيدًا كيف تسير الأمور في الواقع. حين نُعدّ القوائم، لا نعمل كلٌّ في زاويته—بل يقدّم الجميع أسماءهم في اللحظات الأخيرة…
المقرر:
سيد ميلونشون، سنعود لاحقًا إلى مسألة “الاستمرارية السياسية”. اسمح لي الآن أن أطرح عليكم سؤالًا آخر. نعلم أن الإسلام السياسي يقوم على تضخيم المعايير الدينية وتوظيفها لخدمة مشروع سياسي، وأنه يمكن—في بعض الظروف—الاعتماد على مؤشرات أو رموز هوياتية تهدف إلى تمييز فئة ما أو فصلها عن بقية المجتمع، وذلك في سياق استراتيجيات تأثير أو اختراق. وقد أشار عدد من الباحثين الذين استمعنا إليهم إلى أن بعض السلوكيات أو الرموز—عندما تُستَغلّ سياسيًا—يمكن أن تتحول إلى أدوات لإثبات وجود سياسي أو لفرض ضغط اجتماعي. وفي ضوء أعمال لجنتنا، يبرز سؤال حول اتساق الخطاب السياسي بخصوص هذه الرموز الهوياتية، ومنها الحجاب الإسلامي. لقد عبّرتم، أنتم شخصيًا، عن مواقف مختلفة عبر السنوات:
ففي 2010 اعتبرتم أنه «لا يمكن لإنسان أن يصف نفسه بالنسوي وهو يُظهر رمزًا للخضوع الأبوي»، وقلتم إن الحجاب «وصمة نُلحقها بأنفسنا». وفي 2015 وصفتم الحجاب بأنه «علامة من علامات الخضوع». لكن في 2025، بعد عشر سنوات، صرّحتم بأنكم غيّرتم نظرتكم، وأن منع الحجاب عن القاصرات سيكون عنفًا، وإهانة، واحتقارًا. وفي هذا السياق—مع تأكيد لجنتنا أنها لا تتناول الإيمان الشخصي للأفراد بأي شكل، بل تبحث فقط احتمال استغلال الرموز الدينية لأهداف سياسية من قبل بعض الشبكات الإسلاموية—أودّ أن أسألكم بوضوح وموضوعية:
1. كيف تفسّرون هذا التطوّر في مواقفكم من مسألة الحجاب؟
2. هل تميّزون اليوم بين ارتداء الحجاب من قبل امرأة راشدة، أو مراهقة، أو طفلة، بالنظر إلى ظواهر التأثير التي قد تمارسها بعض الشبكات الإسلاموية؟
3. وهل ما زلتم متمسكين تمامًا بقانون 2004 الذي يحمي الفضاء المدرسي بمنع الرموز الدينية الظاهرة في المدارس والإعداديات والثانويات؟
4. وعلى نحو أعمّ: كيف يمكن لمسؤول سياسي -برأيكم- أن يوفّق بين الدفاع عن حرية المعتقد، وبين ضرورة اليقظة إزاء استخدام رمز ديني كأداة للاختراق السياسي؟
رد جان-لوك ميلونشون:
شكرًا، سيدي المقرر، على هذا السؤال الدقيق جدًّا. وسأحرص بدوري على أن تكون إجابتي دقيقة قدر الإمكان. أبدأ بما يخصّني شخصيًا، إذ إنكم أشرتم -وبحق- إلى تطوّر موقفي. نعم، لقد تغيّر موقفي، لكنّه لم يتغيّر بخصوص الإسلام وحده، بل تطوّر فكري عمومًا. أنا آتي من أسرة كاثوليكية، ونشأت نشأة كاثوليكية. كنتُ “خادم مذبح”، وكانت والدتي شديدة التدين. وبفضل ذلك، حُميتُ وأنا طفل من العنصرية التي كانت منتشرة في أوساط الفرنسيين في شمال أفريقيا آنذاك، حيث لم تكن التعابير المستخدمة بحقّ المسلمين رقيقة ولا لطيفة. لقد حماني إيمانُ أمي من ذلك الجو، وأنا ممتنّ لها على ذلك. ثم، بعد انفصال والديّ وما ترتّب عليه من حرمانٍ كنسيّ، قطعتُ علاقتي بالإيمان المسيحي، وأصبحتُ نوعًا من “المتشدّدين في العلمانية” أو كما كانوا يقولون لاحقًا: “لاييكار”. وطوال حياتي، ظلّ الناس يلاحقونني بموضوع الدين. كان يقال: “لا فائدة تُرجى من ميلونشون، فهو لاييكار لا يمكن الحديث معه”. وكنت أتدبّر أمري مع هذه الصورة.
الكاثوليك، لحسن الحظ، لا يتعرضون في فرنسا اليوم للتمييز ولا للمضايقات بالطريقة التي يعاني منها المسلمون. لا أحمّلكم المسؤولية، ولكن الجوّ العام فظيع: استطلاع هنا، ادّعاء هناك… “المسلمون كذا… المسلمون كذا”…جان-لوك ميلونشون،
كنت أذهب لأجلب أعضاء قسمي الاشتراكي من أمام كنيسة القرية في مونتيغو بعد انتهاء القداس، إذ كانوا يذهبون كلّهم إلى الكنيسة… ما عداي أنا. ومع ذلك، كنا نتدبّر أمورنا، ونعيش معًا بسلام. ومع مرور الزمن، تخلّيت عن تلك النزعة المعادية لرجال الدين التي كانت فظّة وسطحية، وأعتذر ممّن قد أكون قد جرحتهم بها في الماضي. لأنك، ما إن تصادف مرة واحدة في حياتك راهبة كنت قد سخرتَ منها، ثم تراها لاحقًا مقتولة بعد تعذيبٍ على يد ميليشيات يمينية متطرفة في أميركا اللاتينية، حينها لا يمكنك بعد ذلك إنسانيًا أن تقول كلمة سوء عن أي رجل دين أو امرأة متديّنة. وكذلك الشأن بالنسبة لبعض الكهنة. ولذلك، حين وقفتُ في الأرجنتين لإلقاء كلمة أثناء تكريمي هناك، وذكرتُ ذكرى اثنين وثلاثين فرنسيًا قُتلوا على يد الديكتاتورية الفاشية، خصصتُ لحظة تكريم للكاهن وللراهبتين اللتين قُتلتا. وقلت لنفسي: لعلّ هذا الاعتراف ينال رضاهنّ من حيث هنّ الآن… لقد ماتوا لأنهم دافعوا عن الحرية، وهذا يُشرّف فرنسا. وما رأيتُ أنه من واجبي القيام به تجاه المسيحية والكاثوليك، أقوم به تجاه المسلمين أيضًا، ولكن في سياق مختلف. لأن الكاثوليك، لحسن الحظ، لا يتعرضون في فرنسا اليوم للتمييز ولا للمضايقات بالطريقة التي يعاني منها المسلمون. لا أحمّلكم المسؤولية، ولكن الجوّ العام فظيع: استطلاع هنا، ادّعاء هناك… “المسلمون كذا… المسلمون كذا”… والكثيرون لا يملكون قدرتكم على التمييز. حتى المدافعة عن الحقوق قالت: “هناك تزايد رهيب في التمييز الديني ضد المسلمين”.
القانون يعترف للوالدين بحقّ نقل قيمهم وممارساتهم الدينية لأطفالهم. فكما لا نقول لمن يأخذ ابنه إلى الكنيسة يوم الأحد: “أنتَ تحرمه من النوم” -لأن هذا لا يقلّ جنونًا- فنحن كذلك لا نستطيع منع الأهل من نقل تقاليدهم لأطفالهم. جان-لوك ميلونشون
نأتي الآن إلى جوهر سؤالكم: الحجاب. آه… هذا يعيد إلى ذهني ما حدث مع السيد دو روجي عندما كان رئيسًا للجمعية الوطنية. ففي بداية تشكيل مجموعتنا البرلمانية، طلبت نساء مجموعتنا أن نمتنع عن ارتداء ربطة العنق. ولأجل طرفة لغوية أعجبتني—بعد “بدون كيلوت” تصبح هناك “بدون كرافات”—وافقتُ على ذلك. فجئنا إلى مكتب الجمعية بلا ربطات عنق. وقال أحد الزملاء—لن أذكر اسمه—إنه “من الضروري ارتداء ربطة عنق… وحتى الجوارب!” لأن بعض النواب لا يرتدون الجوارب! فقلت له: “إن صوّتُم على ذلك سنفعل. لكن أريد أن أرى كيف ستشرحون لنا ما هي الهيئة اللائقة بالنسبة للنساء.” فغضب دو روجي وقال: “ما هذا الكلام؟ كفى!” وهكذا انتهى النقاش، ولم نعد نتحدث لا عن ربطة عنق ولا عن جوارب. والمسألة نفسها تتكرر هنا: دائمًا ما يسقط الجدل على النساء. كنتُ، مثل كثيرين، أظنّ أن الحجاب علامة خضوع. ثم نظرتُ إلى صور عائلتي: جدّتي ترتدي غطاء الرأس أمّي ترتدي غطاء الرأس أختي ترتدي غطاء الرأس… لأن النساء سابقًا جميعًا كنّ يرتدين غطاء الرأس. ومن تخرج “سافرة الشعر” كان يُنظر إليها نظرة استغراب. إذن، غطاء الرأس ليس جديدًا. الجديد فقط أنّ المسلمات يرتدينه الآن. هل يضعه البعض كرمز ديني؟ نعم. مثلما يرتدي بعض الفرنسيين صلبانًا كبيرة واضحة. وقد اضطر البعض لنزعها في هذه القاعة. نعرف هذه الأمور. إذن لن أكذب عليكم: نعم، هناك من ترتديه كرمز ديني. وعلينا -عندئذ- أن نستخدم التمييز.
أن الحجاب ليس فريضة دينية قطعية كالصيام، والصوم من أركان الإسلام الخمسة ومع ذلك تُطرح أفكار لمنعه. أن منع الممارسات الدينية أو مراقبة نوايا الناس (هل يصومون لدين أم لسبب آخر) أمر بالغ التعقيد وغير قابل للتطبيق عمليًا. جان-لوك ميلونشون
ففي فرنسا، الدولة هي العلمانية، لا الشارع. والبالغون يلبسون ما يشاؤون، ما لم تكن هناك إساءة تستند إلى العري، وهذا غير موجود هنا. واللباس الوحيد المحظور هو البرقع. ومنذ المنع، يكاد يكون اختفى. وهذا يثبت أن الناس، بوجه عام، يحترمون القانون. نذهب أبعد من ذلك: في الشارع، لكلّ شخص أن يرتدي ما يشاء: – كيباه، – قبعة فرو، – حجابًا… الشارع ليس علمانيًا. لكن في الخدمة العامة، الأمر يختلف: الدولة علمانية، ولذلك لا حجاب ولا قبعات دينية ولا أي رموز دينية أثناء تأدية الخدمة. بعد ذلك، يجب التصرف بحكمة حتى لا نؤجّج المشاكل. وها نحن مرّة أخرى أمام مسألة تسقط على النساء. سيدي المقرر، ماذا تريدون أن نفعل حين ترتدي امرأة منديلًا على رأسها؟ هل سنركض وراءها في الشارع ونقول: “أزيلي هذا، أنتِ إسلامية”! ستجيبكم: “أبدًا، إنها تمطر، وضعتُه لتحمي رأسي.” ولن تستطيعوا إثبات العكس. الوضع غير قابل للتطبيق عمليًا. ثم هناك موضوع الأطفال. وهو معقد، لأن القانون يعترف للوالدين بحقّ نقل قيمهم وممارساتهم الدينية لأطفالهم. فكما لا نقول لمن يأخذ ابنه إلى الكنيسة يوم الأحد: “أنتَ تحرمه من النوم”—لأن هذا لا يقلّ جنونًا—فنحن كذلك لا نستطيع منع الأهل من نقل تقاليدهم لأطفالهم.
انتم رجال سياسة مثلي. فإن أردتم أن تدخلوا في خصومة مع الله، فستخسرون سلفًا. فلم ينجح أحد في التاريخ في انتزاع الإيمان لا بالقوة ولا بالإقناع. فالإيمان ليس قرارًا عقلانيًا، بل درجة أخرى من العلاقة بالوجود. جان-لوك ميلونشون
أما عن الحجاب، فقد تساءلتُ أنا نفسي: هل هو واجب في الإسلام؟ الجواب: لا، ليس فريضة مثل الصوم. والدليل؟ أن بعض النواب يقترحون منع الصوم في رمضان! لكن الصوم واجب من واجبات الإسلام الخمسة. فهل تنوون منع الناس من الصوم؟ وكيف ستفعلون ذلك؟ أما أنا شخصيًا، فأمارس الصيام المتقطّع. وليس له علاقة برمضان. إنه “رمضان طوال السنة”. فماذا ستطلبون مني إذن؟ هل ستراقبون ما إذا كنت أصوم لأسباب دينية أم لا؟ ترون يا سيدي المقرر أين أصلُ بكم: المسألة معقدة حدّ الاستحالة. والقصة تتكرر دائمًا: النساء… ما يلبسنه… ما لا ينبغي أن يفعلنه… سألتُ صديقة لي مسلمة متدينة، تؤدي صلواتها الخمس، وهذا جهد بالغ، إذ يجب أن تستيقظ عند الخامسة صباحًا للصلاة الأولى. قلت لها: “أنتِ نسوية، وتربين ابنتك على قيم المساواة… فلماذا إذن لا تضعين الحجاب؟” فأجابتني: “أنا لا أضع الحجاب، فهو ليس فريضة. أمّا الصلوات الخمس فهي من الواجبات الخمس مثل رمضان، والحجّ، والزكاة. وهذا ما أفعله. لكنني في ذلك لا أخضع لرجل… لا يوجد رجل في حياتي أصلاً. أنا أخضع لله.”
وأنتم مثلنا، رجال سياسة. فإن أردتم أن تدخلوا في خصومة مع الله، فستخسرون سلفًا. فلم ينجح أحد في التاريخ في انتزاع الإيمان لا بالقوة ولا بالإقناع. فالإيمان -كما تعلمون أنتم مثلي-ليس قرارًا عقلانيًا، بل درجة أخرى من العلاقة بالوجود. فماذا يمكنكم أن تفعلوا حياله؟ أما أنا، فلا جواب لدي. أتذكّر عندما كنت أطرق الأبواب لأعرض “البرنامج المشترك”. وكان بعض الناس يقولون لي: “كلّ ما تقولونه جميل… لكنكم متحالفون مع الشيوعيين، وهم لا يؤمنون بالله. ونحن لا نصوّت لمن لا يؤمن بالله.” فماذا تريدون أن أقول لهم؟ لا شيء. نكتفي بالمرور إلى الباب التالي.
المتابعة في الجزء الثاني




