د. الشنقيطي: سيرةُ فكرٍ على تخوم الصحراء والعالم: الذاكرة، المحظرة، ومعنى الكلمة

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
——-
مقدمة الجزء الاخير
بإمعانٍ يشبه الإصغاء إلى سيرةٍ تُروى على مهل، استمعتُ إلى هذا الحوار الآسر الذي امتدّ قرابة أربع ساعات بلا توقف، ضمن بودكاست «حكايات إفريقية» على قناة «أثير» التابعة للجزيرة، وأداره بحسٍّ مهنيٍّ رفيع الصحفيّ المقتدر أحمد فال ولد الدين. لم يكن حديثًا عابرًا، بل رحلةٌ تُفتح فيها الأبواب بابًا بابًا؛ كأنّك تسير في ممرّات الذاكرة، فتلمح الصحراء أولًا، ثم تتسع الدائرة حتى تلامس العواصم والجامعات والخرائط الكبرى.
ضيف الحلقة باحثٌ ومفكّرٌ عربيٌّ شديد الثراء، لَيِّنُ الجانب، لطيفُ المعشر كما وصفه محاوره ذ احمد الفال، يحمل في نبرته حنينًا قديمًا، وفي فكره صرامةً لا تُجامِل حين يتعلّق الأمر بالأسئلة الكبرى. تبدأ حكايته من طفولةٍ قاسية على أطراف الرمل، ومن “تعليمٍ” لا يشبه التعليم المدرسيّ المألوف؛ محظرةٌ تُعلّم الإتقان وتُربي الحرية، وتغرس في صاحبها قدرةً على الصبر والتعلّم الذاتي، وكأنها تُخرِّج عقلًا يصعب كسره.
وفي منعطفاتٍ طريفةٍ وأخرى موجعة، نرافق محاولات هروبٍ “محترفة” كما يسميها الضيف، لا هروبَ تمرّدٍ على العلم، بل هروبَ نفسٍ تبحث عن فسحةٍ لتلتقط أنفاسها… ثم تعود إلى المعرفة باختيارها، أشدّ شغفًا وأعمق رغبة. ومن هناك يتشكّل المسار: قراءات مبكرة تُنبت الأدب والشعر، وتجارب تصوغ الحسّ النقدي، وصدمات ثقافية تجرّب القلب والعقل معًا.
هذا الحوار يرسم ملامح عقلٍ يتدرّج من عالم المتون إلى عالم الجامعات، ومن ساحل إفريقيا إلى أمريكا، دون أن ينقطع عن جذره الأول أو يفقد لغته الداخلية. وبين الإتقان وضيق الأفق، وبين الذاكرة والتاريخ، يضع الضيف أمته الاسلامية أمام سؤالٍ محوريّ يتكرر بصيغٍ شتى: كيف نقرأ تاريخ الحضارة الإسلامية وأزماتها الممتدة؟ وكيف نفهم العلاقة بين الدين والسياسة دون تزويقٍ ولا قسوة، بل بميزانٍ يوقّر المبادئ ويُحسن النظر في الوقائع؟. وكذلك يقف عند محطاتٍ أشدّ حساسيّة، واجه فيها السلطة وجهًا لوجه، وتعرّض لمغريات واختباراتٍ قاسيةٍ لا تُبقي من الإنسان إلا جوهره؛ فخرج منها أكثر رسوخًا في قناعةٍ بسيطةٍ وعميقة: أن الكلمة -مهما ضاق هامشها- هي آخر ما يُفرّط فيه المرء، وأن اللسان حين يُستَأجَر تُستَأجَر معه الروح. ولأنني وجدت في هذا الحوار متعة ومعرفة وإلهامًا، أحببت أن أقدّمه لروّاد موقعي الكرام، في حلقات علّهم يجدون فيه ما وجدت: رحلة عقلٍ وقلبٍ معًا، ونافذة تطلّ على عالم مفكر استثنائي لا يزال يحفر أثره في الذاكرة العربية بهدوء وثبات.

النص الثالث للحوار
الصحفي أحمد فال: ما هي ذكرياتك الاخرى في جامعة الإيمان باليمن؟
د. محمد المختار الشنقيطي: من ذكريات جامعة الإيمان أيضا أني التقيت بطلابها لاحقًا في أرجاء العالم؛ فأدركت أن العلم والثقافة بذور، متى زرعتها بصدق، حملتها الرياح إلى آفاق لا تخطر لك على بال. مرة كنت أقود سيارتي في كاليفورنيا على الساحل -أظنّه ساحل المحيط الهادي- فوقفت عند إشارة حمراء، فإذا بسيارة تقف إلى جواري، وفيها رجل ملامحه سمراء إفريقية يلوّح لي بيده. ظننته يريد أن ينبّهني إلى مشكلة في السيارة أو في العجلة، فبعد الإشارة تحركتُ ووقفت جانبًا، فجاءني مسرعًا: “كيفك يا أستاذ محمد؟” فإذ هو واحد من طلابي في جامعة الإيمان، ومن ساحل العاج! جلسنا نُحدّث بعضنا عن ذكرياتنا الجميلة في اليمن، ونحن على شاطئ المحيط الهادي، في أقصى الغرب. ومرة في طائرة بين تكساس وميشيغن، جلس إلى جواري رجل، ثم سلّم عليّ، ولم أعرفه. قال لي: “أنا فلان، وفلان أيضًا من طلابك الصوماليين في جامعة الإيمان”. وفي مونتريال –أثناء زيارة من أوتاوا- دعاني مركز إسلامي لإلقاء محاضرة، فلما وصلتُ إذا بإمام المسجد يمنيًّا، قال لي: “أنا من طلابك في جامعة الإيمان في اليمن”. وفي ماليزيا التقيت شابًّا ماليزيًّا ترجم كتابي «الخلافات السياسية بين الصحابة» إلى اللغة الماليزية، فسألته: “أين تعلمت العربية؟” قال: “تعلمتها في جامعة الإيمان”. لم أكن أستاذه مباشرة، لكنه من طلاب الجامعة. وحتى من ألبانيا، اتصل بي أحدهم، وقال: “أنا فلان، كنت من طلابك في تدريس الألفية في جامعة الإيمان، وأريد أن آخذ إذنك في ترجمة مقالك عن علي عزت بيغوفيتش إلى اللغة الألمانية”. كل هذه اللقاءات جعلتني أوقن أن ما نزرعه من العلم والمعرفة لا يضيع؛ بل تحمله الأقدار إلى حيث يشاء الله، فيثمر هناك وهناك، في أزمنة وأمكنة لا نتوقعها.
الصحفي أحمد فال: جميل… إذًا فعلاً تَعُجّ الإجابة بأن هذه البذور التي بُذرت بين جبال صنعاء قد انتشرت في أرجاء الأرض.
كم سنة مكثتَ في صنعاء؟
د. محمد المختار الشنقيطي: مكثتُ فيها سنتين، ثم عبرتُ المحيط متوجّهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بلاد العَمس، في هجرة جديدة.
الصحفي أحمد فال: أريد أن أفهم: لماذا ذهبت أوّلًا إلى أمريكا؟
د. محمد المختار الشنقيطي: ذهبتُ لأنّي حصلت على منحة للدراسات العليا في أمريكا.
الصحفي أحمد فال: من أين جاءت هذه المنحة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: حصلتُ عليها من الندوة العالمية للشباب الإسلامي في جدة، وكان للشيخين الفاضلين دور كبير في ذلك: شيخنا أحمد الحسن الدَّو -حفظه الله- والشيخ مانع الجهني -رحمه الله- عضو مجلس الشورى السعودي آنذاك، والأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي. من خلالهما دُبِّرت لي المنحة للدراسات العليا؛ فقد كنتُ دائمًا أطمع في مواصلة الدراسة العليا، فاستخرجوا لي من الندوة منحة لأذهب وأدرس هناك.
الصحفي أحمد فال: ذهبتَ من اليمن مباشرة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لا، بل ذهبت أولًا إلى موريتانيا، واستخرجتُ التأشيرة من هناك، ثم سافرت من داكار إلى نيويورك، وكانت ليلة لا تُنسى.
الصحفي أحمد فال: لماذا كانت ليلة لا تُنسى؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لأنها كانت ليلة مفزعة مرعبة. سافرتُ على الخطوط الإفريقية، في رحلة متأخرة ليلًا؛ أظنّها «إير أفريك». وكانت الرحلة مباشرة من داكار إلى نيويورك، في عرض المحيط، مدّة ست ساعات تقريبًا، وكان ذلك في يناير 1999؛ وصلتُ نيويورك في 25 يناير 1999. لكن بعد ساعة أو ساعتين من الإقلاع بدأت الطائرة تهتزّ اهتزازًا شديدًا، في مطبات هوائية لم أرَ مثلها في حياتي، واستمرّ ذلك نحو ساعتين تقريبًا؛ كان الأمر مفزعًا. عمّ الخوف بين الركّاب، وخِفتُ كما خاف غيري، لكن شيئًا آخر لفت نظري وزاد من رُعبي: كانت هناك امرأة أمريكية من أصول إفريقية، من شدّة الذعر عجزت عن الجلوس على مقعدها؛ كانت واقفة في الممرّ وتدعو بالإنجليزية: Jesus, please, please this plane… تتوسّل: “يا يسوع، رجاءً، اجعل الطائرة تستقر…” بمعنى كلامها. فكنت أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ أموت في البحر -أو فوق البحر- وأموت مع هذه السيدة على هذا الكلام! فأخذتُ على نفسي عهدًا: كلّما قالت هي هذه العبارة، قرأتُ بعدها مباشرةً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. قلت: إذا كنتُ سأموت مع هذه السيدة، فلن أموت على العقيدة نفسها؛ هي تقول: Jesus please… وأنا أقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ظلّت هي تكرّر دعاءها، وكنت ألزم قراءة السورة بعدها؛
تأتيها المضيفات يحاولن تهدئتها وإجلاسَها، وهي لا تكاد تسيطر على أعصابها، حتى هدأت الطائرة أخيرًا بعد معاناة مذهلة، ثم وصلنا مطار جون كينيدي صباحًا.

الصحفي أحمد فال: إذن عبرتَ المحيط، وجئتَ إلى الولايات المتحدة، واستقرّت بك الرحال هناك قرابة عقد من الزمن. أنا جئت بعدك بثلاثة أشهر، في أبريل 1999، وسنأتي إلى تلك المرحلة… لكن ما لفت انتباهي أنّك عندما هبطت في واشنطن دي سي وضواحي فرجينيا لم تكتب قصيدة شوق إلى جريف وسهولها، ولا إلى العيون وهضابها، بل كتبت قصيدة تشتاق فيها إلى صنعاء! لماذا بعتَنا لليمنيين بهذه الطريقة؟ أريد أن أفهم.
د. محمد المختار الشنقيطي: أولًا: أنتم وأهل اليمن شيء واحد في نظري، وهذا لا بد أن أرجع إليه وأوضّحه. كنتُ أقرأ من قبل عن أن القبائل الموريتانية تعود -في بعض الأقوال- إلى أصول حِمْيَرية ويمنية وسبئية، وأنّ المؤرخين يختلفون في أصل صنهاجة: هل هم من حِمْيَر أم لا؟ وما إلى ذلك من كلام ابن خلدون وغيره. لكن حين جئت إلى اليمن قلت: “لا أحتاج إلى أدلّة تاريخية؛ أنا أرى الأمر بعيني.” من الناحية الأنثروبولوجية البحتة: الملامح، والعادات، والتقاليد، وحتى ألعاب الأطفال، كلّها بدت لي استمرارًا للثقافة الموريتانية البدوية كما هي. ثم وجدتُ نصًّا لابن بطوطة، حين كان في ظفار في عُمان في رحلته؛ يقول إنه وجد هناك أمورًا لا وجود لها إلا في المغرب: عادات في البيوت، وأسماء فتيات، وأشياء من هذا النوع، قال: “وهذا يقوّي قول من يقول إن أصل صنهاجة من حِمْيَر.” فابن بطوطة، قبل ثمانية قرون، اكتشف هذه الرابطة من خلال العادات اليومية. أنا أيضًا رأيتُ في تفاصيل الإنسان اليمني -في حياته اليومية- تشابهًا عجيبًا مع الإنسان الموريتاني: في الملامح، وفي اللهجة، وفي العادات. ومن الطرائف: ما كنت أركب سيارة أجرة في صنعاء إلا ويقول السائق: “الأخ من حضرموت!” فإذا أنفيتُ ذلك، قال: “إذًا من المهرة!” لا يكتفي بأن أكون يمنيًّا؛ بل يحدّدني حضرميًّا أو مَهريًّا! وإذا ربطتَ ذلك بملاحظة ابن بطوطة، ترى أن هناك شيئًا ما في تلك المنطقة -حضرموت والمهرة على حدود عُمان- يجمع بين العُمانيين واليمنيين والمغاربة من حيث الجذور. حتى إنّ أحد الشيوخ السائقين أصرّ عليّ يومًا؛ قلت له: “يا أخي، لستُ يمنيًّا؛ أنا من بلد آخر.” قال: “لا يا أخي، يمني خالص؛ لكن شكلك عشتَ في الخارج فاختلط لسانك.” فأردتُ أن أنهي الجدال، فقلت له: “حسنًا؛ كلامك صحيح: أنا أصلي يمني، لكن عشتُ في الخارج فترة طويلة.” قال: “كم عشت في الخارج؟” قلت له مازحًا: “حوالي سبعمئة سنة!”
الصحفي أحمد فال: حسنًا، لكن لماذا في واشنطن ٠بدل أن تشتاق لجذورك في جريف والعيون- كتبت تشتاق إلى صنعاء؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لأنني شعرت هناك أنني أعود إلى الجذور. والصلة بصنعاء ظلّت حاضرة في وجداني؛ تجربة صنعاء تركت في نفسي أثرًا خاصًّا. وفي واشنطن شعرتُ بـ غُربة ثقافية عميقة، بخلاف اليمن؛ فقد جئت اليمن خالي الوفاض من الناحية المادية -كما وصف الحريري: «خاوي الوفاض بادي الأنفاض»- لكن من الناحية الإنسانية والوجدانية كان هناك اندماج كامل. أمّا في أمريكا، فبقيتُ كأنني طالب غريب؛ فكتبتُ قصيدة «رياك صنعاء»، وأرسلتُها للأحبة في جامعة الإيمان مع ترجمة إنجليزية لها. منها هذه الأبيات:

أحببتُ صنعاء ملءَ القلب، قد فاضتْ
روحي بنبعٍ من الأشواق مندفقِ
أحببتُ فيها ضياء الفجرِ حين رأى
نُورَ الصباح ينسابُ بين ذُرى النُّسُقِ
أحببتُ فيها رُدادَ الغيثِ حين سرى
لآلئًا علِّقتْ بالصدرِ والعُنُقِ
أحببتُ فيها جبالًا في السماءِ علتْ
تروي شموخَ اليمانيينَ للأفُقِ
الصحفي أحمد فال: هذا البيت يهزّ أهل اليمن:
أحببتُ فيها جبالًا في السماءِ علتْ
تروي شموخَ اليمانيينَ للأفُقِ
د. محمد المختار الشنقيطي:
إنِ اتجهتُ أراها في مخيلتِي
طيفًا يُلازمُ في حِلِّي ومُنطلَقي
إنِ اتجهتُ يظلُّ القلبُ في حَزَنٍ
من حبِّها، وتظلُّ الروحُ في قَلَقِ
ريّاكِ يا صنعاءُ، لا ريًّا يُشاكِلُهُ
محمَّلًا بتاريخِكِ العبقِ
سَكَبتُ روحي على خدّي حين غدا
للغربِ متَّجهًا، والقلبُ في كَبَقِ

فهذه القصيدة كانت صوت الحنين إلى صنعاء، أكثر من حنين الجغرافيا؛ كانت حنينًا إلى تلك التجربة الوجدانية العميقة التي عشتها هناك.
الصحفي أحمد فال: يا سلام، يا سلام… نعم، هذه من أجمل قصائد صنعاء فعلًا، ويبدو أن العاطفة فيها صادقة جدًّا. ستعترف الآن بأن العاطفة في شعرك كلِّه صادقة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: خلاص، هذا أوّل اعتراف رسمي! نعم، العاطفة في شعري صادقة.
الصحفي أحمد فال: إذن أقمتَ في الولايات المتحدة، وبدأت دراستك هناك، ثم تنقّلت بين عدّة ولايات إلى أن استقرّ بك المقام في ولاية تكساس، في مدينة لَبَك، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، صحيح.
الصحفي أحمد فال: وبعد وصولك إلى أمريكا بسنتين فقط وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي أعتبر أنها قدّمتك تقريبًا إلى العالم العربي ثقافيًّا؛ لأنك بدأت بعدها تنشر بكثافة على موقع الجزيرة نت.
د. محمد المختار الشنقيطي: صحيح، موقع الجزيرة نت هو المنبر الذي ظهرتُ من خلاله.
الصحفي أحمد فال: أذكر أنّك بعد يومين أو ثلاثة فقط من 11 سبتمبر نشرت مقالًا عن الأحداث.
د. محمد المختار الشنقيطي: صحيح.
الصحفي أحمد فال: ومن هناك بدأ العالم العربي يتعرّف على قلم «الشنقيطي» القادم من الولايات المتحدة، يعيش نبض العالم الإسلامي والعربي، وعلاقته بالغرب. وأحبّ أن أسمع منك الآن عن ظلال 11 سبتمبر التي عشتها هناك، وعن همّك الثقافي والإسلامي في تلك المرحلة الأولى.
د. محمد المختار الشنقيطي: قبل أن نصل إلى تكساس وإلى أحداث 11 سبتمبر، السنتان اللتان سبقتا ذلك -أي سنتا 1999 و2000- قضيتُهما متنقلًا بين أكثر من ولاية. أوّلًا: نزلتُ في واشنطن العاصمة لتقوية لغتي الإنجليزية؛ صحيح أنني خريج قسم الترجمة، لكنني لم أدرس الإنجليزية إلا سنتين فقط، فكانت لغتي الإنجليزية لا تزال ضعيفة. وبالمناسبة: تاريخ ميلادي المكتوب في أوراقي الرسمية بدأ من مطار جون كينيدي!
الصحفي أحمد فال: كيف ذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لأنّهم رفضوا إدخالي إلى الولايات المتحدة دون تاريخ ميلاد كامل؛ وجواز سفري لم يكن فيه سوى سنة الميلاد دون اليوم والشهر، كما هو شائع قديمًا في موريتانيا. فقالوا لي: “لن ندخلك حتى تذكر لنا تاريخ ميلادك بالتفصيل.” بدأوا يشكّون: كيف يأتي رجل لا يعرف يوم ميلاده؟ ففكّرتُ: لا أريد أن أكذب، وفي الوقت نفسه لا أملك تاريخًا مضبوطًا؛ فقلت: أعطيهم تاريخًا هجريًّا وسنة ميلادية. تذكّرتُ 12 ربيع الأول -يوم المولد النبوي- فقلت لهم: 12. لكن ربيع الأول والثاني التبسا عليّ، فوضعوا الشهر الرابع بدل الثالث؛ ولم يكن هناك جوجل لأتأكد! فأصبح تاريخ ميلادي الرسمي:
12 / 4 / 1966، وابتدأ رسميًّا في يناير 1999 بمطار جون كينيدي! كأنّه ميلادي الثاني هناك.
عشتُ في واشنطن وفيرجينيا قرابة سنة، ودرستُ اللغة الإنجليزية كما كنت أدرس في المحظرة؛ كنتُ متسابقًا مع الزمن، فلا بدّ من اجتياز اختبار الـ TOEFL قبل بدء الدراسة الجامعية، وكان أمامي ثلاثة أشهر فقط. فقررت أن أدرس اثنتي عشرة ساعة في اليوم: ست ساعات في المعهد، وست ساعات في البيت. أخذتُ على نفسي عهدًا أن أدرس كل يوم، وأن لا تبدأ الدراسة الجامعية إلا وأنا قد اجتزت الاختبار، والحمد لله وفّقت في ذلك.
بعدها أقمتُ بضعة أشهر في بنسلفانيا بمدينة فيلانوفا، ثم أشهرًا في كاليفورنيا بمدينة مودِستو، ثم انتقلتُ واستقرّ بي الحال في لَبَك – تكساس، حيث أصبحتُ مديرًا للمركز الإسلامي هناك. في لَبَك استقبلني رجل فاضل من أهل اليمن، هو الدكتور زهير شهاب -من عدن- وهو من نوادر الأذكياء والنبلاء الذين عرفتهم. حين أخبرني أنه من عدن قلت له بيت الشاعر:

إن يُغْنِيا عنّي المُستوطَنُ العَدَنا…فإنّني لستُ يومًا عنهما بغَني
فطرب للبيت، ثم اكتشفتُ أنه أديبٌ مع أنه جرّاح عيون مبرَّز؛ وخاله الشاعر الكبير عبد الله عبد الوهاب غانم، صاحب كتاب «الشعر الغنائي الصنعاني»، فتأثر به، وصار مولعًا بالشعر والأدب، فنسجت بيننا علاقة وطيدة. وتعرّفتُ كذلك على خيرة الجالية هناك، منهم صديقنا الدكتور شريف عمّور من الجزائر، الذي صار لاحقًا عميدًا في إحدى كليات «فرجينيا كومنولث» في «قطر فاونديشن»، وكان قبل ذلك رئيس قسم العمارة في جامعة «تكساس تك».
الصحفي أحمد فال: أوّل كتاب ينشر لك كان في لَبَك، اليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في تلك المرحلة في لَبَك، ألفتُ كتابًا يبدو -في سياق حياتي- كأنّه جاء من خارج المسار المعتاد، وهو أوّل كتاب نشر لي: «الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي».
الصحفي أحمد فال: لماذا ألّفته؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أظنّه نتاج بقايا تجربة تنظيميّة سابقة في الحركة الإسلامية في موريتانيا، خلال نشاطي الطلابي في جامعة نواكشوط. كنت مهتمًّا بالتنظيمات: نجاحها وفشلها.

وفي إطار قراءاتي، اطّلعـت على كتاب الدكتور حسن الترابي عن «الحركة الإسلامية في السودان»، وعلى كتب الدكتور حسن مكي وغيره، فلفتت نظري التجربة السودانية؛ فهي تجربة فريدة ومغايرة للتجارب الإخوانية التقليدية التي عرفناها. فقلت: لِمَ لا أقدّم خلاصة لهذه التجربة؛ لعلّ الحركة الإسلامية تستفيد منها؟
بدأتُ كتابة الكتاب في كاليفورنيا، وأكملتُه عندما وصلت إلى لَبَك، ونشرته دار الحكمة في لندن عام 2002. وظلّ شغفي بفكر الدكتور الترابي وتجربته – بما فيها من مغامرة وصواب وخطأ – قائمًا إلى اليوم، مع أنني لم ألتقِ به إلا في آخر حياته.
على سبيل الاستطراد: زرتُ السودان لأوّل مرة بعد وفاة الدكتور الترابي؛ زرتُه عام 2017، مع أنّي كتبت كتابي عنه قبل أن أرى السودان أصلًا. كما كتبتُ كتيّبًا بعنوان: «آراء الترابي… من غير تكفير ولا تشهير». وحين لقيتُ الدكتور الترابي هنا في الدوحة -وكان في زيارة- قلت له: “أنا الشنقيطي الذي كتب كتيب آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير.” فرحّب بي قائلًا: “أهلًا وسهلًا… لكن هذا العنوان ناقص.” قلت: كيف؟ قال: “ينبغي أن يكون العنوان: آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير، وذلك أمر عسير!” فقلت له: “إن شاء الله في الطبعات القادمة!” بعد وفاته زرت السودان، وفي السنة الأولى لرحيله أقيم لقاء عزاء كبير، ودُعيت لإلقاء محاضرة. وكان الإسلاميون لا يزالون يحكمون السودان برئاسة البشير. بعد المحاضرة سألوني: “ما رأيك في تجربة الحركة الإسلامية في السودان؟” وكنت محرجًا؛ فأنا ضيف عندهم ولا أريد أن أُجامِل أو أُجافي، فتهرّبت بجواب أصبح بعدها جوابي المعتمد: “الحركة الإسلامية في السودان متقدمة على جميع الحركات الإسلامية في صوابها… وفي خطئها.” وما زلت أرى هذا التوصيف دقيقًا إلى اليوم؛ فهي تجربة بديعة، والترابي من نوادر الأذكياء والأبطال والأجواد، وشخصية متميزة بحق.
الصحفي أحمد فال: نعود إلى سياق الرحلة في أمريكا، في لَبَك بدأت تظهر عبر منصة الجزيرة نت بمقالات متفاعلة مع واقع العالم الإسلامي والعربي. ثم ذهبتُ في إجازة إلى موريتانيا بداية 2002 -بعد أحداث 11 سبتمبر- وهناك خُضْتُ تجربة أخرى؛ هي تجربة الاعتقال. حدّثنا قبل الاعتقال، عن يوم 11 سبتمبر نفسه. كيف عشته؟
د. محمد المختار الشنقيطي: كان يومًا لا يُنسى في العالم كله، وقد عشته لحظة بلحظة، وإن لم أكن في نيويورك أو واشنطن. في الصباح كنتُ عند صديق سوداني، نشرب قهوة الصباح. فتحنا التلفزيون، فورد خبر أن طائرة اصطدمت بأحد برجي مركز التجارة العالمي؛ قُدِّم الخبر أولًا كأنه حادث عرضي عادي. ونحن نتابع ذلك، إذا بالطائرة الثانية تأتي أمام أعيننا مباشرة، في بث مباشر، وتصطدم بالبرج الآخر! هنا أدركنا أن الأمر أبعد من حادث، ثم توالت الأخبار. ذهبتُ إلى الجامعة فوجدتها في حالة عويل وذهول؛ الناس كلهم على الشاشات، يتابعون ما يجري. كانت أحداثًا هزّت العالم، ولا شك أنها أثّرت في حياة الجميع؛ أمريكا قبل 11 سبتمبر ليست أمريكا بعده. من عاش هناك -وأنت منهم- يدرك هذا التحوّل؛ مزاج الناس، نظرتهم للعالم، تعاملهم مع المهاجرين -خصوصًا المسلمين- تغيّر كلّه في تلك السنوات.
اعود الى رجوعي الى موريتانيا و الاعتقال فيها. في عام 2002 زرت موريتانيا، واعتقلوني لأسبوع، وقد “ورّطني” في ذلك صديقنا العزيز فيصل القاسم! كنت في تكساس، وكانت هناك حلقة من برنامج «الاتجاه المعاكس» عن التطبيع في موريتانيا؛ فاتصل بي فيصل وطلب مني مداخلة، فهاجمتُ الرئيس الموريتاني آنذاك معاوية ولد الطايع بسبب تطبيعه مع إسرائيل، ووصفت دبلوماسيته بأنها «دبلوماسية تسوّل». عندما جئت موريتانيا تركوني حتى وصلت إلى قريتنا -تبعد أكثر من 1100 كيلومتر عن العاصمة- ثم جاءت الشرطة وأخذوني من جريف في رحلة طويلة إلى نواكشوط. وأظن أن العقوبة الأساسية عندهم كانت مشقة الطريق نفسها! أُدخلت إلى إدارة أمن الدولة، وهنا استفدت من درسٍ أدبيٍّ قديم: أن أتعامل مع هذه الأمور ببرودة أعصاب تامة. درس من الأدب الإنجليزي. كنت قد قرأت رواية لكاتب إنجليزي هو سومرست موم عنوانها «كنتُ جاسوسًا» (I Was a Spy)؛ هو طبيب وأديب، عمل في الاستخبارات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، والرواية تحكي تجربته. يذكر أن الضابط الذي استكتبه للمخابرات قال له:

“نريدك أن تعمل معنا في مهمة؛ إن أحسنتَ لن نشكرك، وإن تورّطتَ لن ننقذك. فهل هذا يُرضيك؟” قال: “نعم.” فقال له: “إذن حظًّا سعيدًا.” الأهمّ عندي من القصة أنّه حكى عن عميلة سوفييتية التقاها في أحد الفنادق، وكان يلتقيها على القهوة؛
يقول: “فهمتُ من اللحظة الأولى أنها عميلة لـ(الكي جي بي)، فاعتبرتها زميلة في المهنة، مع اختلاف المعسكرين.” هذه برودة أعصاب مذهلة؛ يتعامل مع التجسس كأنه مجرّد مهنة. تعلمتُ من هذا النص أن مثل هذه المواقف لا بُدّ أن تُدار بهدوء كامل؛
فحين أخذوني إلى العاصمة كنتُ أترنّم بأشعار محمد إقبال في السيارة، كأنني ذاهب إلى نزهة، لا إلى التحقيق! في أروقة الأمن
جاء التحقيق مع مدير أمن الدولة حينها، فقره ولد ددّاه ولد عبد الله. قرّرت أن أتعامل معه بأسلوبين: البرود التام، وشيء من «التحامق»؛ أي أن أُظهر له أني بسيط، لا أفهم كثيرًا. كان يسألني عن الجماعات الجهادية، وكانت تلك هي الحساسية الكبرى بعد أحداث 11 سبتمبر: القاعدة وما بعدها. سألني: “هل تعرف أحدًا من القاعدة؟” قلت: “نعم، طبعًا أعرف.” استبشر كأنه وقع على كنز، وقال: “من تعرف؟” قلت: “أعرف محفوظ ولد الوالد.” وهو أبو حفص الموريتاني، مفتي القاعدة حينها، وكان اسمه متداولًا بقوة بعد خروجه من تورا بورا إلى إيران. قال لي: “أين عرفته؟” قلت: “درستُ معه في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.” قال: “وماذا تعرف عنه؟” قلت: “الذي أعرفه عنه أنه شاعر عظيم؛ دخلت معه مرة في مسابقة شعرية بالمركز الثقافي المغربي مع عدد من الشعراء، فكان هو رقم واحد، ولم نَرَ نحن شيئًا؛ رمانا وراءه.”
الصحفي أحمد فال: هذا كل ما قلته له؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لم أضف شيئًا يتعلّق بنشاطه الجهادي؛ لأني أردت أن أحصر معرفتي به في الجانب الأدبي فقط. ثم سألني عن رأيي في تلك الجماعات، فرجعت بذاكرتي إلى اليمن، وإلى شعر عبد الله البردوني حين انتقد ثوّار اليمن عام 1948 -«أحرار اليمن»- فقال فيهم: والأباةُ الذين بالأمسِ ثاروا…. أيقظوا حولَنا الذئابَ وناموا. فقلت للمدير: “أنا أرى أن هذه الجماعات ينطبق عليها قول البردوني؛
لقد أيقظوا حولنا الذئاب وناموا؛ ورّطوا العالمَ الإسلامي في معارك طاحنة لا قِبَل له بها، ولا هي في مصلحة أحد.” وأكملتُ له الأبيات:
والأباةُ الذين بالأمسِ ثاروا
أيقظوا حولنا الذئابَ وناموا
حين قلنا: قاموا بثورةِ شعبٍ
قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا
ربما أحسنوا البداياتِ لكن
هل يُحسّونَ كيف ساءَ الختامُ؟
فقال لي: “والله صدقت؛ هذا صحيح.”. كان يُجري التحقيق معي بالعربية، ثم يُملي على كاتبه ما يقوله بالفرنسية؛ وأنا مستمر في برودتي، أحاول أن أجعل من التحقيق جلسة نقاش أدبي أكثر منها محاكمة! هنا اكتشفتُ أن السيد المدير، مديرَ أمن الدولة، لا يصلح أن يكون مترجمًا! أنا تخصّصي ترجمة، وحين استشهدتُ ببيت البردوني: “والأُباةُ الذين بالأمسِ ثاروا…” فهم هو كلمة الأُباة على أنها جمع أب، لا «أَبِيّ». فالتفت إلى كاتبه وقال له بالفرنسية شيئًا من قبيل: les pères أو les grands… فقلت في نفسي: مسكين المدير، تركوا له الأمن وأعطَوه فوقه مهنة الترجمة أيضًا!
الصحفي أحمد فال: بعد أسبوع استدعاك مرة أخرى، ماذا دار بينكما؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، بعد أسبوع استدعاني مجددًا، وقررت أن أتعامل معه ببرودة أعصاب تامة، كما فعل «سومرست موم» مع زميلته من الـ«كي جي بي»! قال لي: “هل ستكفُّ لسانك عنَّا فنطلق سراحك، أم لن تكفَّه فنحكم عليك بالسجن المؤبَّد؟ سنحبسُك حبْسَ عُمر.” قلت له: «انظر يا سيدي المدير؛ أنا في حياتي لم أستعمل سلاحًا، ولا أحسن استعماله، ولستُ عضوًا في حزب سياسي، ولم أشارك في مظاهرات قطّ. كلّ ما أملك هو هذا اللسان. فإن تنازلتُ لكم عنه لم يبقَ لي شيء. لا أستطيع، لأن رأسمالي الوحيد هو الكلمة. وحتى حين أكون قريبًا منكم لا أتكلَّم عنكم؛ إنما أقول ما أريد حين أبتعد عنكم؛ فأنتم أصلًا لا تتركون لأحد مجالًا ليتكلم وهو قريب منكم.»
فغضب وقال: “ما هذا الكلام؟ إمّا أن تلتزم بالصمت، وإمّا ألا تخرج من هنا أبدًا!” قلت له: «دعني أكون صريحًا معك: عندنا في قريتنا الجريف حكاية عن رجل في زمن الاستعمار الفرنسي اسمه حفظ الرحمن؛ كان متصوّفًا مجذوبًا، أحيانًا لا يسيطر تمامًا على قواه العقلية. مرَّ يومًا على مجموعة من النساء، فأخذ عمودًا وضرب إحداهنّ فقتلها. فجاؤوا به إلى الحاكم الفرنسي في مدينة النعمة. سأله المترجم: “لماذا قتلتَ المرأة؟” فقال حفظ الرحمن: “وما شأني أنا وهي؟ هو نصراني، وهي من قبيلة كذا وكذا، ما علاقتي؟!” فغضب الحاكم المتجبّر وقال لجنوده: “ارموه في السجن.” بعد شهر أو شهرين جاءت القبائل إلى الحاكم وقالوا له: “هذا الرجل مجنون، لماذا تسجنه؟” قال: “إذن أطلقوا سراحه.” ذهبوا إليه في السجن وقالوا: “اخرجْ.”فقال: ‘لا والله لا أخرج؛ أنا أجلس في الظل، ويأتي الغداء والعشاء إلى بابي، فلماذا أترك هذا النعيم؟!’ قلتُ للمدير: أنا مثل حفظ الرحمن هذا القريب منا؛ صاحبك فلان جاءني بنسخة من صحيح البخاري، وكلَّ يوم يأتيني بغداء طيّب، وكاتبك هذا يُحضر لي الشاي، ولا أظنّ أن في موريتانيا من يُتقِن إعداد الشاي مثله! أنا جالس هنا أحفظ صحيح البخاري، وأشرب شايًا ممتازًا، وآكل غداءً طيبًا؛ إلى أين أريد أن أذهب؟ بل لو قلتم لي غدًا: اخرج… قد أقول لكم: لا أريد الخروج أصلًا!»
فضحك وقال: “أنتم أتعبتمونا أنت وأهلك!” وكان الفقيه -خالي رحمه الله- عضوًا في مجلس الشيوخ، وكان إذا جاءهم يشدّ عليهم في الكلام؛ فالمدير متضايق من العائلة كلها! ثم نادى أحد الضباط وقال له: “تعال خذ عني قريبك هذا.”
الصحفي أحمد فال: خلال هذه التجربة، هل احتككت بموظفين آخرين في الإدارة غير المدير؟
د. محمد المختار الشنقيطي: لم يحقّق معي غير المدير نفسه، لكنّهم حبسوني في أحد مكاتب الإدارة، وكان يبيت معي دائمًا شخص؛ أحيانًا يكون الكاتِب الذي يدوّن إفادة المدير، وأحيانًا شخصًا آخر. بصراحة، كانت معاملتهم معي جيّدة؛ حتى إن أحد الأصدقاء مازحني بعد خروجي وقال: “يبدو أنهم عاملوك معاملة المواطن الأمريكي لا المواطن الموريتاني؛ ربما ظنّوك أمريكيًّا!” فقلت: الحمد لله على كل حال.
الصحفي أحمد فال: بعد تجربة الاعتقال عدتَ إلى مرابعك في تكساس -إلى لَبَك- وبدأت حياة جديدة أهمّ ملامحها أنك عدت إلى الدراسة الأكاديمية المنظمة. لماذا اخترت دراسة الحروب الصليبية تحديدًا؟
د. محمد المختار الشنقيطي: كنتُ قد انقطعت عن الدراسة الجامعية قرابة عشر سنوات أو أكثر؛ تخرّجت من قسم الترجمة بجامعة نواكشوط عام 1992، ثم انقطعت. استأنفت الدراسة في أمريكا سنة 2003 تقريبًا. لم يكن يخطر في بالي أن أدرس التاريخ أو تاريخ الحروب الصليبية؛ كنتُ راغبًا في دراسة العلوم السياسية. ذهبت إلى جامعة تكساس تك -وهي جامعة كبيرة عريقة، عمرها يقارب مئة عام- لأتقدّم إلى قسم العلوم السياسية. قالوا لي: “نحن مستعدّون لقبولك، لكنّ عليك اجتياز اختبار في الرياضيات.” فعادت إليَّ عقدة س + ص من جديد! قلت لهم: «أنا هربت من أول إعدادي بسبب الرياضيات، وتريدون إعادة الكرّة معي؟ هذا مستحيل؛ لا أمل في الأمر أصلًا.»
قالوا: “هذه أنظمة الجامعة؛ لأننا نستخدم الإحصاء والتحليل الكمي في العلوم السياسية.”صحيح أن من يصبر أسبوعين يتجاوز هذه العقدة، لكنها بالنسبة إليّ حاجز نفسي؛ لا أحتمل أن أقرأ صفحة واحدة في الرياضيات أو الاقتصاد. هذا هو الجانب «الشاعري» في شخصيتي ربما! فقالوا لي: “إذن أمامك قسم التاريخ: عندنا التاريخ السياسي، والتاريخ العسكري، وتاريخ الأديان…” فقلت: «أسجّل إذن في تاريخ الأديان؛ فلي خلفية في الدراسات الإسلامية من معهد ابن عباس، وخبرة بالتدريس في جامعة إسلامية، فلعله الأنسب.»
كنتُ قد سجّلت في برنامج ماجستير/دكتوراه متّصل؛ فالجامعة تسمح بأن تُسجَّل للماجستير والدكتوراه معًا. وفي الوقت نفسه كنت أتابع ماجستير آخر «أونلاين» في جامعة اسمها كولومبيا -غير كولومبيا الشهيرة في نيويورك. لكن قسم تاريخ الأديان وضع شرطًا عجيبًا: كل من يسجّل للدكتوراه يجب أن يتقن ثلاث لغات: لغة واحدة كلاسيكية، ولغتين معاصرتين. سألوني: “هل تعرف لغة كلاسيكية، ولغتين معاصرتين؟” قلت: «أنا درستُ الفرنسية والإنجليزية، وهذه شهادة الترجمة بينهما؛ فاللغات المعاصرة موجودة.» قالوا: “وماذا عن اللغة الكلاسيكية؟ هل تعرف العبرية؟” قلت: لا. قالوا: “اليونانية؟” قلت: لا. قالوا: “اللاتينية؟” قلت: لا. ثم سألتهم: «لكن العربية هي لغتي الأم.» فقالوا مباشرة: “إذن انتهى الأمر؛ العربية لغة كلاسيكية ومعاصرة في الوقت نفسه.» هنا اكتشفتُ ميزةً فريدةً للعربية بين لغات العالم: أنها مُصنَّفة أكاديميًّا لغةً كلاسيكية ومعاصرة معًا؛ يمكن احتسابها لغة حيّة معاصِرة، ويمكن في الوقت نفسه عدُّها لغة نصوص قديمة.
وحين تأملت ذلك لاحقًا وجدت أنه من فضل القرآن الكريم على العربية أن جعل العربيّ اليوم يفهم نصوصًا عمرها 1400 سنة أو 1200 سنة؛ فنحن نقرأ شعر المتنبي اليوم كما نقرأ الصحف. أما في اللغات الأخرى فالأمر مختلف؛ الأمريكان مثلًا لا يفهم شعر شكسبير إلا المتخصصون، مع أن بينهما خمسمئة سنة فقط أو أقل. بفضل هذه الخاصية قُبلت في جامعة تكساس في برنامج تاريخ الأديان.
الصحفي أحمد فال: وماذا اكتشفت عن الحروب الصليبية وأنت الان تتعمق فيها؟
د. محمد المختار الشنقيطي: أول مادة أخذتها كانت مادة الحروب الصليبية، درّسها أستاذ فاضل تلمذت على يديه سنوات، هو الدكتور جون هاو. اكتشفتُ من خلاله عالم الحروب الصليبية؛ لم تكن يومًا ضمن اهتمامي، بل لم أكن أعرف حتى بعض المصادر العربية الأساسية عنها.
لأوّل مرة أسمع – مثلًا – عن: كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ، الفارس الشاعر والأمير الشيزري، المعاصر للحروب الصليبية وصاحب صلاح الدين الأيوبي، ورحلة ابن فضلان؛ وهي ليست في الحروب الصليبية مباشرة، لكنها أقدم نص وصلنا عن الفايكنغ في شمال أوروبا؛ تلك الشعوب النورمانية الجرمانية التي كانت لاحقًا الخزان البشري للحملات الصليبية. كان الأمر اكتشافًا حقيقيًّا، وولعتُ بتاريخ الحروب الصليبية؛ لأنها تقع في منطقة التماس بين التاريخ الإسلامي والتاريخ المسيحي.
وفي جامعة تكساس لا يُدرِّسون جميع الأديان بالتساوي؛ معظم ما درسناه كان: تاريخ المسيحية، وما يسمّى «الديانات الأمريكية»؛ أي الطوائف البروتستانتية في أمريكا: المعمدانيون، المنهجيون، المشيخيون، الكنيسة التوحيدية، المورمن… إلخ، فضلًا عن بعض طوائف اليهودية: الأرثوذكسية، والإصلاحية، وغيرها. فكان نصف ما درسناه تقريبًا «مللًا ونحلًا أمريكية»، والنصف الآخر ركّز على المسيحية، والباقي للديانات الأخرى.
الصحفي أحمد فال: ربما كان سبب تعلّقك بالحروب الصليبية أنك عشت مسألة الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي بعد غزو الولايات المتحدة للعراق؛ فبدت الحروب الصليبية نموذجًا تاريخيًّا لصراعٍ ممتد. هل يصحّ هذا التفسير؟
د. محمد المختار الشنقيطي: هذا صحيح تمامًا؛ خصوصًا أن الأجواء بعد 11 سبتمبر كانت مشحونة بالكلام عن الدين والإسلام في وسائل الإعلام، وأنا مدمن متابعة للإعلام. ثم جاء غزو أفغانستان، وبعده غزو العراق؛ وبدأت الدراسة في تاريخ الأديان في العام نفسه الذي غُزِيَ فيه العراق تقريبًا. فدراسة الحروب الصليبية لفتت نظري إلى أمر مهم جدًّا بعد الغزو الأمريكي للعراق: علاقات السنّة والشيعة. رأيتُ تشابهًا بين مرحلتين: مرحلة الحروب الصليبية، ومرحلة غزو العراق. في الحالتين يوجد انشطار داخل الذات الإسلامية يصاحبه اقتحام خارجي للمنطقة. فبدأت أنظر إلى الحروب الصليبية من زاوية تأثيرها في الديناميكية الطائفية الداخلية في المجتمعات الإسلامية. ومن هنا اخترت موضوع رسالتي: «أثر الحروب الصليبية في العلاقات السنية الشيعية».
تعلّمتُ من مادة درسرها لنا ” History and Memory – «التاريخ والذاكرة»” أن الفرق بين التاريخ والذاكرة جوهري؛ فليس الأهم دائمًا «الحدث» بقدر ما هو «الحديث عن الحدث» وما نحتفظ به منه. الذاكرة غالبًا انتقائية؛ فيها نسيانٌ جماعي وتذكّرٌ جماعي. ويمكن أن نصوغها بطريقتين: إمّا زادًا ملهمًا للمستقبل، وإمّا ذخيرةً تُؤجّج الصراع وتُدمّر الحاضر والمستقبل. د. الشنقيطي
الصحفي أحمد فال: بكلمة واحدة: هل لاحظتَ أن الاقتحام الخارجي يُعمِّق الشرخ بين الطوائف الإسلامية، أم يساعد على التئام الجراح والتقارب بينها؟
د. محمد المختار الشنقيطي: الخلاصة التي وصلتُ إليها من دراسة الحروب الصليبية: في البداية أدّى الاقتحام الخارجي إلى تعميق الشرخ بين السنّة والشيعة؛ ففي صدمة الغزو الأولى ساد منطق «نفسي… نفسي»، وانطوت كل طائفة على ذاتها، بل إن بعض الأمراء الانتهازيين حاولوا التفاهم مع الصليبيين لضرب إخوانهم المسلمين. لكن في المدى البعيد أدّت هذه الصدمة إلى توحيد الصفّين السني والشيعي في مواجهة العدوّ الخارجي؛ وساعد على ذلك حِكمة وسعة صدر بعض القادة الذين قادوا المقاومة الإسلامية للحملات الصليبية، وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي. تعامل صلاح الدين مع المسألة الطائفية تعاملًا -في رأيي- لم ينل حظّه من الدراسة الكافية؛ لأننا نقرأ تاريخنا اليوم بعيون طائفية. من دراستي في هذا المجال تعلّمت أهمية الذاكرة؛ فقد كانت عندنا مادة عنوانها: History and Memory – «التاريخ والذاكرة». الفرق بينهما كبير؛ فالأهم في كثير من الأحيان ليس «الحدث» بل الحديث عن الحدث؛ ليس التاريخ نفسه، بل الذاكرة التي نحتفظ بها عن التاريخ: ماذا نتذكّر وما الذي ننساه. الذاكرة غالبًا انتقائية؛ فيها نسيانٌ جماعي، وتذكّر جماعي، ويمكن أن نصوغها بطريقتين: إمّا أن نجعلها زادًا ملهمًا للمستقبل، وإمّا أن تتحوّل إلى ذخيرة لتدمير الحاضر والمستقبل. كل شيء يتوقف على الطريقة التي نصوغ بها ذاكرتنا التاريخية. وهذا من أهم الدروس المنهجية التي خرجتُ بها من دراسة التاريخ هناك.
في كل حضارة معانٍ كامنة، والاحتكاك بالثقافات الأخرى لا يقتصر على اكتشاف الآخر، بل يوقظ فينا نحن طاقاتٍ معرفية كانت معطّلة. أوافق رشيد رضا في هذا تمامًا. ويعمّق محمد إقبال الفكرة حين يفرّق بين استعارة الفكرة وتملّكها: تستعير الحضارات دائمًا، لكن الفكرة لا تصبح “لك” إلا إذا استوعبتها وأعدت إنتاجها داخل سياقك؛ وإلا بقيت استعارة سطحية لا تُجدي. د.الشنقيطي
الصحفي أحمد فال: الاتهام الذي وُجِّه إليك بأنك تترجم الشورى إلى ديمقراطية تحت ضغط «الحضارة المنتصرة» وُجِّه من قبل لغيرك أيضًا، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: بلى، هذه التُّهمة في الحقيقة وُجِّهت -بالمناسبة- لكل الإصلاحيين المعاصرين تقريبًا؛ وُجِّهت إلى الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وما زالت تُوجَّه إلى عبد الرحمن الكواكبي، ومالك بن نبي، وغيرهم. رشيد رضا تناول هذا الموضوع صراحة في كتابه «الخلافة»، وأنا أوردتُ كلامه في كتابي تجنُّبًا لهذه التهمة. يقول -بمعناه-: «ما الذي يجعلك تظن -أيها المسلم- أنك كنت ستدرك المعنى الكامل للشورى لو لم ترَ تجربة الغربيين في تطبيقها؟ إنّ تجربة الغربيين في الشورى هي التي حفّزت ذهنك لاكتشاف المعنى الكامل للكنوز التي عندك.»
كل حضارة فيها معانٍ كامنة؛ وفائدة الاحتكاك بالثقافات الأخرى ليست أنك تكتشف ثقافة أخرى فحسب، بل إنها تُحفِّز الكوامن الثقافية عندك أنت، التي لم تكن مفعَّلة من قبل. أنا في هذا مع رشيد رضا تمامًا. وأُعجِبني أيضًا في هذا السياق طرح محمد إقبال؛ وقد أوردتُه في الكتاب، وهو يميز بين استعارة الفكرة وتملُّك الفكرة. كل الحضارات -كما يقول إقبال- تستعير من الحضارات الأخرى، لكن متى تصبح الفكرة المُستعارة «لك»؟ إذا تملَّكتها، أي استوعبتها وأعدتَ إنتاجها في إطارك؛ حينئذ تُنسب إليك. أمّا إن بقيت مجرد استعارةٍ سطحية، فلا تنفع. يشبّه ذلك بـ نقل الدم بين مريضين؛ فهو يحتاج إلى تشابهٍ في فصيلة الدم، وإلى شروط طبية وبيولوجية دقيقة، يعرفها الأطباء. كذلك انتقال الأفكار بين الحضارات.
أنا أرى أيضًا أن وراء هذه التُّهم عُقدةً أو هواجسَ خصوصيةٍ مفرِطة؛ فبعض الناس لا يريدون لك أن تُثني على أي شيءٍ جيد عند الآخرين، خصوصًا حين تكون في مواجهةٍ حضارية معهم. وأرى أن هذا خطأ كبير؛ لأنه يؤدي إلى الانكفاء والانطواء وإفقار الذات. هذا ما يسميه الدكتور عبد الحكيم مراد (تيم وينتر) -المفكر المسلم البريطاني المعروف- بـ «فقر التعصب» (Poverty of Fanaticism)؛ فالمتعصّب يظن أنه يحمي نفسه، لكنه في الحقيقة يُفقِر ذاته، كأنه نبتةٌ حُرمت من الهواء والضياء.
بعد انكسار الموجة الأولى من الربيع العربي، بدا لي أن أزمة الإصلاح السياسي ليست في المبادئ؛ فهي واضحة عمومًا، بل في المناهج العملية والاستراتيجيات. هناك فقرٌ شديد في الفكر الاستراتيجي، الذي يمكن تعريفه بوصفه “وضع الجهد في موضعه”؛ أي اقتصاد الجهد للوصول إلى الغايات بأقل كلفة وأقصر طريق. وهذا يناقض واقعنا: تضحيات عظيمة ونتائج هزيلة أو كارثية، وأحيانًا بلا نتائج.
الصحفي أحمد فال: وماذا عن التراثيين الذين يشترطون لكل قول «سلفًا» سابقًا، ويرفضون أي فكرة لا يجدون لها نصًّا قديما؟
د. محمد المختار الشنقيطي: مع هؤلاء أستحضر نكتةً لطيفةً عن الشيخ حسن الترابي رحمه الله، ومعها كلمةٌ لابن خلدون. يُروى أن الرئيس جعفر نميري شكّل لجنةً لتقنين الفقه الإسلامي؛ أي تحويل القانون السوداني إلى قانونٍ إسلامي في إطار «تطبيق الشريعة». كان الترابي عضوًا في هذه اللجنة، ومعه عدد من الفقهاء، منهم القاضي الكباشي -وهو فقيه تقليدي سوداني- الذي كان يؤمن بأن لكل قولٍ لا بد من «سالف»؛ أي سَبْقٍ في كلام العلماء، وإلا فهو باطل. وأنا ضدّ هذه الفكرة؛ لأن معناها أن كل فكرة جديدة بنتُ سفاح! وهل كانت أقوال العلماء الذين نقرؤها اليوم كلها لها أسلافٌ حرفيًا؟! المهم أن حسن الترابي كان واسع الاطلاع في الفقه، وأبوه كان قاضيًا، فكان إذا اجتمعت اللجنة لصياغة مواد القانون، كان هو أوسعَهم باعًا؛ لا يكتفي بالفقه المالكي السائد في السودان، بل يفتح على سائر المذاهب والتراث الإسلامي.كلما قال لهم: «دعونا نضع مادةً على النحو الفلاني…» يسأله القاضي الكباشي: «يا شيخ حسن، ما أصل هذا القول؟ من أين جاء؟» فيجيب الترابي: «هذا قولٌ في المذهب الشافعي، تجدونه في كتاب كذا وكذا…» أو: «هذا هو الراجح في المذهب الحنفي، وما الذي يضرّ لو أخذناه في القانون السوداني؟ يمشي الحال.» إلى أن أتعبه الكباشي بكثرة فقال له الترابي مرة -مازحًا-: «يا شيخ الكباشي، هذا القول موجود في كتابٍ من كتب المسلمين التي رماها المغول في نهر دجلة، وضاع… حتى نتخلّص من سؤالك!» أما ابن خلدون، ففي تاريخه -وهو ربما المؤرخ المسلم القديم الوحيد الذي رأيته يتكلم عن الديمقراطية الرومانية- يذكر أن روما كانت ملكية ثم صارت جمهورية قبل أن تتحول إمبراطورية. حين تحدث عن نشأة الديمقراطية عند الرومان، قال -بمعناه- إن الرومان ملُّوا ملوكهم، فعزلوهم، وجعلوا الأمر شورى. هكذا سمّى ابن خلدون الديمقراطية الرومانية: «شورى». فإذا كان البعض يريد «قولًا سالفًا» يبرر له استعمال هذا المصطلح، فهذا ابن خلدون قد سبقه، ولم يَرمِ المغول كتابه في دجلة؛ فهو موجود والحمد لله!
الصحفي أحمد فال: بعد «الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية» بدأنا نراك تهتم اهتمامًا جديدًا بما تسميه «الدراسات الاستراتيجية». لماذا عبرتَ إلى هذا الحقل في هذه اللحظة من تاريخ العرب والمسلمين؟
د. محمد المختار الشنقيطي: هذا سؤال مهم. والسبب في الحقيقة هو المعاناة. بعد انكسار الموجة الأولى من الربيع العربي، شعرت بأن مشكلة الساعين إلى الإصلاح السياسي في العالم العربي والإسلامي ليست في المبادئ؛ فالمبادئ واضحة في الجملة، وإنما هي في المناهج العملية والاستراتيجيات. أحسستُ أن هناك فقرًا مُدْقِعًا في الفكر الاستراتيجي. يمكن تعريف الفكر الاستراتيجي بمثل ما عرّف علماؤنا الحكمة؛ إذ كانوا يقولون: «الحكمة: وضع الشيء في موضعه.» يمكن أن نقول: «الفكر الاستراتيجي: وضع الجهد في موضعه.» أي اقتصاد الجهد بحيث نصل إلى الغايات بأقل ثمن وأقصر طريق. وهذا -للأسف- عكس ما حدث في تاريخنا المعاصر: تضحيات جليلة هائلة، وثمرات هزيلة، بل كارثية أحيانًا، وأحيانًا لا توجد ثمرة أصلًا؛ كل شيء ينتهي إلى العدمية.
لكن حين ننظر إلى السيرة النبوية بمنظار العلوم السياسية والاستراتيجية المعاصرة، نجد صورة مختلفة تمامًا؛ فلم تشهد البشرية -في رأيي- حروبًا غيّرت وجه الأرض ومسار التاريخ بأقل كلفة من حروب الرسول صلى الله عليه وسلم. العلماء يختلفون اليوم في عدد القتلى -من المسلمين وغير المسلمين- في كل الغزوات والسرايا في العهد النبوي: هل هو 800 أم 1200؟ أي بين ثمانمائة وألفٍ ومئتين من الطرفين، في كل الغزوات والسرايا، خلال عشر سنوات. لدينا حوالي 28 غزوة و32 سرية؛ أي حوالي 60 عملية عسكرية في عشر سنوات، بمعدّل معركة كل شهرين تقريبًا. هذه الحروب انتهت بأن سيطر الإسلام على كامل الجزيرة العربية، وأصبح متحفزًا لاقتحام الإمبراطوريتين المجاورتين. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الله عز وجل أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بالكتاب والحكمة؛ وإذا أردنا أن نترجم هذا بلغة اليوم فيمكن أن نقول: الكتاب هو المبدأ، والحكمة هي الاستراتيجية؛ أي وضع الأمور في مواضعها. من هنا بدأت أستشعر أن إصلاح حالنا يقتضي سدّ هذا الفراغ في الدراسات الاستراتيجية والجغرافيا السياسية؛ وإلا فسنظل ندور في حلقة: تضحيات هائلة مقابل نتائج ضامرة زهيدة.
الصحفي أحمد فال: وهل لهذا السبب اتجهتَ إلى دراسة مسألة «الدين والدولة» في الدساتير الحديثة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم. قضية الدين والدولة حاضرة في ذهني دائمًا، لكنني أردت أن أتناولها بطريقة عملية. بدأتُ مشروعًا لدراسة الدين في دساتير العالم؛ فجمعتُ كل دساتير دول العالم، واستخلصتُ منها جميع المواد المتعلقة بالدين، وأنا الآن أجمعها في عملٍ أرجو أن يُنشر قريبًا. ومن هذا المشروع خرجتُ أيضًا بفكرة كتابٍ أسميه «ديمقراطية بلا علمانية». السبب أن هناك تلبيسًا كبيرًا في العالم العربي؛ إذ يُربَط بين العلمانية والديمقراطية وكأنهما شيء واحد، بينما لا توجد علاقة حتمية بين المفهومين أصلًا. أردت أن أبرهن على ذلك تجريبيًا من خلال استقراء دساتير العالم، لا بمجرد الجدل النظري حول الأديان وفلسفة الدين، و«ديانات الحد الأدنى والحد الأعلى» وغير ذلك، مما تحدثتُ عنه في مقدمة «الأزمة الدستورية». لذلك قلت: دعني أنظر في الواقع: ما العلاقة بين الدين والديمقراطية؟ ما العلاقة بين العلمانية والديمقراطية – طرديةً أم عكسيةً؟ فاخترتُ التقرير السنوي الذي تصدره مجلة الإيكونوميست عن مستوى التزام دول العالم بالديمقراطية، وأخذتُ نسخة عام 2020. نظرتُ: ما هي الدول التي في قمة القائمة؟ وما الدول التي في ذيلها؟ في القمة جاءت ثلاث دول:
النرويج، السويد، آيسلندا؛ دول شمال أوروبا، أبناء «الفايكنغ» الذين كتب عنهم ابن فضلان. هذه أعلى دول العالم في مستوى الالتزام بالديمقراطية وفقًا لهذا المؤشر. سألت: ماذا تقول دساتير هذه الدول عن الدين؟ وجدتُ أن الدول الثلاث تنص على المسيحية دينًا رسميًّا، بل المسيحية الإنجيلية اللوثرية تحديدًا. في بعضها يُنص على أن الملك لا يجوز أن يكون إلا مؤمنًا بالمسيحية اللوثرية؛ أي لا يكفي أن يكون مسيحيًا، بل من طائفة محددة. وفي بعضها تمنح الدولةُ الكنيسةَ صلاحياتٍ رسمية -مثل إصدار بعض الوثائق- نيابة عن الدولة. إذن: وجود دين رسمي لم يمنع هذه الدول من أن تكون في قمة الديمقراطية. ثم نظرت إلى ذيل القائمة؛ إلى الدول الأضعف التزامًا بالديمقراطية. وجدت في آخر اللائحة مثلًا: كوريا الشمالية، تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى. هذه الدول الثلاث تنص دساتيرها على العلمانية صراحة، وهي -في الوقت نفسه- في ذيل العالم من حيث القيم الديمقراطية! هذا يبيّن بوضوح أنه لا تلازم بين العلمانية والديمقراطية؛ فلا الدين عائقٌ عن الديمقراطية، ولا العلمانية ضمانةٌ لها. لذلك أقول: من يريد أن يسوّق لنا العلمانية باسم الديمقراطية إنما يدلّس علينا. نحن نريد ديمقراطية غير علمانية؛ وهذه هي إرادة شعوب العالم العربي. ولهذا تجد أن كل الدول العربية تقريبًا -باستثناء لبنان- تنص في دساتيرها على دينٍ رسمي. أمّا لبنان فينصّ على تعدديةٍ طائفية معروفة.
الصحفي أحمد فال: قلت إن كتاب «ديمقراطية لا علمانية» بدأ بمقال. هل تتعمّد هذه الطريقة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، أنا غالبًا أبدأ كل كتابٍ بـ «بذرة»؛ بحثًا أو مقالًا أجسّ به النبض. هذه عادةٌ تعلمتها من «مشايخي» الأمريكيين في البحث! فمثلاً: صمويل هنتنغتون نشر أولًا مقال «صدام الحضارات» في مجلة فورن أفيرز، ثم حوَّله إلى كتاب. فوكوياما فعل الشيء نفسه مع «نهاية التاريخ». الفكرة عندهم أن تُطلِق الفكرة وهي لا تزال «طريّة»، ترى ردود الأفعال حولها، ثم تُعمِّقها في ضوء هذه الردود وتحوِّلها إلى كتاب. وأنا أرى هذه طريقة جيدة.
الصحفي أحمد فال : بعد هذا التجوال الفكري والمشاريع والكتب، يبقى في أذهان محبيك سؤالٌ دائم: كيف تقرأ وكيف تكتب؟
د. محمد المختار الشنقيطي: هذا سؤال صعب. فيما يخص القراءة أنا أقرأ دائمًا؛ لا أستطيع أن أحدد «متى» أقرأ، لأن القراءة ملازمة لحياتي كلها. الحمد لله رب العزة منحني شغفًا بالقراءة؛ حتى إن أسوأ تعذيب يمكن أن تمارسه ضدي هو أن تحرمني من القراءة، وأسوأ وظيفة هي التي تشغلني عن القراءة. أقرأ في الليل، وفي النهار، وفي آخر الليل، وفي آخر النهار. لست من الذين عندهم طقوس صارمة؛ ساعة محددة أو مكان محدد. أقرأ في أي وقت، وفي أي مكان. أقرأ -وأكتب أيضًا- في أجواء الضجيج، في المطاعم والمقاهي، ولا أكاد أحس بشيء. وفي البيت لا يهمني إن كان التلفاز مفتوحًا أو كان هناك ضجيج أطفال؛ حين أكون منغمسًا في القراءة أو الكتابة لا أشعر بالعالم من حولي، وهذا يساعدني كثيرًا.
الصحفي أحمد فال : وماذا تقرأ تحديدًا؟
د. محمد المختار الشنقيطي: في البداية كنت مشتَّتًا؛ وهذه إحدى سلبيات الثقافة الشنقيطية التي تحدثنا عنها؛ ثقافة «الفتوَّة» كما أسميها؛ أي أن يأخذ الإنسان من كل علمٍ بطرف، فيستطيع أن يتحدث في المجالس عن كل شيء تقريبًا، لكن دون عمق في مجال محدد…
الصحفي أحمد فال : ذكرتَ من عيوب الثقافة الشنقيطية أحيانًا هذا التشتت، إلا عند العلماء الذين ركّزوا وتخصصوا. كيف كان الأمر معك شخصيًا في القراءة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، أنا بدأت حياتي العلمية مشتَّتًا؛ ولهذا تجدني أقرأ في أشياء متباعدة جدًّا:
كنتُ أقرأ في الأدب الروسي، وفي الأدب العربي المعاصر، إلى جانب كتب الفقه. قد يحدث أن أكون في المساء أقرأ كتاب «الكفاف» في الفقه المالكي على الشيخ محمد سالم بن الدَّمِين – رحمه الله – وهو قاضٍ معروف، وفي العصر أكون أقرأ «مُرْتقى الأصول» في علم أصول الفقه لابن عاصم على الشيخ محمد سالم بن المحبوبي في نواكشوط، ثم أجدني في الليل أقرأ قصص بوشكين ودوستويفسكي وتولستوي! فكان هذا الاضطراب في برنامج القراءة، وقد أخذ من عمري وسنواتي شيئًا كثيرًا. العلم كلّه نافع بلا شك، لكن عدم التركيز مُضرّ. بعد ذلك فهمتُ أنه لا بد من التركيز في مجالٍ أو مجالين على الأكثر؛ لأن أكثر من ذلك يتحول إلى تشتّت، خصوصًا في العلوم الإنسانية المترابطة. فليختر الإنسان مجالًا أو مجالين – أو ثلاثة بالكثير – ثم تكون قراءته مركَّزة فيها. فقررتُ أن أركّز على قضايا الفقه السياسي، وقضايا السياسة عمومًا، ولا سيما موضوع الدين والدولة، وما يتصل به من قضايا سياسية واستراتيجيات وغيرها.
الصحفي أحمد فال : إذن أنت في القراءة تطبّق نظريّة الجاحظ؛ فالجاحظ يقول إنّ على كل واحد أن يكون صاحب فنٍّ أو فنَّيْن، وألّا يكون «غُفْلًا» من بقيّة الفنون. المحور عندك قريب من هذه النظرية، أليس كذلك؟
د. محمد المختار الشنقيطي: نعم، هذه نظرية سليمة حتى تربويًّا، وهي في الحقيقة ما تطبّقه الجامعات اليوم. لماذا تبدأ الجامعات بمقرّرات مثل «مدخل إلى علم القانون»، «مدخل إلى علم السياسة»…؟ لكي يحصل الطالب على إلمام عامّ بمختلف العلوم، ما دام أن العلوم مترابطة. وأنا أرى أن الجاحظ رجل عبقري؛ فالكلام الذي قاله هو بالضبط ما تطبّقه الجامعات: في البداية: إلمام بمداخل العلوم، ثم: تركيز على مجال أو مجالين. لكنّي أعتقد أن مرحلة التشتّت عندي استمرّت أكثر مما ينبغي.
الصحفي أحمد فال : قد يأتي قائل فيقول: إنّ هذا التشتّت الذي تذمّه الآن هو الذي أنتجك؛ كثير من الفضائل والعطاءات عندك ترجع إلى هذا التأسيس المتنوّع؛ فلولاه ما صُقلت اللغة، ولا اتسعت المدارك، ولا تنوّعت الأفق. هذا التنوّع هو الذي أثراك ولم يضرّك.
د. محمد المختار الشنقيطي: انظر… أنا شنقيطي، وسأرجع بك إلى الحكمة الشنقيطية التي تقول: «العِلْمُ جَمٌّ، والعُمْرُ طَيْفٌ زَارَ أو ضَيْفٌ أَلَمْ» العلم كثير، والعمر إمّا طَيْفٌ عابر أو ضيفٌ مُقيم قليلًا ثم يغادر. كل العلوم نافعة.
الصحفي أحمد فال : ما الأهمّ؟ ما هي الأولويات في ظلّ ظروفك، ومواهبك، واهتماماتك؟ فيما يمكنك أن تتميّز، وفيما لا تستطيع… هذه القضايا تحتاج ترتيبًا للأولويات.
د. محمد المختار الشنقيطي: وبصراحة: هناك أمور درستُها لا أرى اليوم أنها كانت ضرورية ولا مفيدة بالقدر الكافي. على سبيل المثال: حفظتُ آلاف الأبيات من الرَّجَز في الفقه؛ هذه أحكام فقهية يمكن للإنسان أن يقرؤها في كتاب عند الحاجة، فيتذكّرها، ولا ضرورة لأن يحفظها كما يُحفظ القرآن أو الحديث. حفظتُ مثلًا «الكفاف»، وهو في حدود 3750 بيتًا، و «أسهل المسالك»، وله نحو 1200 بيت، وحفظت منظومات أخرى لا أستطيع الآن إحصاءها؛ لولا أن الله تعالى أعطاني ملكة الحفظ لكان الأمر شاقًّا لكنّي كنت أتمنى لو أني في تلك المرحلة وُجِّهتُ إلى ما هو أهمّ؛ لو وجِّهتُ إلى صحيح البخاري مثلًا، فتعلمتُ الحديث الصّحيح وحفظته في تلك السنّ، لكان ذلك يسيرًا جدًّا. هنا تذكّرت كلمة مهمّة للإمام محمد عبده – رحمه الله – قال فيها: «درستُ في الأزهر اثنتي عشرة سنة، وبقيّة حياتي أقضيها في التخلّص ممّا تعلمتُه في تلك السنين!» طبعًا فيها مبالغة، لكنه يريد أن يقول:
إنّ جزءًا من طاقته الذهنية ضاع في أمورٍ كان هناك ما هو أهمّ منها.
الصحفي أحمد فال : كيف تقرأ الآن من الناحية العملية؟ ما طريقتك وتقنيتك في القراءة؟
د. محمد المختار الشنقيطي: عندي قاعدة التزمتُ بها منذ أكثر من ثلاثين سنة: لا أقرأ شيئًا مهمًّا إلا وأحتفظ بأثر منه. منذ عام 1997 في صنعاء بدأت أدوّن اقتباسات بخط يدي من كل كتابٍ أو نصٍّ أراه مهمًّا. هذه الاقتباسات كنزٌ حقيقي، وحين أكتب أعود إليها دائمًا، وقد وجدتُها مفيدة جدًّا، خصوصًا لمن يكتب. إذن الخطوة الأولى: التدوين ممّا أقرأ. أما نوع القراءة: فالقراءة -في الحقيقة- أنماط:
- قراءة ترفيهية / ذوقية: لم أعد ألجأ إليها إلا إذا كنتُ مُرهقًا، فأقرأ نصًّا أدبيًا للتسلية والراحة.
- قراءة تَعَلُّم: لكتبٍ أراها أمّهات في مجالٍ ما؛ أقرأها وربما أحاول حفظ بعض مقاطعها.
- قراءة بحثية – وهي الغالبة عندي الآن، وهي المهمّة للكاتب: القراءة البحثية معناها لا تقرأ من الكتاب إلا ما تحتاج إليه، ما له صلة بموضوعك، وتترك ما سواه. ليست قراءة «جردية» للكتاب كله، بل قراءة انتقائية حسب الحاجة، وحسب المشروع البحثي الذي أعمل عليه في تلك اللحظة.
الصحفي أحمد فال : تبدو منهجيًّا في القراءة، لكنك قلت إن لديك مشكلة في التأليف، ما هي؟
د. محمد المختار الشنقيطي: مشكلتي أنني أعمل على مشاريع متعدّدة في الوقت نفسه؛ فتتزاحم هذه المشاريع، ويتراكم بعضها على بعض، حتى لا يترك واحدٌ منها الآخر يخرج إلى النور. وقد أضرّ هذا بي كثيرًا. يمكن أن أقول إن عندي اليوم على الكمبيوتر نحو خمسةٍ وعشرين مشروع كتاب! تخلّصتُ من القراءة الفوضوية، لكن وقعتُ في «التأليف الفوضوي». ما معنى التأليف الفوضوي؟ أن أبدأ كتابة نصٍّ، ثم أملّه قليلًا، أو أشعر أني لا أملك الآن ما أضيفه إليه، فأنتقل إلى مشروعٍ آخر… وهكذا تمضي السنين ولم يكتمل أيٌّ منها. بعض هذه المشاريع نُشِرَت منه فقط «البذور» في شكل أبحاثٍ أو مقالات:
- مثلًا: مشروع كتاب «شروق الشرق وغروب الغرب»؛ هذا المفروض أن يكون كتابًا، لكن لم يكتمل، فنشرتُ منه بحثًا واحدًا كبذرة ألقيتُها.
- كذلك دراستي عن الفكر الاستراتيجي الصيني؛ المشروع الأصلي كتاب عن المدارس الاستراتيجية عمومًا، لكن لأن الصين هي الأولى زمنيًّا، أخذتُ فصل الفكر الاستراتيجي الصيني ونشرته بحثًا.
- كتاب «ديمقراطية لا علمانية» أيضًا: نشرتُ منه بحثًا كبذرة، لكن الكتاب نفسه ما زال ينتظر.
- «دروس الكواكب للربيع العربي»: نشرتُ بحثًا من أربعين صفحة، ولم يكتمل بعدُ الكتاب بأكمله.
- وهكذا… يمكنك أن تقول: هذه طريقة سباق مع الزمن؛ أرمي بالبذرة على الأقل، ثم أسأل الله أن يمتدّ العمر لإكمال ما بقي.
الصحفي أحمد فال : بعد كل هذا الإنتاج والأفكار والمشاريع، هناك سؤال عند متابعيك وقرّائك الذين لم يلتقوا بك شخصيًّا: أسلوبك في الكتابة، ومواقفك الحادّة في بعض القضايا القِيَميّة، يجعل بعضهم يظنّ أنك إنسان شديد الحِدّة، وأن هذا ينعكس على نمط شخصيتك في الحياة اليوميّة. لكن من يراك عن قرب يعرف أن هذا بعيد عن الواقع، وأنك لينُ الجانب لطيف المعشر. ماذا تقول لهؤلاء الذين لا يعرفونك إلا من وراء الكتابة و«تويتر»؟
د. محمد المختار الشنقيطي: (ضاحكًا): إذا كنتَ أنت -الذي تعرفني- تؤمن أني لطيف ولَيِّن الجانب، فأقول لهم بكل بساطة: «هاتفي موجود؛ من أراد أن يطمئن فليتصل بي!» يتواصلون، ويجدونني كما تراني؛ حياهم الله جميعًا.
الصحفي أحمد فال : حياك الله، وبارك فيك. سعدتُ كثيرًا بهذا اللقاء.
د. محمد المختار الشنقيطي:وأنا أسعد، جزاكم الله خيرًا.
انتهى الحوار الذي استمر لاربع ساعات بلا توقف من بودكاست حكايات إفريقية الذي أداره بكل مهنية الصحفي المقتدر أحمد فال ولد الدين…شكرا على حسن المطالعة
مقالات ذات الصلة
<!– wp:image {“id”:14210,”width”:”245px”,”height”:”auto”,”sizeSlug”:”full”,”linkDestination”:”none”,”align”:”center”} –>
<figure class=”wp-block-image aligncenter size-full is-resized”><img src=”https://dr-achbani.com/wp-content/uploads/2025/04/image-5.png” alt=”” class=”wp-image-14210″ style=”width:245px;height:auto”/><figcaption class=”wp-element-caption”><strong>د. الحسن اشباني</strong></figcaption></figure>
<!– /wp:image –>
<!– wp:heading {“textAlign”:”center”} –>
<h2 class=”wp-block-heading has-text-align-center”><mark style=”background-color:rgba(0, 0, 0, 0)” class=”has-inline-color has-vivid-red-color”>ملخص</mark></h2>
<!– /wp:heading –>
<!– wp:paragraph –>
<p>استمعتُ بإمعان إلى هذا الحوار الآسر الذي أجراه الصحفي أحمد الفال مع الدكتور محمد المختار الشنقيطي ضمن بودكاست “حكايات إفريقية” على قناة الجزيرة – يوتوب أثير، فوجدت نفسي أمام تجربة فكرية وإنسانية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. فقد بدا الشنقيطي، كعادته، ذلك الرجل الذي يحمل في داخله أشواق الصحراء، وحنين المحظرة، وألم الاغتراب، وشغف الباحث الذي لا يهدأ. هو شخصية جمعت بين صلابة الموقف ولين الجانب، بين صرامة الفكرة ورهافة الشعور، وبين الانتماء العميق للجذور والقدرة الكبيرة على التحليق في آفاق الفكر العالمي. في هذا الحوار الطويل، يفتح الشنقيطي صندوق سيرته دون ادّعاء؛ يحكي عن طفولته بين رمال موريتانيا، ورحلته في طلب العلم، وتجربته مع الاعتقال، وغربته في أمريكا، ومواجهته لمحاولات استقطاب أجهزة الأمن، ثم مسيرته العلمية في تاريخ الأديان والفقه السياسي والدراسات الاستراتيجية. وكل ذلك بلغة صادقة تنضح بالأشواق، ووعيٍ هادئ تشكّل على خطوط التماس بين الثقافات والآلام والتحولات الكبرى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:image {“id”:17235,”sizeSlug”:”large”,”linkDestination”:”none”,”align”:”center”} –>
<figure class=”wp-block-image aligncenter size-large”><img src=”https://dr-achbani.com/wp-content/uploads/2025/11/image-29-1024×683.png” alt=”” class=”wp-image-17235″/></figure>
<!– /wp:image –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ولأنني وجدت في هذا الحوار متعة ومعرفة وإلهامًا، أحببت أن أقدّمه لروّاد موقعي الكرام، علّهم يجدون فيه ما وجدت: رحلة عقلٍ وقلبٍ معًا، ونافذة تطلّ على عالم مفكر استثنائي لا يزال يحفر أثره في الذاكرة العربية بهدوء وثبات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:separator –>
<hr class=”wp-block-separator has-alpha-channel-opacity”/>
<!– /wp:separator –>
<!– wp:heading {“textAlign”:”center”} –>
<h2 class=”wp-block-heading has-text-align-center”><strong><mark style=”background-color:rgba(0, 0, 0, 0)” class=”has-inline-color has-vivid-red-color”>النص الاول للحوار</mark></strong></h2>
<!– /wp:heading –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال</strong><strong> : </strong>أهلاً بكم مشاهدينا ومستمعينا. هذه حكايات إفريقية، ومعكم أحمد فال ولد الدين. ضيفُنا اليوم رجلٌ وصفتهُ ذات مرّة بـ”ملاعب الأسنّة” لكثرة ما خاض من معارك فكرية، ولوعورة المسالك المعرفية التي اقتحمها. هو رجل تعرفونه في عالم الفكر السياسي والفلسفة الدينيّة، وتسمعون آراءه في مجالات التفكير الاستراتيجي. كما تعرفون مواقفه وتحليلاته، لكن كثيرين لا يعرفون تكوينه المعرفي، ولا حياته الفكريّة والشخصيّة، وكيف تشكّل كل ذلك. حكايتُنا الإفريقية اليوم تدور حول الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة قطر. حيّاكم الله دكتور.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي</strong><strong>: </strong>حيّاك الله وبيّاك، أهلاً وسهلاً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال</strong><strong> : </strong>كثير من الناس لا يعرفون أنك “حكاية إفريقية”؛ لأنك وُلدتَ على طرف الحدود بين مالي وموريتانيا، وهذه معلومة – أظن – لا يعرفها غيري. هل هذا صحيح؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، هذا صحيح. لقد وُلدتُ في قريةٍ قريبة من الحدود الماليّة داخل موريتانيا، وربما تُعدّ – بمعنى من المعاني – في قلب إفريقيا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> وما اسم هذه القرية؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي</strong> : اسمها الجُرَيف، ونحن ننطقها «الجْريف» بإسكان الجيم. وهي تصغير لكلمة الجرف. تحيط بها الجبال من ثلاث جهات، ولذلك تبدو كأنها مسوّرة بالطبيعة، وهذا أضفى عليها جمالاً خاصّاً. وإلى جانب ذلك، تمرّ بها سيول البطاح في موسم الأمطار، فتتحوّل القرية إلى ما يشبه الجزيرة، مما يضفي عليها جمالاً مضاعفاً خصوصاً في فترة الأمطار.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> أعتقد أنّ محضن الطفولة يحمل دائماً مسحةً شاعرية في ذهن أي إنسان، بعيداً عن موضوعية المكان. حين تصف هذه القرية يبدو واضحاً أنها جميلة في ذاكرتك. فهل كانت فعلاً كذلك، أم أن الأمر مجرّد أثر عاطفي؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي :</strong> بلا شك أنّ المسألة ذاتية وفيها جانب غير موضوعي، لكن بالنسبة إليّ هي من أجمل أرض الله.<br>ورغم أنني زرتُ بلاداً كثيرة شرقاً وغرباً، وبعضها أجمل بطبيعة الحال، فإن قريتي لا تزال تحتلّ عندي مكانة خاصة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> وهل هي قريبة من مدينة النعمة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong><strong>د. محمد المختار الشنقيطي :</strong></strong> نعم، هي قريبة من مدينة النّعمة، وهي عاصمة ولاية الحوض الشرقي في جنوب شرق موريتانيا، والولاية التي تحدّها جمهورية مالي من الجنوب والشرق. تبعد القرية عن النعمة نحو خمسة عشر كيلومتراً، وكنت كثيراً ما أسافر إليها وأنا صغير ماشياً على قدميّ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> سنأتي إلى كل هذا لاحقاً، لكن قبل ذلك… نعرف أنه لا ينبغي أن تسأل بدوياً عن تاريخ ميلاده! ومع ذلك سنسأل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي :</strong> ومَن يدريك أني بدوي؟ (يبتسم) أعلم ما تعنيه… لكني في الحقيقة لا أعرف تاريخ ميلادي: لا اليوم، ولا الشهر، ولا السنة، حسب التقويم الميلادي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> ولا أي معلومة تقريباً؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي :</strong> الشيء الوحيد الذي أعرفه – بفضل مصادفة سعيدة – هو ليلة الميلاد الهجري. فقد وُلدتُ في ليلة المولد النبوي الشريف؛ ليلة الثاني عشر من ربيع الأول. أمّا السنة، فلا أحد يعرفها على وجه التحديد.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> وكيف عُرف ذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي :</strong> أهل القرية أجمعوا على أن ولادتي كانت ليلة المولد النبوي، وكانت تلك مصادفة ستظلّ عالقة في الذاكرة. ولهذا يتذكّر الجميع ميلادي بسهولة، وكأنني أجدد لنفسي الميلاد كلّما حلّ المولد.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> هذه فرصة جميلة، أن يملك الإنسان يوماً يختاره لميلاده ويدعو فيه بما يشاء… وقد يحتفظ بشبابه رقمياً! (يضحك)</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي :</strong> فعلاً… هي فرصة أن يدّعي الإنسان عمراً أقل من عمره الحقيقي. ثمّ إن وثائقي الرسمية لا علاقة لها بتاريخ ميلادي، لأنني لم أحصل على شهادة ميلاد رسمية إلا بعد أن أنهيتُ تقريباً المرحلة الابتدائية، حين كنتُ على وشك إنهاء سنتها الأخيرة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> عجيب… طيب، كيف دخلتَ المدرسة الابتدائية؟ كيف عرفوا عمرك؟ كيف “تزبط” هذه المسألة؟ القصة تبدو غريبة قليلاً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> فتحوا قسماً جديداً؛ إذ كانوا كل سنة أو سنتين يأخذون دفعة جديدة من الأولاد إلى المدرسة. وكانت المدرسة في قريتنا عبارة عن بيتٍ تملكه إحدى النساء، وهي تقضي معظم وقتها في المدينة، فاستُغلّ بيتها واتُّخذ حجرةً للدراسة. المدرسة كانت غرفة واحدة، ولها معلم واحد. أرسلوني أنا وأخي – رحمه الله – لندخل المدرسة، وكان المدير وهو نفسه المعلّم لا يعرف أعمار الأطفال، لكن كان لديه طريقة فنية للحكم على العمر. كان يقول: من استطاع أن يمسك أذنه اليسرى من فوق رأسه بيده اليمنى، أو يمسك أذنه اليمنى بيده اليسرى، فقد بلغ سنّ المدرسة القانوني.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> دعني أجرّب… هكذا؟ هل أنا في السن القانوني للدراسة؟ (يضحك)</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> (يبتسم) نعم… هكذا كانوا يفعلون. نجح أخي في ذلك، أما أنا فلم أنجح. أظن أن عمري كان نحو أربع سنوات فقط، فرفض المدير أن يقبلني في المدرسة. لكنني أرغمته! ربما كان هذا أول احتجاج سياسي شاركتُ فيه في حياتي. ملأت المكان صراخاً وبكاءً، وانبطحت على الأرض أتمرّغ فيها. وبسبب الضجة استسلموا، وقبلوني في المدرسة مع أخي ومع أولاد آخرين. كانت دفعتنا متفاوتة الأعمار؛ بعضنا يكبر بعضاً بخمس سنوات تقريباً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> حسناً… في أي سنة تقريباً كان دخولك المدرسة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> أقدّر أنه كان في أكتوبر 1973 تقريباً؛ لأنني أنهيت المرحلة الابتدائية عام 1980. أما تاريخ الميلاد، فإن أردت تقديري، فأظنه بين 1968 أو 1969. أما الأوراق الرسمية فتقول 1966، وهذه قصة أخرى… فبعد أن أنهينا خمس سنوات الابتدائية، وجب علينا اجتياز امتحان إنهاء المرحلة، وكان لا بد أن نذهب إلى المدينة. وفي المدينة لا يُمكن إجراء الامتحان دون وثائق رسمية. ذهب المدير إلى مكتب الحاكم في المدينة، وصنع لنا جميعاً بطاقات ميلاد، وكتب للجميع 1966!<br>كتبها لنا كلّنا، حتى لمن يكبرني بخمس سنوات، وحتى أخي الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث… جميعنا صرنا مواليد 1966! وأنا متأكد أني لم أولد سنة 66، لكن هل هو 67 أو 68 أو 69؟ الله أعلم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> حسناً… دخلتَ المدرسة. ما ذكرياتك عنها؟ وما الذي ميّز هذه المرحلة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> والله كانت المدرسة آية من الجمال. أستاذ المدرسة ومديرها كان هو نفسه إمام المسجد، رجلاً طيب القلب، كريماً، واسع العلم، حافظاً للقرآن، فقيهاً، مفتي القرية، وإمامها، ومدير المدرسة ومعلمها أيضاً… رجلٌ متكامل. كانت تجربة جميلة. وقد تميّزتُ في النحو والإعراب تميزاً خاصاً منذ السنة الأولى والثانية ابتدائية، وهذا جرّني إلى موقف لا أنساه. صححتُ لأستاذي إعراب كلمة. ويبدو أنه انحرج، فلم يقبل التصحيح. لا أدري إن كان هو المدير أم أستاذاً آخر. لكن حين وصلنا السنة الثالثة ابتدائي أصبح لا بد من تعلّم الفرنسية، فجاؤوا بأستاذ للفرنسية، فأصبح لدينا أستاذان تقريباً: أحدهما للفرنسية وبعض المواد، والمدير يدرّس المواد الأخرى. أذكر قصة لطيفة:<br>في كتاب المطالعة كانت قصة عن الإسكندر المقدوني، أنه انهزم في إحدى معاركه، وكاد يبلغ اليأس، ثم جلس تحت صخرة يتأمل مصيره ومصير جيشه، فرأى نملة تحاول رفع حبة، فحاولت سبع مرات أو أكثر حتى نجحت. وكان في الكتاب: «لفتَ نظرَ الإسكندرِ منظرُ نملةٍ…» فقال الأستاذ: أعرب الجملة. فقلت: «لَفَتَ» فعل ماضٍ، و«نَظَرَ» مفعولٌ به. فقال: لا، بل «نظر» فعلٌ ماضٍ أيضاً! فقلت له: لا… فانزعج الأستاذ وسكت. تعلمتُ من ذلك درساً مهماً في حياتي اللاحقة حين أصبحتُ أدرّس: لا ينبغي للأستاذ أن يحرج إذا نبّهه أحد طلابه إلى خطأ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> تميزتَ في الإعراب… فهل كنتَ تحفظ بسهولة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، كانت لديّ في الصغر – والحمد لله – قدرة عجيبة على الحفظ. كنا ندرس في المدرسة، وندرس في المحضرة حفظ القرآن الكريم. وكنتُ أحفظ يومياً ربع حزب، بينما التلاميذ المتميزون كانوا يحفظون ثُمن الحزب فقط، وبعضهم أقل. ولعل ذلك يرجع إلى جينات العائلة؛ فقد أخبرني بعض أهلي لاحقاً أنّ جدّي “محمد” كان يُضرَب به المثل في الحفظ، وأنه حفظ مختصر خليل بن إسحاق – وهو من أمهات الفقه المالكي – في بضعة أشهر، وكانوا يفاخرون به. ويبدو أنني ورثتُ شيئاً من تلك الموهبة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> هذا الحفظ يعيدني قليلاً إلى الوراء… كيف بدأتَ أصلاً التهجّي وقراءة القرآن الكريم؟ ومن درّسك الحرف في بداياتك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> العرف عندنا في القرية أنّ النساء هنّ من يتولين تعليم الأطفال التهجّي في بداياتهم، لا الرجال. وكان في قريتنا شيختان مجتهدتان يعتمد عليهما الطلاب في حفظ القرآن الكريم: إحداهما تسمّى مريم، والثانية عائشة. أنا درستُ عند مريم. وكان لديها أمرٌ لم أرَ أحداً في بلادنا يفعله، لا في قريتنا ولا في موريتانيا كلها: كانت لا تبدأ تعليم التهجّي بنصّ القرآن الكريم، بل تبدأ بـ قصيدة البُردة! فقالت: أنا لا أريد أن يخطئ الأولاد في نطق القرآن الكريم، فلا بد أن يتدرّبوا ويتقنوا القراءة في حفظ البُردة أولاً، ثم بعد ذلك يبدأون بالتجهّز لينطقوا القرآن سليماً. وأول ما كتب في اللوح مع الحروف هو:<br>أمِنْ تذكّرَ جيرانٍ بذي سَلَمٍ<br>مزجْتَ دمْعاً جرى من مقلةٍ بدمِ<br>أمْ هَبَّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ<br>وأومضَ البرقُ في الظلماءِ من إِضمِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> يعني “البردة”<sub><sup>1*</sup></sub> كانت أول نص حفظته في حياتك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong><sub><sup>1*</sup></sub></strong> <sub><strong>البُردة</strong> هي قصيدة مديح نبوي شهيرة للشاعر الإمام البوصيري في القرن السابع الهجري، تُعدّ من أعظم ما قيل في حبّ الرسول ﷺ. اسمها الكامل “الكواكب الدرية في مدح خير البرية”، لكن اشتهرت بـ <em>البردة</em> لأن الشاعر رأى في المنام أن النبي ﷺ ألقى عليه بُردته بعد إنشادها، فشُفي من مرضه.</sub></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، هذا صحيح. وربما كانت البُردة أول نص أحفظه في حياتي، ولا تزال بقايا منها في الذاكرة إلى اليوم، منذ عمر الرابعة تقريباً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> إذن مريم بدأت معك بالأحرف والبُردة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، صحيح. وكان عندها أيضاً تقليد آخر عجيب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> ما هو؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> كان قلبها معلّقاً بحجّ بيت الله الحرام، وكانت تشترط على كل الطلاب والطالبات أن يدعوا لها بتيسير الحجّ كل يوم قبل الانصراف. نحن ندرس في اللوح الخشبي، فإذا أكمل أحدنا واجباته وأراد أن يرجع إلى بيته، لا بد أن يقول لها دعاءً مخصوصاً باللهجة المحلية:<br>«الله يعطينا ويعطيك العافية، ويجيرنا ويجيرك من النار، ويعملْ لك تحي». يعني: يرزقكِ الله العافية، ويجيرك من النار، وييسّر لك سبل الحج. وكان ذلك واجباً يومياً لا تترك أحداً ينصرف بدونه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ولا أنسى اليوم الحزين الذي سافرت فيه هي وزوجها من القرية إلى المدينة في طريقهم إلى الحج. خرجوا فجراً على الحمير من القرية إلى مدينة النعمة، ثم من هناك سافروا بالسيارة إلى أولادهم في دولة ساحل العاج، فقد كانوا تجاراً هناك، ومن ساحل العاج ركبوا الطائرة. وقد تحقّق لها ما تمنّت؛ فقد حجّت وجاورت، ولم تعد.<br>أنت تعرف في تقاليد الحجّ عندنا: بعض الناس يحجّ ويرجع، وبعضهم يقول: «أنا ذاهب للجوار»، أي ليمكث في المدينة. وكان قلبها متعلّقاً بأن تموت مجاورةً في المدينة المنوّرة، وقد عاشَتْ هناك عمراً، وتوفّيت ساجدة في المدينة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> رحمها الله. ويُقال إن آخر كلامها كان “لا إله إلا الله…” حين أراد رجلٌ مساعدتها؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، صحيح… حين رجعت عليها السيارة – ولم ينتبه لها أحد في البداية – وجاء السائق يعدو ليسعفها، قالت له: «لا تَمَسّني… ماك محرِّمني»، أي: لا تلمسني، فأنت لست محرماً لي. وكانت هذه آخر كلمة نطقتها، ثم قالت: «لا إله إلا الله». كانت امرأة عابدة زاهدة عجيبة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> بعد رحيل مريم، انتقلتَ إذن إلى الشيخة عائشة. ماذا درستَ عندها؟ إلى أي حزب مثلاً؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> لا أذكر بالضبط بداية التهجّي معها… لكن الشيخة عائشة كانت تحفظ ستة عشر جزءاً من القرآن الكريم، وتحفظها إتقاناً. ومن لم يُكمل هذه الأجزاء الستة عشر لا يدرس إلا عندها. وكانت مشهورة بالجدّ، والصَّرامة، وقلة النوم، والشراسة أيضاً… وبالضرب! ضربتني مرةً – والنساء عندنا لا يضرِبن بأيديهن، بل بأقدامهن – حتى أُغمي عليّ، ولا أنسى ذلك. لكنّي لم أرَ أحداً مثلها في الإتقان والجدّ، وكأنها تعمل أربعاً وعشرين ساعة. نتركها أحياناً عند منتصف الليل، ونعود قبل الفجر فنجدها مستيقظة. جلستُ عندها سنين أحفظ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> كيف كان برنامجك اليومي في تلك الفترة؟ يبدو أنه كان مرهقاً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> كان برنامجاً عجيباً فعلاً. قبل الفجر نذهب لحفظ القرآن، ونظل نحفظ حتى الساعة 7:30 صباحاً تقريباً. ثم نركض إلى أهلنا لنأخذ إفطاراً سريعاً، ثم نذهب إلى المدرسة. وفي المدرسة من الساعة الثامنة حتى الثانية عشرة. نرتاح قليلاً، ثم نذهب إلى المحضرة للحفظ ساعة أو ساعتين، حتى نسمع جرس المدرسة الساعة الثالثة. النظام كان فرنسياً قديماً: أربع ساعات صباحاً، وساعتان بعد العصر. نخرج من المدرسة قبل الغروب بقليل، ولا يمكن أن يؤذن المغرب إلا ونحن عند الشيخة، ونستمر معها إلى نحو الساعة الثانية عشرة ليلاً. كان مجموع ساعات الدراسة اليومية حوالي 17 إلى 18 ساعة، بين المحضرة والمدرسة. ولا أدري من أين كانت لدينا تلك الطاقة!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> وعندما بلغتَ سورة الإسراء، تخرّجتَ من عند الشيخة عائشة، صحيح؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، صحيح.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> من درّسك بعد ذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي: </strong>درستُ بعد ذلك على شيخين من رجال القرية لفترة، ثم انتقلت إلى شيخي الذي مكثتُ معه طويلاً، وحصلت منه على الإجازة، وهو الشيخ أحمد خليل، في قرية تبعد عن قريتنا نحو 25 أو 30 كيلومتراً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> هذا الرجل يهمّني كثيراً أن تحدثني عنه، لأنه يبدو مربياً استثنائياً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> وهذا صحيح. الشيخ أحمد – أطال الله عمره – ولا يزال حياً إلى اليوم، ويخرج طلاباً ويمنح الإجازات منذ أكثر من خمسين سنة. أول ما يميّزه العبادة؛ فهو صائم الدهر، دائم الصيام في الصحراء القاسية، في السفر والحضر، لا تكاد تراه مفطراً. وقائم الليل، مستحيل أن يفوته قيام الليل سفراً أو حضراً.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي احمد الفال :</strong> وكنتَ تسافر معه؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، سافرت معه على الجِمال، وكانت لنا أسفار عجيبة وغريبة. زوجته كان أهلها بدوا رحّلاً، ونحن أنصاف بدو. فنحن غالب الوقت في القرية، فإذا نقصت المراعي نتحوّل إلى حالة الترحّل. أما هو، فكان يذهب لملاحقة زوجته في الصحراء، وأنا معه على الجمل! وفي إحدى الرحلات – وهي رحلة لا أنساها ما حييت – كنا نسافر صيفاً في صحراء جافة، والشجر إذا يبس لا يُرى في الليل. قد تمر بجانب الشجرة في الظلام فيجرحك الشوك دون أن تراها. كنتُ راكباً خلف الشيخ على الجمل؛ والراكب في الرحل محميّ من الأغصان، أما من يركب خلفه على الكَفَل فسيقاه متدليتان ومعرضتان لكل الشوك. فكان الشوك يجرح ساقيّ حتى تسيل منهما الدماء، وأنا لا أنطق بكلمة واحدة احتراماً للشيخ. وكان الشيخ يقول لي أثناء السفر: «اسمع يا بُنيّ… تذكّر أن هذه النجمة على منكبك الأيمن»، ويهتدي بالنجوم كما كان يفعل العرب الأقدمون… كأنه GPS بدوي أصيل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> يا سلام… وعلاماتهم بالنجمة يهتدون، لأن معالم الصحراء متشابهة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم؛ أحيانًا تضيع كلُّ المعالم فلا تعرف شرقًا من غرب، ولا تميّز الجهات. فيقول لك الشيخ: هذه النجمة هنا، أو هذه النجوم الثلاثة أو الأربعة على منكِبك الأيمن؛ حتى إذا اختلطت عليك الجهات – كما نقول في اللهجة: «إِلى ارْتَبْطُوا رُؤوسْنا» – تتذكر أن هذه النجوم على منكِبك هذا، فلا تفقد البوصلة. وكانت ليلةً شديدة الظلام؛ نبحث ولا ندري أين نجد القوم. والقاعدة في مثل هذا الموقف: إذا عجزتَ عن معرفة الجهة، فاترك للجمل الاجتهاد؛ فالجمل يجد إنسًا عجيبًا؛ يشمّ رائحة الناس أو الحيوانات أو أي شيء، أو يسمع الأصوات من بعيد أكثر مما نسمع. فدعه يقودك؛ فإنه مأمور، مسخَّر، كما نقول.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقال الشيخ: لا سبيل لنا إلا أن نترك الجمل يمشي على راحته. تركناه؛ يمشي مرة في هذا الاتجاه، ومرة في ذاك… وفجأة شممنا رائحة الدخان، فقلنا: انتهت المشكلة، فهذا يعني أن هناك قريةً أو حيًّا قريبًا، وسنصل لا محالة إلى حيٍّ من الأحياء، لا ندري أهو حيُّنا أم غيره. ثم تبيّن في الصباح أنه حيٌّ جميل. حين أصبح الصباح رأى الشيخ الجروح في ساقَيَّ من الشوك، فقد كانت سيقاني مخدوشة كلها. ومع ذلك لم أُحدّثه بالقصة، لأن نظام المحضرة عندنا يقتضي مستوى من التوقير للشيخ لا مثيل له؛ فأنت تخدم الشيخ خدمة مباشرة بيدك، وتُسخَّر له تسخيرًا، وهذا جزء من الأدب معه. هذا هو الشيخ الذي حفظتُ عنده القرآن، وهو الذي منحني الإجازة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:quote –>
<blockquote class=”wp-block-quote”><!– wp:paragraph {“align”:”center”} –>
<p class=”has-text-align-center”><strong>الجُرَيْف قريةٌ موريتانية قرآنيةٌ خالصة؛ لا يكاد يمضي وقتٌ دون أن ينساب صوتُ التلاوة في أرجائها. صِبيةٌ وفتياتٌ، يحفظون كتابَ الله آناء الليل وأطراف النهار، حتى غدا القرآن نَفَسَها الذي تتنفّسه وروحَها التي تحيا بها.</strong></p>
<!– /wp:paragraph –></blockquote>
<!– /wp:quote –>
<!– wp:paragraph –>
<p></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> حسناً… الجُرَيْف التي تحدّثتَ عنها، ما الذي بقي في ذهنك منها؟ وما هي الحكايات التي نشأتَ وأنت تسمعها في تلك البيئة؟ فكل بيئة لها حكاياتها الثقافية التي تتسرّب إلى أذن الطفل وهو يكبر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، هناك ذكريات كثيرة لا أنساها، وأعتقد أنها ساعدت في تشكيل ذاتي. أولاً: الجُرَيْف قريةٌ قرآنية؛ لا يكاد يخلو وقت من سماع الناس يقرؤون القرآن؛ الأولاد والبنات يحفظون القرآن ليل نهار، وهذه ذكرى جميلة جدًّا. ثم هناك محكيات بحكم الجغرافيا؛ وأهمها ما يتعلّق بمقاومة الاستعمار الفرنسي. فعلى بُعد سبعة كيلومترات تقريبًا من قريتنا موضع يسمّى في لهجتنا: «شَلْخَةْ الصَّنَادْرَة». “شلخة” بمعنى شِعب أو وادٍ، و”الصنادرة” تعني الجنود أو العسكر، ولا أدري هل أصل الكلمة من “جنادره” أم من لفظ فرنسي كـ«سولْدات» ونحوها؛ على كل حال تبدو فيها ظلال فرنسية أو تركية. هذا المكان مصدر فخرٍ لنا في القرية؛ لأن أحد قادة مقاومة الاستعمار الفرنسي من منطقتنا، اسمه الشيخ العَبْدَك، أغار على الفرنسيين هناك، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ولا يزال الناس إلى اليوم يتغنّون بأمجاده في أغانٍ شعبية، تحوّل بسببها إلى أيقونة في البادية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>نحن نسكن في السفح، فإذا قلّت المراعي صعدنا إلى الجبل طلبًا للكلأ لدوابّنا. وهذه الجبال هي نفسها التي كان يتحصّن فيها الشيخ العبدك ورفاقه المقاومون. كان الناس يسمّونهم «أهل الكْدِيَّه»؛ أي أهل الجبل، ومن انضمّ إليهم يُقال له: «مِكْدِي»، أي ذهب إلى الكدية وصار مقاوماً في الجبل. نحن نرعى في تلك الجبال، والفتيات يردّدن الأغاني الشعبية الجميلة عن المقاومة، وما زالت تلك الأغاني في ذاكرتي إلى اليوم؛ فهي أغنيات ملحمية في جُرَيْف.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>منها أغنيةٌ تقول في لهجتنا عن خطوط التلغراف:<br>«عَنْكْ يَالسِّلْكْ امْشِي، يَكُولْهَا…عَنْكْ يَالسِّلْكْ امْشِي، يَكُولْهَا…الخُوَيْبَهْ خْلَاتْ، انْقَطَعُولْهَا،إِلَّا بْتِنَاتْ نُولُّولْهَا…»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومعنى الكلام: “ابتعدْ أيها السلك (سلك التلغراف)، فالخُويْبَة – أي القلعة/الموضع – خَلَتْ وانقطع شأنها، وإن بُنِيت من جديد سنعود فنُكرّر الكَرّة عليها”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان الفرنسيون يستعملون سلك التلغراف بين مناطق نفوذهم، وكانت المقاومة تهاجمهم وتقطع هذه الخطوط؛ لتغافلهم إذا أرادت الإغارة عليهم. في إحدى المرات قطعوا خطوط التلغراف في منطقة هي اليوم داخل جمهورية مالي، لكنها ليست بعيدة عنا. كان ذلك الفضاء في نظر المقاومين كله أرضًا للمسلمين هاجمها النصارى؛ هكذا كانت المعادلة في وعيهم. الموضع الذي يتحدثون عنه في الأغنية اسمه الخُوَيْبَة رَأْس الماء أو «خَابْيَة رَأْسْ لْمَا»؛ وسُمّي كذلك لأنه عنده فرع من روافد نهر النيجر يبدأ من هناك، وقد بُنيت لاحقًا بلدة في ذلك الموضع داخل مالي. أغار الشيخ العبدك ورفاقه على الفرنسيين هناك، وقطعوا خطوط التلغراف، وصارت الأغنية تتردّد على افواه الساكنة. فأنت ترى أن الفضاء من حولنا كان فضاءً مشاكسًا على المستعمر منذ القدم؛ وهذه الأغاني الشعبية في جُرَيْف بقيت في خيالي إلى اليوم: منها أغاني المقاومة، ومنها أغاني المديح النبوي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> إذن: الدين والمقاومة… الدين والسياسة من جديد!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، الدين والسياسة معاً. كانت من الأغاني التي نرددها:<br>«عليكْ أَنْوَارْ، يَا النَّبِي… عليكْ أَنْوَارْ… عليكْ أَنْوَارْ فِي كُلْ لَيْلَهْ، وَعْلِيكْ أَنْوَارْ فِي كُلْ نَهَارْ…»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أغانٍ في المديح النبوي جميلة جدًّا؛ تربّينا بها على محبّة رسول الله ﷺ، مع قصيدة البردة، وتربّينا في الوقت نفسه على محبّة المقاومين للاستعمار. الشيخ العبدك كان مجاهدًا عظيمًا، وكان أبوه يقود المقاومة، ومعه أخوه الزُّوَيْن؛ وأبوه اسمه محمد.<br>كبّدوا الاستعمار الفرنسي خسائر فادحة بين سنتي 1911 و1916، وهذه المرحلة الذهبية لمقاومتهم. ثم أُلقِي القبض عليهم، ودُفِع بهم إلى المنفى في دولة ساحل العاج. مات الوالد محمد هناك، وكذلك الأخ الزوين، وبقي الشيخ العبدك؛ حُكِمَ عليه سنواتٍ طويلة – بالسجن المؤبّد أو قريبا منه – ثم أُرجِع بعد ذلك إلى البلاد، وتوفّي في منطقتنا سنة 1958 رحمه الله.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وقد حدّثني خالي رحمه الله – وكان بينه وبين الشيخ العبدك وُدٌّ – عن كيفية هجومهم على قوة فرنسية قرب قريتنا.<br>قال: رصدنا قوةً فرنسية في تلك المنطقة، وتركناهم حتى ارتفع الضحى؛ أخذوا بنادقهم وعلّقوها في الشجر، وهيّأوا الشواء والشاي، وجلسوا يأكلون ويستريحون، فهجمنا عليهم على حين غِرَّة. فكانت معركة خالدة لا يزال صداها وأغانيها يتردّدان إلى اليوم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> هناك شخصية أخرى كانت محورية في نمط تربيتك وتعليمك، سنتوقف عندها، وهي الوالد رحمه الله. أود أن أسمع منك أولاً عن علاقته بالثقافة، ثم عن علاقتك أنت به.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> رحم الله والدي؛ كان شخصية استثنائية. كان تاجرًا، ولم يكن متفرّغًا للعلم طلبًا وتدريسًا، لكنه كان أديبًا بالفطرة، ذا ذاكرة قوية تشبه الذاكرة التي كانت عندي في الصغر. يحفظ كميةً عجيبةً من الشعر العربي؛ لا تكاد تذكر له بيتًا إلا حدّثك عن قائله، وفي أي سياق قاله، وما قصته، كلّ ذلك من كثرة القراءة وسهولة الحفظ. كان زاهدًا، متصوّفًا، أديبًا؛ ومنه أخذتُ محبة الأدب العربي. كانت عنده مكتبة، وكان يحب القراءة، بل مدمنًا عليها. يحكي لنا – ولم أعايش هذه القصة بنفسي، لكن سمعناها منه ومن غيره – أنه اشترى يومًا قطيعًا من الإبل، ثم ساقه بعد مدة وجيزة إلى السوق وباعه. فلامه الناس: لماذا تبيع إبلك؟ فقال: منذ أن اشتريتُ هذه الإبل لم أستطع أن أفتح كتابًا، ولا أن أجد وقتًا للمطالعة، فتيقّنتُ أن الإبل ليست من المال الذي يصلح لي، ولا أنا أصلح لها؛ فبعته، واشتريتُ البقر بدلاً منها!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكان يقول: البقر حيوان أليف، حيوان ثقافي، حيوان طيب يمكن أن تقرأ معه وأنت مرتاح؛ أما الإبل فكل يوم لها ضالة، وأخبار، ومطاردة، ومشكلات. كان يحب القراءة حبًّا جمًّا، ومن الكتب التي كان مدمنًا عليها: «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي – الغزالي دانشمند كما يُلقَّب – وكتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»، وكتاب «الغزوات» للبدوي، وكتب أخرى عرفتها وألفتها وأحببتها منذ الصغر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومن الكتب التي بقيت معي إلى اليوم مقامات الحريري <sup>2*</sup>؛ فقد حفظتُ على والدي كثيرًا من المقامات وأنا صغير جدًّا؛ وبقيت في ذاكرتي قصص جميلة ونحن نقرأ معًا المقامات، ونتضاحك من مغامرات أبي زيد السروجي: يكون واعظًا أحيانًا، ومحتالاً أحيانًا أخرى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><sup>2 *</sup><strong> </strong><sub><strong>مقامات الحريري</strong>: مجموعة قصص أدبية بليغة، تقوم على السرد والحيلة والبلاغة، كتبها الحريري البصري في أوائل القرن السادس الهجري، وتحديدًا نحو سنة 504هـ / 1110م تقريبًا، وهي السنة التي فرغ فيها الحريري من صياغة المقامة الأولى قبل أن يُتمّ مجموعته المشهورة.، وتُعَدّ من أرقى نماذج النثر العربي في عصره. </sub></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والمقامات نصٌّ عجيب في جمال الألفاظ، وهو من أهم وسائل بناء الرصيد اللغوي. وتعرف أن من تقاليدنا أن يحفظ الطالبُ واحدًا من النصوص التأسيسية: إمّا ديوان المتنبي، أو ديوان غيلان، أو دواوين الجاهليين، أو مقامات الحريري. وكان من حظّي أن يكون نصّي التأسيسي هو المقامات، وهذا من فضائل والدي عليَّ، رحمه الله.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> أنا عندي سؤال في موضوع المقامات: لماذا كنتَ تقرؤها على والدك؟ فأبي – رحمة الله عليه – كان يفعل الشيء نفسه؛ يطلب مني أن أقرأ عليه المقامات. هل كان الهدف أن يستمتع هو بسماعها، أم كان هدفًا تربويًّا لنا نحن الأبناء؟ هل كان يريد أن يعرّفك ويربطك بالنصوص المؤسسة أم كان هو يحب أن يسمعها فحسب؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> أظنّ الأمرين معًا. هو بلا شك كان يستمتع بسماعها، وهذا واضح من طريقته وهو يصغي إليّ، لكن الغاية الأساسية أنه أراد أن يدرّبني على اكتساب تلك المفردات الثقيلة الجميلة المشحونة في كتاب المقامات. مقامات الحريري هو الكتاب الذي قال فيه الزمخشري: «أقسم بالله وآياته، ومنسك الحج وميقاته، إنَّ الحريريَّ حَرِيٌّ بأن تُكتب بالتِّبْرِ (الذَّهَب الخالص) مقاماتُه.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:quote –>
<blockquote class=”wp-block-quote”><!– wp:paragraph {“align”:”center”} –>
<p class=”has-text-align-center”><strong> الرجل الذي لا يُعير كتبه للناس غبي، ولكنَّ الأغبى منه هو الذي يُعيدها بعد استعارتها! </strong></p>
<!– /wp:paragraph –></blockquote>
<!– /wp:quote –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ا<strong>لصحفي أحمد فال:</strong> <mark style=”background-color:rgba(0, 0, 0, 0)” class=”has-inline-color has-luminous-vivid-orange-color”>شهادة من شيخ البلاغيين، إي والله، الزمخشري نفسه. فهو كتاب من أعجب ما يكون، وقد بقيت المقامات معي طيلة حياتي ولا تزال أثرًا مهمًّا في تكويني، بل اكتشفت بعض أبعادها ومعانيها بعد زمن طويل، وسنأتي إلى ذلك لاحقًا إن شاء الله.</mark> ذكرتَ علاقة والدك بالكتب، وأنه باع إبله من أجل المطالعة. كيف كان تعامله مع الكتاب نفسه؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> كان حريصًا على الكتب إلى حدّ القداسة تقريبًا، ولا يعير كتابًا قط. أما أنا فأُخالفه في هذا؛ أعير كتبي للناس، لكن الوالد لم يكن يعير أحدًا كتابًا. وقد فهمتُ رأيه لاحقًا عبر عبارة سمعتُها من أحد الأمريكيين بعد سنين طويلة، يقول فيها: «الرجل الذي لا يُعير كتبه للناس غبي، ولكنَّ الأغبى منه هو الذي يُعيدها بعد استعارتها!» أما والدي، فكان يرى الكتب شيئًا مقدّسًا لا يُعرى. ومن الطريف أنه علّمني نصًّا من سيرة العلّامة مَمُّو للعلامة يحظيه – النص الشهير – يقول فيه: «ولا يصونُ كتبَهُ عن طالِبِ وليس دونَ بابِهِ من حاجِبِ» أي: أن الكريم لا يمنع كتبه عن طلاب العلم، ولا يجعل على بابه حاجبًا.<br>لكن هو نفسه لا يُعير كتابًا! ذات مرة، أحد التجار – وهو صديق حميم عزيز عليه – طلب منه أن يعيره كتابًا، فقال له الوالد:<br>”أنت تعلم أني لا أعير كتبي، لكن إن شئتَ وهبتُه لك”. فقال التاجر مازحًا: “نعم، هَبْه لي!”، وأخذ الكتاب. وبعد يوم أو يومين عاد التاجر وقال له: “يا مختار، سامحني؛ لقد أسأتُ الظنّ بك حين غضبتَ من إعارة الكتاب، لكني الآن عذرتك”. قال له الوالد: “كيف؟” قال: “الكتاب الذي أخذته منك نزل المطر على البيت، وسال السقف، وضاع الكتاب في الماء؛ لا أدري أكان جزءًا من الإصابة لابن حجر أم غيره (يرد هنا <strong>مزاحًا</strong> ليخفف من وقع الخبر على الشيخ المختار، لأن الشيخ كان شديد الحرص على كتبه)”. فازداد اقتناع الوالد أنه لا يُعير كتبه لأحد أبدًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> في هذه البيئة التي وصفتَها، أظن أن الوالد ذهب في رحلة حجّ برًّا، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> ذهب مرتين؛ مرةً برًّا ولم يَصِل، ومرةً جوًّا. المحاولة الأولى كانت قبل ولادتي بمدة؛<br>كان الوالد يتاجر بين موريتانيا ومالي بحكم أننا في منطقة حدودية، فالتقى في مالي بقافلةٍ من قوافل الحجاج، فقرّر أن يصحبهم. وكانت في القافلة امرأة من قومٍ آخرين، فتزوّجها، وهي زوجته الأولى، اسمها مريم. خطبها، فقالت له:<br>”أشترط عليك أنني لن أتخلف عن قافلة الحج؛ إن أردت الزواج بي فتعال معي، لكن لن أنتظرك يومًا واحدًا”. فتزوّجها وسافر معها قليلًا، ثم شغلته التجارة وتعطّل، فاستمرّت هي مع القافلة، وكأنها طلّقته عمليًّا وواصلت طريق الحج. كانت القوافل تمرّ بمالي، ثم النيجر، ثم تشاد، ثم السودان، ومن هناك يقطعون البحر الأحمر إلى الحجاز. وفي السودان وُلِدت أختي الكبرى غير الشقيقة زينب، في يوم استقلال السودان، فهي والسودان توأمان تقريبًا؛ عام 1956، في الخرطوم. والأعجب من ذلك أن أمَّها كانت قريبةً لمحمد صالح الشنقيطي – إحدى الشخصيات السياسية المهمّة في السودان، ورئيس البرلمان المعروف فيما بعد.<br>أكرمهم محمد صالح الشنقيطي إكرامًا عجيبًا؛ كانت أختي تحكي لنا أن أمّها قالت: كان يزورنا دائمًا مع زوجتيه؛ لا يأتي إلا بهما معًا إكرامًا لنا. ثم أصرّ أن تسافر الأمّ وابنتها زينب إلى جدة جوًّا، وكان السفر بالطائرة عام 56 أمرًا ليس هيّنًا. أصرّ على ذلك، وحملهما في الطائرة من الخرطوم إلى جدة، فذهبتا جوًّا بحمد الله، وعاشتا بقية العمر هناك في الحجاز. وكان الوالد إذا زار السعودية في عمرة أو حج أو غير ذلك، يذهب لزيارتهما في البيت.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه كانت المحاولة الأولى للحج. أما المحاولة الثانية فكانت أيضًا بالطائرة، في الخمسينيات تقريبًا، حجّ فيها وعاد، وتمّت له فريضة الحج بحمد الله.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> ما الذي تذكره من مواقفك الخاصة مع الوالد، قبل أن نتركه وننتقل إلى فقرة أخرى؟ مواقف فارقة ارتبطت في ذهنك وكان لها دور محوري في حياتك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> الوالد – رحمه الله – كان لي معه علاقة خاصة جدًّا، خصوصًا حين كنت أُحضّر للسنة السادسة ابتدائي. انتقلتُ إلى المدينة، وسكنت معه؛ لأنه كان يسكن في مدينة النعمة بحكم تجارته، ونحن في قرية الجُرَيف. كانت تلك تقريبًا السنة الوحيدة التي جلست فيها معه أنا وأخي – رحمه الله – لنحضّر امتحان الابتدائية، فكنّا معه حصرًا، فتعمّقت صلتي به كثيرًا. واصلت قراءة كتب الأدب، وهو يحب أن أقرأها عليه؛ ربما ليتسلّى بها، وربما ليشجّعني على القراءة. ومن المواقف الظريفة: كنتُ أقرأ عليه بعض شعر ابن الرومي، ووصلتُ إلى قصيدته التي يرثي فيها ابنه الأوسط:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«بُكاؤُكما يُشفِي وإن كان لا يُجدي…..فقد أودى نظيرُكما عندي<br>أقاتلُ اللهُ المنايا ورَمْيَها…..من القومِ حَبّاتِ القلوبِ على عَمْدِ<br>تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوسَطَ صِبْيَةٍ…….فللهِ كيفَ اختارَ واسطةَ العِقدِ…»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إلخ القصيدة. ما إن قرأتُ المقطع الأول حتى قال الوالد بلهجتنا: «كافيك يا وْلِيدِي، كافيك يا وْلِيدِي»، اي: حسبك يا بُني، يكفي. لم أفهم السبب في البداية، ثم التفتُّ فإذا به يبكي. سألت نفسي: ما القصة؟ كنتُ آنذاك في السنة السادسة ابتدائي، عمري نحو 11 سنة. أخذتُ الكتاب، وقلت: دعني أرى ما وراء القصيدة. قرأتُ أنها رثاءٌ لابنٍ أوسط، مات صغيرًا، وكان أبوه يحبه حبًّا جمًّا، فبكى عليه هذا البكاء المرّ في قصيدة بديعة. ثم قلت: وما الذي أبكى أبي؟<br>فتذكّرت أننا تسعة من الأولاد الأشقاء، وأنا في منتصفهم تمامًا؛ أكبر منّي ولدان وبنتان، وأصغر منّي ولدان وبنتان؛ أنا رقم خمسة من تسعة، أي “الولد الأوسط” حرفيًّا. ففهمتُ كيف تماهى أبي مع مأساة ابن الرومي، وكأنه تشاءم من القصيدة وما تحمل من معانٍ، فطلب مني أن أكفّ عن قراءتها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه كانت من طرائف الأدب التي عشتها معه. وهناك طرائف أخرى “تُطوى ولا تُروى”… أو هكذا يُقال! لكن سأروي لك واحدة منها لأننا في حكايات إفريقية (يبتسم). مرّةً أرسلتُ له رسالة وأنا أُحضّر الشهادة الثانوية – مع أني لم أدرس الثانوية دراسة نظامية، بل ترشحت لها لاحقًا – أرسلتها مع خالتي، أطلب منه فيها أن يزوجني! هذه – كما يقال – من القصص التي تُطوى ولا تُروى، لكنها صارت تُروى الآن (يضحك).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>رجعت خالتي وهي تضحك ومعها الرسالة، وقالت: “أبوك جاءني وهو يضحك، وقال لي: ابن أختك يريد أن يتزوج!”، وضحك هو وهي. ثم كتب أبياتًا على ظهر الرسالة، وأعطاها لها، وقال: “أعطيه هذه”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وصلتني الرسالة، وعلى ظهرها هذه الأبيات:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph {“style”:{“elements”:{“link”:{“color”:{“text”:”var:preset|color|vivid-red”}}}},”backgroundColor”:”white”,”textColor”:”vivid-red”,”fontSize”:”medium”} –>
<p class=”has-vivid-red-color has-white-background-color has-text-color has-background has-link-color has-medium-font-size”>«وكنتَ إذا أرسلتَ طرفَكَ رائدًا<br>لنفسِكَ يومًا، أتعبتْكَ المناظِرُ<br>رأيتَ الذي ما كلُّهُ أنتَ قادرٌ<br>عليه، ولا عن بعضِهِ أنتَ صابرُ<br>وإيّاكَ والأمرَ الذي إنْ تَوَسَّعَتْ<br>مَواردُهُ، ضاقَتْ عليكَ المَصادِرُ»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يعني: إذا أطلقتَ بصرك رائدًا لشهوتك، أتعبتك المناظر، ورأيت ما لا تقدر عليه، ولا تصبر عن بعضه، فإيّاك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره! نصيحة شاعرية رفيعة، أراد بها أن يقول لي بلطف: اصبر يا بُني، فليس الآن وقت الزواج.<br><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> يا سلام، يا سلام… إذن هذه الرسالة كانت واضحة: والدك يقول لك فيها إنك لستَ جاهزًا للزواج، فاسترح واصبر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، بالضبط. كانت رسالة لطيفة يقول لي فيها بلغة الشعر: “لستَ مهيَّأً بعدُ للزواج، فاصبر”. وكانت من الطرائف الجميلة في علاقتي معه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> حسنًا… دخلتَ المدرسة، حفظتَ القرآن، واندملتَ في الدراسة، وتميّزتَ في النحو والحفظ وغير ذلك. لكن بعد ذلك وقع حادث مهم، هو أنك – بقرار شخصي – قررتَ “الهرب” من المدرسة إن جاز التعبير. ما القصّة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> نعم، هربتُ من المدرسة إلى المحظرة، ثم هربتُ من المحظرة أيضًا! حكايتي مع الهرب معروفة؛ شيء من التمرّد على المدرسة، بعد أن نجحتُ في امتحان السنة السادسة ابتدائي ودخلتُ الإعدادية، من اليوم الأول لم أفهم شيئًا اسمه “الرياضيات”. كانت بالنسبة لي طلاسم في طلاسم. حين انتقلوا بنا من الحساب البسيط إلى المعادلات، شعرتُ بالصدمة. كانت تلك بداية تعريب التعليم في موريتانيا أو تكثيفه، تقريبًا سنة 1980؛ الكتب تأتي من العراق، وبعض المدرسين من مصر وسوريا، وبعضهم موريتانيون. نصيبنا في الرياضيات كان أستاذًا مصريًّا طيبًا محترمًا؛ هو يدرّس الرياضيات، وزوجته تدرّس العلوم. بدأ يكتب على السبورة: س زائد ص، س زائد ص… أنا أعرف خمسة زائد خمسة تساوي عشرة، لكن س زائد ص لم أفهم منها شيئًا من أول درس. جلستُ في الإعدادية ربما شهرًا واحدًا، ثم هربتُ من المدرسة، ورفضتُ متابعة الدراسة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> وحين لاحظتَ أن أهلك غير مرتاحين من تركك للدراسة، ماذا فعلت؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> حين شعرتُ أن أهلي غير راضين، هربتُ من موريتانيا كلها! كان عمري آنذاك حوالي اثنتي عشرة سنة. ربما يستغرب الناس هذا، لكنني وجدتُ سيارةً في السوق فيها بعض أهل قريتنا مسافرين إلى دولة ساحل العاج – مسافة تقارب ثلاثة أو أربعة آلاف كيلومتر – فصعدتُ معهم في السيارة ببساطة. سألتهم: إلى أين أنتم ذاهبون؟ قالوا بلهجتنا: “رايحين كَلْدْوَار” – أي “كوت ديفوار”، ساحل العاج. قفزتُ معهم في السيارة والسلام، وهم يعرفونني ويعرفون أهلي، فالأمر عادي. لم يكن معي حتى ثمن الرحلة، فقلتُ لأحدهم: “هل يمكنك أن تدفع عني أجرة السفر؟”<br>فقال: نعم، عنده. فاعتمدتُ على قرابتي بهم وذهبتُ معهم إلى ساحل العاج.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> وماذا كان في ذهنك؟ ماذا تريد بالضبط؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> كان في ذهني أن شيئًا اسمه الدراسة لا أصلح له مطلقًا. تحطّمت معنوياتي تمامًا بسبب “س زائد ص”! كنتُ متعوّدًا على التفوّق وإتقان ما أدرسه، لكن صدمتني الرياضيات على يد الأستاذ – أذكره بخير – فكرهتُ المدرسة كلها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> هل تذكر اسم الأستاذ كاملًا؟ لعلّه يشاهدنا!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> إن لم تخني الذاكرة فاسمه مجدي أمين. وأذكر اسم زوجته أيضًا؛ فقد وقعت لنا معها قصة طريفة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> هذه القصة لا بد أن نسمعها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> سألناه مرة عن اسم زوجته، فقال: “اسمها مذكور في القرآن الكريم”. فبدأ الطلاب يبحثون في أذهانهم عن الأسماء: مريم؟ قال: لا، ليست مريم. اسمها في القرآن، لكنهم لم يصيبوا. كان بيننا طالب مشاغب قريبٌ لي، فقال للأستاذ: “أستاذ، يمكن اسمها حَمّالَة الحطب!” فغضب الأستاذ غضبًا شديدًا، وطرده من الفصل. لكن لأن هذا الطالب كان صاحب روح فكاهية، والطلاب يحبونه، خرجتْ المدرسة كلُّها تقريبًا في نوع من “الاحتجاج” تضامنًا معه، وأصبحت أزمة صغيرة في المدرسة. بعد ذلك قال لنا الأستاذ: اسمها “هُدى” – أو أظن “بُشرى” – أي كلمة وردت في القرآن، لكنها ليست اسم علمٍ لامرأة بعينها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> جميل… نعود إلى رحلتك في ساحل العاج.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> وصلتُ إلى ساحل العاج، وذهبتُ إلى خالٍ لي هناك تاجر. قلتُ له: أريد أن أعمل معك في التجارة. فرح بي كثيرًا؛ أولاً لأني أعرف الحساب، فقد درستُ الابتدائية، وقليل من أهل القرية من درسها أصلاً، وثانيًا لأن عندي مستوى جيدًا في اللغة الفرنسية، وهي لغة التعامل في ساحل العاج. فعدّني شخصًا مثاليًّا لأكون مساعدًا له في الدكان، يكلّفني بالمهام التجارية. لكنني خيّبتُ ظنّه… ذات يوم جاء فوجدني أتشاجر مع إحدى الزبونات بالخبز الفرنسي الطويل – “الباغيت” – وقد حوّلته إلى عصا أضربها به! القصة أن امرأة كبيرة في السن دخلت، فقلت لها بالفرنسية:<br>”Bonjour mademoiselle” – صباح الخير يا آنسة. فغضبت وقالت: “لا، لستُ آنسة، أنا madame!” هي تعتبر نفسها سيدة متزوجة، لا “آنسة”. تطوّر النقاش بيننا حول “مادام” و”مادموازيل”، ثم رمت عليّ شيئًا، فأخذتُ أنا الخبز وضربتُها به، فضربتني هي أيضًا! دخل خالي علينا ونحن نتضارب بالخبز، ففهم أن هذا الفتى سيُفسد عليه تجارته، وقال: “هذا ليس تاجرًا!” وغضب وعاتبني. فلما عاتبني، خرجتْ التجارة من قلبي تمامًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> وماذا فعلت بعد ذلك في ساحل العاج؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي:</strong> هجوتُ ساحل العاج بأبياتٍ من الشعر كانت من أوائل ما كتبتُ، أقول فيها: «ساحِلُ العاجِ ما إليهِ معاجي…ومقامي، ولا لدَيهِ رواجِي» أدركتُ أن “رواجي” ليس في التجارة هناك. ثم كانت نعمة عظيمة أن عدتُ إلى أهلي، وذهبتُ إلى المحظرة من جديد لأستكمل دراسة القرآن الكريم، للاتقان والحصول على الإجازة مع الشيخ أحمد خليل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>انتهى الجزء الثاني من الحوار</strong></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الصحفي أحمد فال:</strong> هنا أود أن أسمع منك شيئًا: أنت الآن تقريبًا دخلتَ مرحلة المراهقة وتجاوزتها، حفظتَ القرآن الكريم عند الشيخ أحمد الخليل، حصلتَ على الإجازة، أتممتَ الشهادة الابتدائية، لديك مستوى ثقافي متين بالعربية من الوالد، ولديك علاقة ما بالثقافة الفرنسية أيضًا. متى بدأت بواكير الوعي الثقافي عندك في هذه المرحلة، قبل أن نذهب إلى الثانوية العامة والبكالوريا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>في الحقيقة لم يكن عندي “وعي ثقافي” بالمعنى الواسع؛ كان كل ما لدي هو الدراسة التقليدية في المحظرة:<br>المتون في الفقه المالكي، والنحو، وعلوم القراءات – ليس القراءات السبع كلها، بل قراءة الإمام نافع، وهي المتداولة في المغرب العربي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>منها مثلاً نظم «دُرَر اللَّوَامِع في مقرأ الإمام نافع»، وما يتصل به من شروح وحواشٍ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن المشكلة أنني أتعبتُ والدي أيضًا بالهروب؛ فقد هربتُ مرة أخرى من المحظرة!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>هكذا إذن… هارب محترف! ما الذي حدث هذه المرة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، يمكن أن أسمَّى “هاربًا محترفًا”!<br>تعبتُ من الغربة؛ عمري كان تقريبًا اثنتي عشرة سنة، والقرية التي أدرس فيها ليست قرية أهلي، فقلت: يكفيني من الدراسة، وقررتُ أن أعود إلى قريتنا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>خرجتُ من قرية الشيخ إلى قريتنا الجُرَيْف.<br>لم أكن أتوقع أن أجد الوالد موجودًا، لأنه يقضي أغلب وقته في المدينة، لكنني حين وصلت وجدته في البيت.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قال لي: من الذي جاء بك؟<br>قلت: قررتُ أن أترك الدراسة.<br>فقال: “خلاص، تعال…”؛ ولم يتركني أجلس!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كنتُ قد مشيتُ حوالي ثلاثين كيلومترًا من قرية الشيخ إلى قريتنا، مشيًا على الأقدام؛ أخرج صباحًا وأصل قبيل العصر، وهي مسافة معتادة لكنّها رحلة شاقة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>مع ذلك، لم يسمح لي أن أبقى؛ أخذني فورًا راجعًا إلى الشيخ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>والدك لا يضرب، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، الوالد لا يضرب أبدًا؛ لا يمدّ يده، بل يكتفي بالعتاب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ونحن في طريق العودة مررنا بقوم يعرفون الوالد، فأكرمونا، وأقسموا ألا يغادر إلا راكبًا بعيرًا من إبلهم؛ ألزموه أن يأخذ جملاً يبلّغنا به ثم يعيده.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ركبنا الجمل، وركبتُ معه وهو راجع بي إلى الشيخ.<br>كان الوالد يحب شعر المتنبي، ويحفظ منه كمية هائلة.<br>وبينما نحن على ظهر الجمل يعاتبني على هروبي، قال لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«ولم أرَ من عيوبِ الناسِ عيبًا<br>كنقصِ القادرينَ على التَّمامِ»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يوجّهها إليّ مباشرةً: أنت قادر، لكنك تقصِّر عن التمام بالهرب وترك الدراسة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحوار (7) — متابعة الحوار بين الصحفي أحمد فال والضيف د. محمد المختار الشنقيطي<br>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>يا سلام… وكان الوالد يقول: أنت قادر على أن تكمل دراستك، وعيب أن تتركها. فبدأ يعظني بشعر المتنبي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أرجعني إلى الشيخ، لكن لا شعر المتنبي ولا مواعظ الوالد نفعوا.<br>في صباح اليوم التالي، والوالد ما يزال في قرية الشيخ، هربتُ مرة أخرى ورجعت إلى قريتنا “الجُرَيف”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>عند الظهر اكتشفوا أنّي غير موجود، فاستنفر الوالد والشيخ معًا وخرجا يطاردانني؛ كان الجو صيفًا وريح “السَّموم” شديدة، وخافا أن أموت عطشًا؛ فالناس تهلك في الصيف إذا ضلّت الطريق.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>طارداني حتى أمسكاني في منتصف الطريق.<br>عندها قال الوالد للشيخ:<br>”هو لن يعود معك. دعه يرجع بسلامة الله، وأنا أعاهد الله أني لا أُكرهه على شيء بعد اليوم”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الوالد فهمني تمامًا؛ فهم أنّي إذا أُجبرتُ على شيء فلن أقبله، ووفى بعهده حتى توفاه الله.<br>تركني بعدها على سجيّتي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تركتُ المحظرة فترة، ثم رجعتُ إليها اختيارًا وبرغبة مني.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>إذن كنت تحتاج فقط إلى إجازة، لا إلى ترك دائم؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>بالضبط… كنت فقط أحتاج إلى قليل من الراحة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومن محاسن المحظرة – التي أذكرها دائمًا – أنها مؤسسة قائمة على الحرّيّة.<br>تدرس ما تريد، في الوقت الذي تريد، وبحسب قدرتك الاستيعابية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قد أحفظ أنا ربعًا من القرآن في اليوم، وصديقي يحفظ ثُمُنًا، وآخر يحفظ نصف الثمن، وثالث يحفظ خمسة أسطر فقط.<br>كلٌّ على قدرته، ولا أحد يؤخّر الآخر.<br>هذه المرونة مريحة جدًّا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>بعد هذه المرحلة نصل إلى مرحلة حاسمة في تكوينك: ذهابك لتحضير الشهادة الثانوية العامة (الباكالوريا)، حيث ستتعرف على عوالم ثقافية جديدة. حدّثنا عن هذه المرحلة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>قدّمتُ للثانوية العامة.<br>النظام في موريتانيا كان يسمح بالترشّح الحرّ للثانوية، مراعاةً للذين انقطعوا عن الدراسة أو درسوا في المحظرة، وعددهم كبير.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والتعليم الرسمي كان ضعيفًا، لا يستوعب الجميع.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ترشّحتُ للثانوية العامة الأدبية، وحصلتُ عليها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأهم ما اكتسبته منها: اكتشاف الأدب المعاصر.<br>كنتُ أظن أن الأدب هو:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>شعر المتنبي،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أو مقامات الحريري بشرح الشريشي،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أو شعراء العصر الأموي والعباسي…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذا كان الأدب في ذهني.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن حين حضرتُ للثانوية اكتشفتُ الرومانسيين العرب المعاصرين، وكان اكتشافًا ممتعًا جدًّا.<br>أُعجبتُ بإيليا أبو ماضي، وبقاسم الشابي، وبشعراء المهجر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وما الذي أعجبك في إيليا أبو ماضي؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أعجبتني فلسفته في الحياة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إيليا أبو ماضي – في رأيي – لم أرَ أديبًا ولا فيلسوفًا جمع بين الشكّ والتفاؤل كما جمعهما هو.<br>وصفه أحد الأدباء بأنه شاعر التساؤل والتفاؤل.<br>نعم، هو شاعر شكّ، لكنه أيضًا متصالح مع حياته، متفائل، وداعٍ إلى الفرح.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قصيدته الشهيرة الطلاسم…<br>”جئتُ لا أعرف من أين… إلى آخره”<br>قصيدة “اللا أدريات” كما يُسمّيها البعض.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم عنده هذه النزعة الإنسانية الجميلة:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”ولقد نظرتُ إلى الحمامةِ في الرُّبى<br>فعجبتُ من حالِ الأنامِ وحالِها<br>تشدو وصائدُها يمدّ لها الردى<br>عجبٌ لمُحسنِها إلى مُغتالِها”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأيضًا:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”كم تشتكي وتقول إنك معدم؟<br>والأرضُ ملكُكَ والسماءُ والأنجمُ…”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تفاؤله هذا أسرني.<br>وربما أثّر فيّ لأني عشتُ فترة شكٍّ شخصيّة في حياتي، فأحببت منه القدرة على تجاوز الشك بالتسامح والضياء.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وماذا عن الشابي؟ يبدو أن علاقتك به أعمق.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أعمق بكثير…<br>ولعتُ بالشابي لدرجة أنني حفظتُ ديوانه كله تقريبًا وأنا أحضّر للثانوية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تماهَيتُ معه، وأحببته حبًّا شديدًا.<br>وانشغلتُ بديوانه عن بقية البرنامج الدراسي!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان ذلك في منتصف الثمانينيات: 1983 – 1984.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كما أفدتُ كثيرًا من النقد الأدبي الحديث:<br>العقّاد، والسيد قطب تحديدًا.<br>أحببتُهما جدًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>السيد قطب؟ دخلتَ إليه من باب الأدب لا الفكر الإسلامي؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم.<br>الناس يأتون إلى سيد قطب من باب الفكر الإسلامي، أما أنا فدخلت إليه من باب النقد الأدبي:<br>من كتابيه:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«النقد الأدبي: أصوله ومناهجه»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«كتب وشخصيات»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ووجدت أن حاسته النقدية للشعر العربي نادرة جدًّا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>بعد نجاحك في الباكالوريا، دخلتَ عالمًا آخر: الجامعة، المعهد العالي، ومعهد ابن عباس. كيف جمعت بين ثلاث مؤسسات جامعية في الوقت نفسه؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>دخلتُ الجامعة بروح المحظرة:<br>روح النَّهَم للعلم، والرغبة في دراسة كل شيء.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في المحظرة لا يوجد شيء اسمه “تخصص”.<br>أنت مطالب بأن تدرس كل العلوم، فيُخلَق داخلك شغفٌ واسع.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هكذا كنتُ:<br>سجّلتُ في ثلاث جامعات في الوقت نفسه:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>معهد ابن عباس، وأكملت منه الدراسة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قسم الترجمة في جامعة نواكشوط.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان نهمًا واضحًا، ورغبة حقيقية في التعلم بلا حدود.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحوار (8) — متابعة الحوار بين الصحفي أحمد فال والضيف د. محمد المختار الشنقيطي<br>الصحفي أحمد فال:<br>تعالَ نأخذها خطوة خطوة…<br>معهد ابن عباس: دخلتَه بمسابقة، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، دخلته بمسابقة.<br>معهد ابن عباس كان يشترط شرطين:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أن يكون المترشّح حافظًا للقرآن الكريم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأن ينجح في المسابقة التحريرية والشفهية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ودخلته قبل أن أحصل على الثانوية العامة أصلًا؛ لأنه لم يكن يشترطها.<br>ثم حصلتُ على الثانوية العامة بعد ذلك بسنة تقريبًا وأنا طالب فيه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حينئذٍ سجّلتُ في جامعة نواكشوط – قسم الترجمة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>لماذا اخترتَ الترجمة؟ رجل قادم من المحظرة، توقعتُ أن تختار الشريعة أو العربية مثلًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>الحق أنني لم أَخْتَر الترجمة بنفسي؛ هذا قرار اتخذه أخونا أبو إبراهيم محمد المختار الخليل – مدير “مركز الجزيرة للدراسات” اليوم – دون علمي!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>كيف اتخذ القرار عنك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>كنتُ مع عمي – رحمه الله – مقيماً معه في المستشفى، وأبو إبراهيم هو الذي كان يزورنا لأنني كنتُ مشغولًا بخدمة العم.<br>قلت له: “هذا ملفي، سجّلني في جامعة نواكشوط في قسم الفلسفة”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كنتُ مولعًا بالفلسفة في تلك الفترة؛ قرأتُ كتبًا كثيرة في الفلسفة في المركز الثقافي السوري والمركز الثقافي المصري في نواكشوط، وأذكر منها سلسلة عبد الرحمن بدوي الطويلة «خلاصة الفكر الأوروبي» وغيرها، وتعرّفت من خلالها على نيتشه وشوبنهاور وغيرهما من الفلاسفة الذين كتب عنهم بدوي وسواه، فأحببتُ الفلسفة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ذهب أبو إبراهيم ليسجّلني في قسم الفلسفة، فالتقى بصديقٍ له هناك، فقال له الصديق:<br>”يا أخي، عندنا قسم جديد نبحث له عن طلاب ولا نجد: قسم الترجمة؛ نشترط في الطالب أن تكون درجته جيدة في العربية والفرنسية معًا، ولم يَعُد لدينا طلاب يجمعون بين اللغتين”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكانت درجتي في الفرنسية أعلى من درجتي في العربية في الثانوية العامة.<br>فقال أبو إبراهيم: “اسمح لي أن أسجله في قسم الترجمة”.<br>فقالوا له: “توكّل”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فسجّلني في قسم الترجمة دون أن يرجع إليّ.<br>ثم عاد وقال لي: “أنا سجّلت لك في قسم الترجمة”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>يا سلام عليك يا أبا إبراهيم! صاحب قرار حاسم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، أبو إبراهيم من أهل الحزم في القرارات (يبتسم).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>إذن سُجِّلت في قسم الترجمة. ما طبيعة الدراسة فيه؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>في قسم الترجمة كان كل الطلاب مُلزَمين بالتدرب على الترجمة بين العربية والفرنسية، مع لغة ثالثة يختارها القسم: إمّا الإنجليزية، أو الإسبانية، أو الروسية، أو الصينية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وُضِعتُ أنا في مجموعة اللغة الروسية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>هم اختاروا لك، أم أنت اخترت الروسية؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>هم الذين وزّعوا الطلاب؛ قالوا: أنت صيني، أنت روسي، وهكذا… لم أُخَيَّر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكان ذلك قبل سقوط الاتحاد السوفيتي؛ تقريبًا في أكتوبر 1987.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>كيف كان وضعك مع هذه اللغات الثلاث: العربية، الفرنسية، الروسية؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>العربية ليست مشكلة،<br>والفرنسية كنت أحتاج إلى تقوية فيها، لأني درستها في الابتدائية وانقطعت،<br>أما الروسية فلم أكن أعرف عنها شيئًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكنني تميّزت في اللغة الروسية؛ عكفت عليها وأحببتها، وفككتُ حروفها بسهولة، والحمد لله – ليست مثل س + ص في الرياضيات!<br>أنا أصلًا أتعلم اللغات بسهولة، ولله الحمد.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تميزتُ في الروسية، وبدأتُ حتى أحفظ شيئًا من شعرها، والأهم من ذلك أنني شُغِفتُ بالأدب الروسي خلال سنتَي دراستي للروسية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>كيف تعلّقتَ بالأدب الروسي تحديدًا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>كانت أستاذتنا الروسية اسمها مايا ألكسيفنا، تُرافقنا إلى المركز الثقافي السوفيتي في نواكشوط لنقرأ الكتب هناك، وهناك اكتشفتُ أعلام الأدب الروسي الكلاسيكي بترجمات عربية وفرنسية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>دخلتُ عالم الأدب الروسي، وانغمست فيه؛<br>قرأتُه مترجمًا طبعًا، فاللغة الروسية لم تَسَعْفني لقراءة النصوص الأصلية مباشرة، لكن الترجمات كانت ممتازة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>ما أبرز الترجمات والنصوص والشخصيات الروسية التي أثّرت فيك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أبدع من رأيتُ في ترجمة الأدب الروسي هو المترجم العراقي عبد الله حَبَّة – ولا يزال حيًّا فيما أعلم – قرأتُ في أواخر الثمانينيات ترجماته، خصوصًا ترجمته لمجموعة قصص «الدروب الظليلة» للأديب الروسي إيفان بونين، وبعض ترجماته الأخرى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهناك مترجم آخر هو طعمة فرمان – على ما أذكر – وهو مترجم رواية «الآباء والبنون»، رواية فلسفية جميلة أحببتها للأديب الروسي إيفان تورغينيف.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وقرأتُ لبوشكين – الذي يُعدّ متنبي الأدب الروسي – وقرأتُ لتولستوي، ودوستويفسكي، وتشيخوف؛ بعضهم قرأتُ أعماله الكاملة أو معظمها، وبعضهم قرأتُ له مختارات.<br>أحببتُ الأدب الروسي وشغفتُ به شغفًا عجيبًا لعدة سنين.<br>لا أدري هل كانت “سنوات ضائعة” أم جزءًا من البناء النافع، لكني أميل إلى أنها كانت نافعة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>بالتأكيد نافعة… في تلك السنوات – سنوات دراستك في المعهد العالي، ومعهد ابن عباس، وقسم الترجمة في جامعة نواكشوط – كان الجو الثقافي محتدمًا: مراكز ثقافية، اهتمام من الشباب، حديث في السياسة…<br>كيف تصف لنا المشهد الثقافي الذي أثّر فيك آنذاك؟ وما سبب هذا الزخم؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>موريتانيا، في تقديري، من المجتمعات ذات الهويّة الحدودية – ما يسمونه بالإنجليزية Border Identity – فهي على تخوم التقاء المجتمعات العربية والأفريقية، مثل دول الساحل عمومًا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر؛ ما يسميه أحد المؤرخين السودانيين “الحزام السوداني”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>نحن جزء من هذا الحزام؛<br>أوله مظهر بشري وثقافي من التنوّع،<br>وثانيه أننا – كما أحب أن أقول – موريتانيا مثل خيمة في الصحراء؛ تتحرك بحسب العواصف التي تهبّ من حولها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تأتي عواصف من الجنوب من دول الجوار الأفريقي،<br>وتأتي عواصف من الشمال من المغرب والجزائر،<br>ثم عاصفة فرنسية ممتدة من عصر الاستعمار،<br>ثم عاصفة القومية العربية التي جاءت من المشرق: الناصرية والبعثية من مصر والعراق وسوريا،<br>وطبعًا الحركة الإسلامية بكل تجلياتها وأطيافها أيضًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فكان الجو فعلاً مشحونًا جيولوجيًا، وفيه حيوية ثقافية حقيقية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>والمراكز الثقافية العربية والأجنبية في نواكشوط كانت جزءًا من هذه الحيوية؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، بالتأكيد.<br>كانت نواكشوط مشحونة بالمراكز الثقافية:<br>السوري، والمصري – وبينهما شارعٌ فقط، وكنتُ شبه مقيم في مكتبة المركزين –<br>ثم المركز الثقافي السوفيتي،<br>والمركز الثقافي الفرنسي،<br>والمركز الثقافي المغربي،<br>والمركز الثقافي العراقي الذي كان مهمًّا وناشطًا،<br>وطبعًا المركز الثقافي السعودي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه المراكز لعبت دورًا مهمًّا في التكوين الثقافي للشباب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>هل كانوا يعيرونكم الكتب، أم القراءة فقط داخل المراكز؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لا أذكر بدقة الآن، لكن أظن أن المركز الثقافي السوري – وهو أكثر ما كنت أرتاده لولعي بالفلسفة – كان يعير الكتب، وإن لم أعد متأكدًا تمامًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>في هذه المرحلة، هل تعرّفت على أفكار الإسلاميين؟ هل يمكن القول إن وعيك الإسلامي أو السياسي بدأ يتشكّل آنذاك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أظن أن الوعي الإسلامي في مجتمع مثل المجتمع الموريتاني كامن في الجميع أصلًا؛<br>عدد حفاظ القرآن هائل، ومن تلقّوا ثقافة إسلامية في المحاظر عددهم كبير.<br>فالإنسان لا يحتاج إلا إلى من يزيح عن ذهنه قشرة الثقافة التقليدية قليلًا، وينفتح على الفكر الإسلامي المعاصر، فيبدأ وعيه الإسلامي فورًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بالنسبة لي، بدأ هذا الوعي الإسلامي في بداية دراستي في معهد ابن عباس.<br>في تلك المرحلة اطّلعتُ على كتب الشيخ يوسف القرضاوي – رحمه الله – وكتب سيد قطب ومحمد قطب، والمودودي، والندوي، وغيرهم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأنا بطبيعتي قارئ لا يصبر عن القراءة؛<br>هذه سجيّتي: لا أستطيع أن أمضي وقتي دون كتاب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه الكتب غيّرت أنماط تفكيري، ونقلتني مباشرةً إلى الوعي الإسلامي المناصر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحوار (9) — متابعة الحوار بين الصحفي أحمد فال والضيف د. محمد المختار الشنقيطي<br>الصحفي أحمد فال:<br>جميل… طيّب، أنهيت الدراسة في الجامعة أو الجامعات، ماذا فعلت بعد ذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>في غير المعهد العالي، أنهيتُ الدراسة في معهد ابن عباس، وفي جامعة نواكشوط.<br>أمّا المعهد العالي فقد درستُ فيه سنتين فقط، ثم تركته وـ«طلّقته»، لأنّي وجدت أن شهادته، مع شهادة معهد ابن عباس، تتكرّر تقريبًا؛ كلاهما في تخصّص الدراسات الإسلامية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>تخرّجت من الجامعة، ثم إلى أين ذهبت؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أوّلًا انقطعتُ عن الجامعة؛ لأنّي حصلت على وظيفة في التعليم الثانوي، فتركتُ العاصمة وانتقلتُ إلى مدينة العيون في ولاية الحوض الغربي – شرق البلاد – وأصبحتُ مدرّسًا للثانويّة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد أن أكملتُ سنتين من الجامعة في قسم الترجمة، انقطعتُ سنتين لأنّي كنتُ بعيدًا عن العاصمة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وسنتان من الجامعة تكفيان لكي تصبح مدرّسًا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لا، تعييني كان بشهادتي من معهد ابن عباس؛<br>كنتُ قد أكملتُ البكالوريوس في معهد ابن عباس بعد أربع سنوات، ومعهما سنتان في جامعة نواكشوط، وسنة أو سنتان في المعهد العالي، ثم جاءت الوظيفة، فصرتُ مدرّسًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وعُدتَ بذلك إلى ولايتك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>عدتُ لا إلى النعمة، بل إلى العيون؛ وهي الولاية المحاذية لها.<br>لدينا ولايتان: الحوض الشرقي، والحوض الغربي.<br>وفي العيون درستُ الأدب العربي في الثانوية لمدة سنتين؛ أدّرس الأدب العربي المعاصر الذي كنتُ قد تعرفتُ عليه قبل سنوات وأحببتُه، فأصبحت أدرّسه لطلاب الإعدادية والثانويّة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>جلوسك في العيون مدرّسًا للأدب العربي في تلك المرحلة العمرية المبكرة… ما ذكرياتك عن العيون وعن تلك الفترة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أول ما وقع لي شيء طريف في اليوم الأول للتدريس في الثانوية.<br>كنتُ صغير السن، وحجمي ليس كبيرًا، فأرسلوني إلى أحد أقسام البنات لأدرّسه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لمّا دخلت، ظننّني طالِبًا، فقلنَ لي: “اخرج، اخرج!”.<br>فقلت لهن: “أنا أستاذكم”.<br>قالوا: “مَن أنت أستاذنا؟!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وقفتُ في الباب أنظر، أبحث عن أحد مسؤولي الإدارة أستغيث به.<br>جاءت رئيسة القسم، وضعت يديها على كتفيّ، ودفعتني دفعًا لطيفًا إلى خارج القسم!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه الحادثة ذكّرتني بقصة الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله – حين درّس في العراق لأول مرة، ووقعت له حادثة شبيهة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ذهبتُ إلى مساعد المدير – يسمونه مدير الدروس – وقلت له: “يا أخي، تعال اشفع لي عند الطالبات حتى يصدّقن أني أستاذهن الجديد!”<br>فجاء معي يضحك، وانتهى الموضوع.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>العيون مدينة جميلة؛ تحيط بها الجبال، وفي فصل الأمطار تصبح لوحة رائعة من الرمال البيضاء والصخور السوداء، والهِضاب الحمر القانية، فأحببتُها كثيرًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفيها بدأتُ أول ما بدأتُ أكتب الشعر؛ الشعر الذي أعدّه شعرًا حقيقيًّا، لا مجرّد هجاء ساحل العاج ونحو ذلك؛ كان ذلك عام 1990.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وما محفّز هذا الشعر؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أظنّ أن دوافعه متعددة:<br>بعضها من القراءة؛ لأنّي أصبحت أدرّس الأدب، وانغمستُ في الأدب والنقد.<br>وبعضها من تجربة خاصّة مررتُ بها في تلك الفترة؛ تجربة عاطفية عاصفة أثارت المشاعر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>تجربة خاصّة؟ لا بد أن نسمعها، فحكايات إفريقيا لا تحتمل الكتمان!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>قصة من القصص التي كنّا نقول عنها: “تُطوى ولا تُروى”، ويبدو أنك اليوم تريد أن يُروى كل شيء ولا يُطوى!<br>أنا أصلًا لم أكن أتحدّث عن نفسي من قبل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وقعتُ في تجربة غرام عاصف في تلك الفترة؛<br>في ذلك العمر، وأنا أدرّس الأدب، ومع مشاعر حادّة وجيّاشة، كتبتُ قصائدي الأولى، وكانت تجربة وجدانٍ خاصّة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>هذا الحب العاطفي العاصف نريد أن نسمع شعره؛ لا بد أن نسمع شيئًا من تلك القصائد.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>منها قصيدة عنوانها القديم كان: «مناجاة وفتاة» – وإن لم يكن هذا عنوانها في الديوان اليوم، لكن لا أسرار في حكايتنا الإفريقية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أقول فيها:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يا دوحةً تَفَيَّأَتْ رُوحي ضُحىً ظِلالُها<br>وروضةً تَنَعَّمَتْ مَشاعري خِلالَها<br>ووردةً تَكحَّلَتْ نَواظِري جَمالَها<br>وغيمةً تَصُبُّ في جَوانحي زُلالَها<br>ونجمةً أرقُبُها، وابتغي إطلالَها<br>وأختشي هِجرانَها، وارتجي وصالَها<br>وأشتهي حديثَها، وقيلَها، وقالَها<br>إذا رأيتُكِ انتشت روحي وغنّت حالَها / أو حَالَها<br>جمالُكِ الساحرُ ما أحلاهُ، ما أجلالَها<br>وقعَ اللقاءُ بَغتةً، وارتجفَتْ أوصالُها<br>وابتسمتْ لها الحياةُ، أَنْبَتَتْ آمالَها<br>وإن هجرتِ، زُلزِلَتْ من الهوى زِلزالَها<br>واشتعلت نارُ الجوى، قُطِّعَتْ أوصالُها<br>يا بهجةَ الدنيا بخاطري، ويا أهوالَها<br>رُحما بروحٍ فاقَ حبُّها لكِ احتمالَها<br>فحالُها، إن لم تكوني، تُرحَمي، يُرثى لها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه كانت من أوائل ما كتبتُ من الشعر، ومن أحياء الحياة في مدينة العيون الجميلة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ولي مقطوعات أخرى، منها واحدة مطلعها:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يا زهرةً من سوسنٍ غُضٍّ…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وقصيدة أخرى عنوانها: «قصيدة تمشي على الأرض».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>واضح جدًّا – من كشف الأسرار – أنّ هذا الحب كان حارقًا، عاصفًا. ما نهايات هذا الحب العاصف؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>هذا سؤال مُحرِج، لكن لا حرج في حكايات إفريقيا!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تلك التجربة لم تنتهِ بالمأمول منها؛<br>فربما يصدق عليها ما قال صاحبي الذي زاد مرضي شدّةً وحدّة، وهو الدكتور يوسف اليوسف في كتابه عن الغزل العذري؛ إذ سمّاه «الوجع العِشقي».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كانت تلك المرحلة مرحلة وجع عشقي؛<br>النوع نفسه الذي عاشه جميل بثينة، وجنون ليلى، وكثير عزة، وكلّ أولئك “المجانين”.<br>عشتُ التجربة نفسها: الحرمان نفسه، والوجع العِشقي نفسه؛<br>كان حبًّا عذريًّا خالصًا بكل أوجاعه وآلامه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن للحب أنواعًا؛<br>الكاتبة الروسية أنّا ساركيسيات – في تقديمها لمجموعة «الدروب الظليلة» لإيفان بونين، وهو من الأدباء الروس الذين أحببتهم كثيرًا – تقول:<br>”إنّ الحب نوعان: حبّ قَلِق متوتر، وحبّ سعيد مديد”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأنا عشت في حياتي هذين الوجهين؛<br>تلك كانت قصة الحب القلق المتوتر، أما بعد ذلك فقد عشتُ أيضًا الحب السعيد المديد.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكان من ثمرات هذا الحب المديد قصيدة أخرى هي قصيدة «شَذَا»، أقول فيها:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>شَذاكِ بالليلِ غامِرٌ، يجولُ بينَ الدياجِرِ<br>فينثُرُ الشعرَ عطرًا على الرُّبى والمعابِرِ<br>طافَ الفضاءَ رشيقًا بينَ الطيورِ الكواسرِ<br>ولاذَ بالقلبِ منّي، يلوذُ بالوكْرِ طائرِ<br>في بهجةِ الروحِ لحنٌ نَدِيٌّ مُغَامِرِ<br>قد استقرَّ بقلبي جنينةً من أزاهِرِ<br>ففاض قلبي بحبّي على ضفافِ المحابِرِ<br>ماذا أهمَّكِ؟ ماذا أهاجَ منكِ الخواطِرِ؟<br>لا تحزني يا فؤادي، فداكِ روحُ المغامرِ<br>نامي بمرفأِ جفني، وسافري في النواظِرِ<br>ما ثارَ شعبُكِ إلّا لكي تُعَزَّ الحرائرُ<br>إن لم تنامي قريرًا، فلا غَفَت عينُ شاعرِ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في القصيدة شيء من صدى الثورة السورية، كما ترى.<br>ولا نريد أن نكشف كل ملفاتنا وأسرارنا (يبتسم).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>أزعم – وقد قرأتُ ديوانك كاملًا – أن هاتين المقطوعتين فيهما مستوى عالٍ من صدق العاطفة، يعبّر عن أنها كانت فعلًا تجربة عاصفة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>كل شعري لا أكتبه إلا بعاطفة؛ لذلك لا أكتب إلا قليلًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذا رأي الشاعر، أمّا رأي الناقد أو القارئ فهو ما ذكرتَه من أن هاتين المقطوعتين مليئتان بما يسميه النقّاد «العاطفة الصادقة».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كانت تجربة عاصفة بالفعل؛<br>أعتقد أنها أوصلتني إلى حافة المرض، أو ربما إلى المرض نفسه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وزاد – سامحه الله – من حِدّة هذا المرض الأدبي الفلسطيني يوسف اليوسف – الذي عاش في دمشق – إذ كان عندي في تلك الأيام كتابه «الغزل العذري»، وهو من أجمل ما كُتب عن الغزل العذري في القرن الأول الهجري.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حلّل فيه حياة أولئك المجانين: مجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثير، وغيلان…<br>فتقمّصتُ شخصياتهم؛ كنتُ أعيش المعاناة، ثم جاء هو بهذا الكتاب فكأنّه أوقد الحاسة وأشعل النار أكثر!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كتاب جميل حقًّا، لا أزال أذكره إلى اليوم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحوار (10) — متابعة الحوار بين الصحفي أحمد فال والضيف د. محمد المختار الشنقيطي<br>الصحفي أحمد فال:<br>هذه المرحلة تبدو من أثرى مراحل حياتك؛ قراءةً، وانغماسًا في الهمّ الثقافي.<br>ماذا تذكر من الأفكار التي تعرّفتَ عليها في مرحلة العيون والتدريس هناك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>في العيون اكتشفتُ عَلَمين كبيرين من أعلام الفكر الإسلامي، بقي أثرهما معي إلى اليوم:<br>الأوّل هو مالك بن نبي، والثاني هو الشيخ محمد عبد الله دراز.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحد الزملاء المدرّسين في الثانوية كان عنده كتاب «وجهة العالم الإسلامي» لمالك بن نبي؛ وكانت تلك أول مرة أسمع فيها باسمه. رأيت الكتاب، وأنا بطبعي أقرأ أي شيء يقع في يدي، فاستعرته منه وقرأته، فأعجبني غاية الإعجاب؛ كتاب عميق، وقد جاءت ترجمته بديعةً على يد الدكتور عبد الصبور شاهين.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد ذلك زرتُ مكتبةً للكتب المستعملة في العيون، فوجدت كتابًا عنوانه «دستور الأخلاق في القرآن» لمحمد عبد الله دراز؛ ولم أكن قد سمعت بدراز من قبل، لكنّي رأيت على غلافه عبارة: ترجمة عبد الصبور شاهين.<br>فقلت في نفسي: ما دام عبد الصبور شاهين هو المترجم، فالكتاب – أيًّا كان – ستكون ترجمته من الطراز الأوّل. فاشتريت الكتاب، ووضعت يدي على كنز حقيقي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هكذا تعرّفت على هذين الرجلين عام 1990 في العيون، ومنذ ذلك الحين شُغِفت بهما؛ لم أترك حرفًا كتبه أحدهما إلا قرأته، وكثيرًا ما أعدتُ القراءة أكثر من مرة.<br>بعض كتب مالك بن نبي قرأتها بالعربية وبالفرنسية، ثم قرأت ترجمتها الإنجليزية أيضًا.<br>وكتب دراز كذلك؛ بل رجعتُ إلى الأصول الفرنسية، لأن كتاب «دستور الأخلاق» في الأصل رسالة دكتوراه بالفرنسية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>بعد هذه المرحلة عدتَ إلى نواكشوط، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم؛ عدتُ إلى نواكشوط، وأكملت السنتين الباقيتين في الجامعة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ولكنّي فوجئت بأن اللغة الروسية لم تعُد موجودة؛ أُلغيت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ورحل الأساتذة الروس.<br>قالوا لي: “يمكنك إكمال دراستك، لكن بدلًا من الروسية – التي رحل أساتذتها – ستدرس اللغة الإنجليزية لغةً ثالثة”.<br>فمن السنة الثالثة الجامعية صارت الإنجليزية هي اللغة الثالثة بدل الروسية، وما زالت معي إلى اليوم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أما الروسية فقد نسيتها تقريبًا؛ لم يبقَ في ذاكرتي منها إلا مقاطع شعرية من قصيدةٍ للشاعر كونستانتين سيمونوف؛ يبدو أن الأستاذة مايا ألكسيفنا كانت تحبّه، فحفظتُ المقطع وما زلت أحفظه إلى الآن، مع أني لا أفهم كل كلماته حرفيًّا، لكنّي أفهم الفكرة العامة للقصيدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>ما القصيدة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>هي قصيدة مشهورة عنوانها تقريبًا «انتظريني».<br>كتبها سيمونوف – وكان مراسلًا عسكريًّا وأديبًا – أيام الحرب العالمية الثانية.<br>نصّ القصيدة رسالة من جنديّ إلى حبيبته يقول لها:<br>انتظريني… انتظريني إذا نزل الثلج، وانتظريني إذا صحا الجو، وانتظريني إذا جاء الربيع، وانتظريني إذا يئس الناس كلهم وكفّوا عن الانتظار…<br>بهذا المعنى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تحوّلت القصيدة إلى ما يشبه النشيد الوطني الوجداني في الاتحاد السوفيتي؛ وسرت في الجبهة حتى قيل إن كثيرًا من الجنود السوفييت الذين قُتلوا في الحرب العالمية الثانية وُجدت القصيدة في جيوبهم بعد استشهادهم.<br>قصيدة باكية مؤثرة جدًّا، تحوّلت إلى أيقونة أدبية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>تخرّجتَ إذن من الجامعة – ترجمة إنجليزية / فرنسية – ثم هيّأت حقائبك وبدأت رحلة الهجرة، وحطّت رحالك في صنعاء.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>صحيح.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>أنا شخصيًّا تعرّفت عليك بعد رحيلك ذاك؛ كنتُ يومها أستعد للثانوية العامة، وأدرس الأدب العربي.<br>جاؤوني بدفترٍ في غاية الجمال عن الأدب العربي، وقالوا: “هذا الدفتر أملَاه رجل كان هنا أستاذًا، اسمه محمد المختار؛ أملاه ارتجالًا”.<br>قلت لهم: “والله هذا في غاية البراعة؛ أين هو؟”<br>قالوا: “ذهب إلى اليمن”.<br>فيمكن القول إنّي تلميذك بتلك الطريقة!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>عجيب… الدفتر الصغير هذا أذكره، كنت أمليه على الطلاب من دون إعداد مكتوب، ارتجالًا. سبحان الله.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>ذهبتَ إلى اليمن، وأنت أستاذ ثانوي؛ متى قررتَ الرحيل؟ ولماذا اليمن تحديدًا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>حين كنت أدرّس في الثانوية لم أكن راضيًا لا عن وضعي الوظيفي، ولا عن التوقف عند هذا المستوى من الدراسة الجامعية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في اليمن أسّس الشيخ عبد المجيد الزنداني – رحمه الله – جامعة الإيمان؛ وهي جامعة تشبه نظام المحظرة عندنا، قائمة على تدريس المتون.<br>ومن حسن ظنّه بالشناقطة أنه قال: “لا بدّ أن يكون أساتذة النحو عندي من الشناقطة تحديدًا”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يبدو أنه تواصل مع بعض الإخوة الموريتانيين في السعودية، فأعطوه مجموعة أسماء، وقالوا له: هؤلاء يصلحون لتدريس ألفية ابن مالك في الجامعة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فتواصلوا معي، وقالوا:<br>”هل أنت مستعد أن تأتي لتدرّس في الجامعة؟”<br>قلت: “نعم”.<br>قالوا: “تُدرّس ألفية ابن مالك؟”<br>قلت: “بالطبع؛ أدرّس ألفية ابن مالك”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فذهبت إلى اليمن، ووصلت صنعاء يوم 1 يناير 1997؛ أول يوم من سنة 1997، قبل “الطلائع” على المذكرة بشهرين تقريبًا (يبتسم).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حقًّا أحببت صنعاء كثيرًا؛<br>أول ما هبطت الطائرة فجرًا في صنعاء تذكّرت المقامة الصنعانية للحريري، وعادت بي الذاكرة إلى مقامات الحريري، فبدأت أترنّم بمطلعها وأنا في طريقي لختم الجواز:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>اقْتَعَدْتُ غاربَ الاغترابِ، وأنأتْني المتربةُ عن الأتراب،<br>وطَوَّحَتْ بي طَوائحُ الزمنِ إلى صنعاءِ اليمن؛<br>فدخلتُها خاوِيَ الوفاضِ باديَ الأنفاض…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقلت في نفسي: والله إن هذا الوصف ينطبق عليّ تمامًا؛ أنا هو رجل المقامة!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>ومَن استقبلك في صنعاء؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>استقبلني الشيخ الحافظ العلّامة محمد المختار الحسن – وهو الآن من أساتذة مركز تكوين العلماء – وكان قد سبقني إلى الجامعة.<br>استقبلنا أنا والأخ محمد جميل منصور – السياسي الموريتاني المعروف – في الرحلة نفسها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهو يترنّم في المطار:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لا بدَّ من صنعاءَ وإن طالَ السفرُ<br>وإن تَحَنَّى كلُّ عودٍ وانكَسَرْ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كانت تلك أول مرّة أسمع هذا البيت؛ سمعته من فم الشيخ المختار وهو يستقبلنا في مطار صنعاء.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>ثم بدأت التدريس في جامعة الإيمان؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم؛ بدأت التدريس، وكانت سنتين جميلتين.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الجامعة لها نظام خاص في التوقيت والبرامج والروح العامة:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يبدأ التدريس بعد صلاة الفجر مباشرة؛ وهذا ليس غريبًا علينا نحن أهل المحظرة، لكنه غريب في الجامعات الحديثة.<br>الشيخ الزنداني كان يقول: “الدراسة تبدأ بعد صلاة الفجر، وتبدأ بدروس التفسير”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>درس التفسير يكون محاضرة جامعة، مثل أي جامعة، لكنه يُفتتح من بعد الفجر مباشرة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم إن الجامعة تدرّس متونًا تأسيسية في كل علم، وفيها علماء كبار.<br>تعرّفت فيها على شخصيات علمية مهمّة، منهم:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الشيخ عبد الكريم زيدان – رحمه الله – فقيه العراق وعالمه الجليل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والعلّامة محمد بن إسماعيل العمراني مفتي اليمن؛ يُلقَّب بـ”الشوكاني المعاصر”، وهو نسخة من الشوكاني القديم في حبّه له واستيعابه لعلومه، كما أنه صاحب طرافة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أذكر أن الطلاب سألوه مرة: “يا شيخنا، ما الفرق بين دراستنا الآن ودراستكم أنتم قديمًا؟”<br>قال لهم: “الفرق كبير؛ نحن درسنا في الجامعة، وأنتم تدرسون في الجامعة… {وليس الذَّكَرُ كالأنثى}!”<br>إشارة لطيفة إلى الفرق بين (الجامِعة) و(الجامَعة).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكان في الجامعة أيضًا من يزورها من العلماء والدعاة، مثل الشيخ محمد أحمد الراشد، وغيرهم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>والشخصية الأبرز التي التقيتَ بها هناك هي الشيخ أحمد ياسين، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم؛ الشخصية المؤثّرة التي التقيت بها في الجامعة هي الشيخ أحمد ياسين – رحمه الله – مؤسس حركة حماس.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>التقيتُه في اليمن عام 1998؛ كان في جولة على عدد من الدول العربية، وزار اليمن، فاستدعته الجامعة للترحيب به.<br>نظّم له الشيخ الزنداني حفلًا بهيجًا كبيرًا في الجامعة، ألقى فيه الشيخ أحمد ياسين كلمة، ثم جلسنا معه على الغداء في بيت الشيخ عبد المجيد.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهناك وقعت لي حادثة تركت في نفسي شيئًا؛<br>كنت قد كتبت أبيات ترحيب بالشيخ أحمد ياسين، لكن منظّمي الاحتفال منعوني من إلقائها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>لماذا منعوك؟ أ لأنها لم تكن مبرمجة في البرنامج؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، لم تكن مبرمجة، ثم إن الجامعة كان فيها جنسيات كثيرة، والشيخ في زيارة رسمية لليمن، وربما أرادوا أن يبقى الحفل في إطار “الضيافة اليمنية الرسمية” بعيدًا عن أي حرج سياسي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أبياتي كانت تقول في مطلعها:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أهو فجرٌ أطَلَّ منه الجبينُ؟<br>أم هو الحُلمُ نعيشُه أم يقينُ؟<br>كم وقفْنا على الديارِ نُدارِي<br>ألمَ الشوقِ، قد بَرَانَا الحنينُ<br>أهاجَتْ ذكرياتُنا بيسانًا<br>والقدسَ، والشوقُ تقذِفُه السنينُ<br>وهَتَفْنا بيافا وحيفا، فهزّتنا<br>إليهم أشواقُ قلبٍ دفينُ…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إلى آخر القصيدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>منعوني من إلقائها، فبقي في النفس شيء، لكن ذهب ما في قلبي بعد قليل؛ إذ جاءوا بشاعر يمني مبدع من بقايا فحول الشعراء القدامى، فألقى قصيدة طويلة عصماء رصينة، قلت بعدها:<br>”الحمد لله على الحكمة اليمانية؛ لو قرأتُ أبياتي بعد هذه القصيدة لفضحتُ نفسي!” (يضحك).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>من المعلوم أنك في تلك المرحلة دخلت في معارك فكرية… ربما لا تحب الحديث عنها، لكن الأرشيف عندي! كما أنّك بدأتَ من تلك الفترة توقّع كتاباتك باسم «الشنقيطي».<br>لماذا أضفت هذه النِّسبة إلى اسمك؟ وما عناوين تلك المشاغبات الفكرية؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أمّا عن الاسم، فقد اخترتُ لنفسي لقب «الشنقيطي» لسببين:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أولًا: أنّي لا أحب اسم “موريتانيا” – مع كامل الاحترام للمشاهدين الموريتانيين – فهو اسم فرنسي فُرض علينا فجأة؛ “موريتانيا” اسم ولاية رومانية كانت في شمال المغرب في القرون السحيقة قبل الإسلام، فلا هو مرتبط بالمكان، ولا هو جزء من تاريخ البلد وتراثه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لذلك عندي شيء من التعصّب لاسم «شنقيط» في مقابل اسم “موريتانيا”، وتحفّظٌ من هذا الاسم الأخير.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثانيًا: أنّ لقب «الشنقيطي» أصبح هو اللقب الذي يُعرَف به أهل البلاد في المشرق العربي؛ هو – كما يقولون بالإنجليزية – Outside Definition، أي “تعريف خارجي” فرضه علينا إخواننا المشارقة – جزاهم الله خيرًا – حين فرّطنا نحن في اسمنا الأصلي؛ فحافظوا هم عليه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم تحوّل لقب “الشنقيطي” إلى رمزٍ للصورة النمطية عن صاحب الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة؛ الشنقيطي صار يرمز في أذهان الناس إلى العالم المتضلّع في علوم العربية والشرع.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحوار (11) — متابعة الحوار بين الصحفي أحمد فال والضيف د. محمد المختار الشنقيطي<br>الصحفي أحمد فال:<br>إذًا، أنت تبرّكتَ بهذا الميراث العلمي، وبدأت توقّع باسم الشنقيطي.<br>لكن هل كان اليمنيون هم الذين نادوكم به أولًا فتبنّيتَه، أم أنك جئت به من عند نفسك فجأة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لا، بل هم الذين نادَونا به أوّلًا؛ نحن – الشناقطة – ننادى في المشرق عمومًا بالشنقيطي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في اليمن كانوا يدعونني بالاسم هكذا؛<br>كنتُ مع الشيخ محمد المختار الحسن، فكانوا يلقّبونه في الجامعة:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الشيخ محمد المختار الشنقيطي الكبير،<br>ويُسمّونني أنا:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الشيخ محمد المختار الشنقيطي الصغير؛<br>تمييزًا بيننا في الجامعة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومرّة، مازحنا الشيخ عبد المجيد الزنداني – رحمه الله – فقال لي:<br>”هم يدعونك محمد المختار الشنقيطي الصغير؟ إذن احتفظ بهذا اللقب حتى تصبح عمامتك مثل عمامته!”<br>وكان معنا الشيخ محمد المختار الحسن، وله عمامة مدوّرة كبيرة معروفة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هكذا استقرّ الاسم عليّ، تبرّكًا بالميراث العلمي الشنقيطي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>أما بخصوص “المشاغبات” الفكرية؛ فقد عُرفتَ أنك دخلت في سجالات في صنعاء. ما قصّة ذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>في صنعاء تعرّفت على عدد من المثقفين اليمنيين المتميّزين، منهم:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الأستاذ نصر طه مصطفى، وكان يومها مديرًا للمركز اليمني للدراسات الاستراتيجية،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والصحفي المرحوم حميد شحرة، مؤلف كتاب «مصرع الابتسامة»، وكتاب آخر أهدانيه لاحقًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كانوا يُصدرون مجلة بعنوان «نوافذ»، فطلبوا مني أن أكتب لهم، فبدأت أنشر مقالات في المجلة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفي يوم من الأيام نشرتُ مقالًا بعنوان: «حضارتنا المنحرفة».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>«حضارتنا المنحرفة»… عنوان ثقيل. ماذا تقصد به؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>المقال في الحقيقة شرح لنظرية مالك بن نبي؛<br>هو لا يتجاوز تأصيله هو، فقط عرضتُ الفكرة بأسلوبي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يقول مالك بن نبي إن الحضارة الإسلامية مرّت بثلاث مراحل:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>مرحلة الصعود،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم مرحلة الامتداد،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم مرحلة الانحطاط.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ويرى أن مرحلة الصعود توقفت عند معركة صفّين؛ فهناك حدث الانكسار الأول في الاندفاعة الحضارية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أمّا ما بعد ذلك – من امتداد الحضارة الإسلامية على مدى ستة إلى ثمانية قرون، من صفّين إلى أواخر القرن الثامن الهجري ونهاية دولة الموحّدين – فهو امتداد لحضارة عظيمة بلا شك، لكنها – بحسب تحليله – حضارة منحرفة عن القيم التأسيسية الأولى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فهو يقول:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إذا نظرنا إلى التاريخ بمنظار المقارنة بين الحضارات، فالحضارة الإسلامية حضارة عظيمة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أمّا إذا نظرنا إليها بمعايير الاندفاعة الرسالية الأولى وقيمها التأسيسية، فهناك انحراف كبير وقع بعد الفتنة الكبرى وانتهاء الخلافة الراشدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كتبتُ المقال على هذا الأساس، وسمّيتُه «حضارتنا المنحرفة» بهذا المعنى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وماذا كانت ردود الفعل؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أثارت المقالة ثورةً عند بعض المشايخ؛<br>قالوا: هذا طعن في الصحابة!<br>وكيف تقول إن الحضارة انحرفت في زمن الصحابة، وإن الانحراف وقع منذ معركة صفّين؟<br>وصنعوا من المقال قصة كبيرة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ذهبتُ لحضور اجتماع الجامعة الأسبوعي؛ كنا نجتمع في مركز البحوث التابع للجامعة، بحضور رئيس الجامعة والأساتذة.<br>فوجئتُ أنهم ثائرون عليّ.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكان الشيخ عبد الكريم زيدان – رحمه الله – غاضبًا، وهو من علماء العراق، ومن منطقة فيها احتكاك طائفي؛ وأهل تلك البيئات عندهم حساسية مفرطة في هذه الموضوعات، بخلافنا في المغرب العربي، حيث لا نحمل تلك الحساسية الطائفية؛ فنخوض في المسائل التاريخية بلا إشكال.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وماذا حدث في ذلك الاجتماع؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>حين دخلت، قال لي الشيخ الزنداني:<br>”نحن نناقش مقالك الذي نشرته في نوافذ”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت له:<br>”لا مانع عندي من مناقشته، بشرط أن يكون نقاشًا علميًّا؛ أمّا إذا كانت محكمة تفتيش، فأنا لا أؤمن بمحاكم التفتيش”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقال:<br>”لا، نحن ليس عندنا محاكم تفتيش؛ سنشكّل لجنة ونناقش الموضوع علميًّا”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت: “لا بأس، لا مشكلة عندي”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن الشيخ – بحكمته وحنكته السياسية – كان يريد احتواء المشايخ الغاضبين؛ فلم تُشكَّل لا لجنة ولا ندوة ولا شيء، إنما هدّأ الأجواء، ثم أرسل إليّ من وراء الستار يُفهمني أنه في الجملة متفق مع ما في المقال، لكن هذه أمور لا تصلح للحديث عنها داخل الجامعة، لما تثيره من حساسيات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الشيخ الزنداني كان حكيمًا؛ الجامعة أمامها علاقات واسعة مع جهات متعددة، وتحرص على مراعاة الحساسيات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>إذًا، تلك البذرة الجدلية هي التي أنجبت لاحقًا كتابك عن الخلافات السياسية بين الصحابة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>بالضبط؛ بذرة ذلك المقال في صنعاء عام 1998 هي التي أثمرت بعد سنين كتاب «الخلافات السياسية بين الصحابة»؛<br>الكتاب وُلد في تكساس، وأنت شاهدٌ على ولادته، لكن حَبَّته الأولى زُرعت في اليمن.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>قبل أن ننتقل إلى المرحلة التالية، ماذا تذكر من تواصلك مع الطلاب في اليمن، ولقاءاتك معهم، وذكريات تلك الفترة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>في اليمن عشتُ ذكريات جميلة لا تُنسى:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أولًا: أذكر أني زرتُ مرةً الأستاذ عبد العزيز المقالح – رئيس جامعة صنعاء، والأديب المعروف.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كنتُ مارًّا أمام مكتبه في الجامعة، فرأيت باب مكتبه مفتوحًا، والناس يدخلون ويخرجون: طلابًا وطالبات.<br>فقلت في نفسي: هذا رجل مفتوح الباب، فلمَ لا أدخل وأتعرف عليه؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>دخلت، وسلّمت، وقلت له:<br>”أنا فلان من موريتانيا”، وقد طبعتُ بعض القصائد التي كتبتُها، وجئتُه بها؛ لأنه شاعر وأديب وله مجلس أسبوعي لقراءة الشعر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقدّمتُ له شيئًا من شعري، فاستقبلني بكرمٍ ولطف، وأجلسني معه ساعة طويلة يحكي لي ويقصّ عليّ من تجربته.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومن طريف ما حكاه لي أنه قال:<br>”بعثتني جامعة الدول العربية في الستينيات رئيسًا لوفدٍ لأقرّر: هل الموريتانيون عرب أم لا؟ لأن موريتانيا كانت تريد الانضمام إلى الجامعة العربية، فكلّفوني أن أذهب إلى هناك وأكتب تقريرًا: هل هؤلاء قومٌ عربٌ فعلًا أم لا علاقة لهم بالعالم العربي”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يقول:<br>”ذهبتُ، فلما وصلتُ ورأيت الخيام، والإبل، والناس ينشدون الشعر، ويحفظون القصائد، اندهشت.<br>رجعتُ وكتبت تقريرًا ختمته بهذه العبارة:<br>«إذا كان لا يزال يوجد عربٌ على ظهر الأرض اليوم، فهم هؤلاء القوم»”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان هذا من ألطف ما سمعته منه، وخرجت من عنده وأنا مزهوٌّ بهذه الشهادة من شخصية أدبية كبيرة، بينما كنت ما أزال شابًّا في بدايات الطريق.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثانيًا: من ذكريات جامعة الإيمان أني التقيت بطلابها لاحقًا في أرجاء العالم؛<br>فأدركت أن العلم والثقافة بذور، متى زرعتها بصدق، حملتها الرياح إلى آفاق لا تخطر لك على بال.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>مرة كنت أقود سيارتي في كاليفورنيا على الساحل – أظنّه ساحل المحيط الهادي – فوقفت عند إشارة حمراء، فإذا بسيارة تقف إلى جواري، وفيها رجل ملامحه سمراء إفريقية يلوّح لي بيده.<br>ظننته يريد أن ينبّهني إلى مشكلة في السيارة أو في العجلة، فبعد الإشارة تحركتُ ووقفت جانبًا، فجاءني مسرعًا:<br>”كيفك يا أستاذ محمد؟”<br>فإذ هو واحد من طلابي في جامعة الإيمان، ومن ساحل العاج!<br>جلسنا نُحدّث بعضنا عن ذكرياتنا الجميلة في اليمن، ونحن على شاطئ المحيط الهادي، في أقصى الغرب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومرة في طائرة بين تكساس وميشيغن، جلس إلى جواري رجل، ثم سلّم عليّ، ولم أعرفه.<br>قال لي: “أنا فلان، وفلان أيضًا من طلابك الصوماليين في جامعة الإيمان”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفي مونتريال – أثناء زيارة من أوتاوا – دعاني مركز إسلامي لإلقاء محاضرة، فلما وصلتُ إذا بإمام المسجد يمنيًّا، قال لي: “أنا من طلابك في جامعة الإيمان في اليمن”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفي ماليزيا التقيت شابًّا ماليزيًّا ترجم كتابي «الخلافات السياسية بين الصحابة» إلى اللغة الماليزية، فسألته: “أين تعلمت العربية؟”<br>قال: “تعلمتها في جامعة الإيمان”.<br>لم أكن أستاذه مباشرة، لكنه من طلاب الجامعة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وحتى من ألبانيا، اتصل بي أحدهم، وقال: “أنا فلان، كنت من طلابك في تدريس الألفية في جامعة الإيمان، وأريد أن آخذ إذنك في ترجمة مقالك عن علي عزت بيغوفيتش إلى اللغة الألمانية”.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كل هذه اللقاءات جعلتني أوقن أن ما نزرعه من العلم والمعرفة لا يضيع؛ بل تحمله الأقدار إلى حيث يشاء الله، فيثمر هناك وهناك، في أزمنة وأمكنة لا نتوقعها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحوار (12) — متابعة بين الصحفي أحمد فال والضيف د. محمد المختار الشنقيطي<br>الصحفي أحمد فال:<br>جميل… إذًا فعلاً تَعُجّ الإجابة بأن هذه البذور التي بُذرت بين جبال صنعاء قد انتشرت في أرجاء الأرض.<br>كم سنة مكثتَ في صنعاء؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>مكثتُ فيها سنتين، ثم عبرتُ المحيط متوجّهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بلاد العَمس، في هجرة جديدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>أريد أن أفهم: لماذا ذهبت أوّلًا إلى أمريكا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>ذهبتُ لأنّي حصلت على منحة للدراسات العليا في أمريكا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>من أين جاءت هذه المنحة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>حصلتُ عليها من الندوة العالمية للشباب الإسلامي في جدة، وكان للشيخين الفاضلين دور كبير في ذلك:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>شيخنا أحمد الحسن الدَّو – حفظه الله –</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والشيخ مانع الجهني – رحمه الله – عضو مجلس الشورى السعودي آنذاك، والأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>من خلالهما دُبِّرت لي المنحة للدراسات العليا؛ فقد كنتُ دائمًا أطمع في مواصلة الدراسة العليا، فاستخرجوا لي من الندوة منحة لأذهب وأدرس هناك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>ذهبتَ من اليمن مباشرة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لا، بل ذهبت أولًا إلى موريتانيا، واستخرجتُ التأشيرة من هناك، ثم سافرت من داكار إلى نيويورك، وكانت ليلة لا تُنسى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>لماذا كانت ليلة لا تُنسى؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لأنها كانت ليلة مفزعة مرعبة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>سافرتُ على الخطوط الإفريقية، في رحلة متأخرة ليلًا؛ أظنّها «إير أفريك».<br>وكانت الرحلة مباشرة من داكار إلى نيويورك، في عرض المحيط، مدّة ست ساعات تقريبًا، وكان ذلك في يناير 1999؛ وصلتُ نيويورك في 25 يناير 1999.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن بعد ساعة أو ساعتين من الإقلاع بدأت الطائرة تهتزّ اهتزازًا شديدًا، في مطبات هوائية لم أرَ مثلها في حياتي، واستمرّ ذلك نحو ساعتين تقريبًا؛ كان الأمر مفزعًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>عمّ الخوف بين الركّاب، وخِفتُ كما خاف غيري، لكن شيئًا آخر لفت نظري وزاد من رُعبي:<br>كانت هناك امرأة أمريكية من أصول إفريقية، من شدّة الذعر عجزت عن الجلوس على مقعدها؛ كانت واقفة في الممرّ وتدعو بالإنجليزية:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>Jesus, please, please this plane…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تتوسّل: “يا يسوع، رجاءً، اجعل الطائرة تستقر…” بمعنى كلامها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فكنت أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ أموت في البحر – أو فوق البحر – وأموت مع هذه السيدة على هذا الكلام!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فأخذتُ على نفسي عهدًا: كلّما قالت هي هذه العبارة، قرأتُ بعدها مباشرةً:<br>﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت: إذا كنتُ سأموت مع هذه السيدة، فلن أموت على العقيدة نفسها؛<br>هي تقول: Jesus please… وأنا أقول:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ظلّت هي تكرّر دعاءها، وكنت ألزم قراءة السورة بعدها؛<br>تأتيها المضيفات يحاولن تهدئتها وإجلاسَها، وهي لا تكاد تسيطر على أعصابها، حتى هدأت الطائرة أخيرًا بعد معاناة مذهلة، ثم وصلنا مطار جون كينيدي صباحًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>إذن عبرتَ المحيط، وجئتَ إلى الولايات المتحدة، واستقرّت بك الرحال هناك قرابة عقد من الزمن.<br>أنا جئت بعدك بثلاثة أشهر، في أبريل 1999، وسنأتي إلى تلك المرحلة…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن ما لفت انتباهي أنّك عندما هبطت في واشنطن دي سي وضواحي فرجينيا لم تكتب قصيدة شوق إلى جريف وسهولها، ولا إلى العيون وهضابها، بل كتبت قصيدة تشتاق فيها إلى صنعاء!<br>لماذا بعتَنا لليمنيين بهذه الطريقة؟ أريد أن أفهم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>أولًا: أنتم وأهل اليمن شيء واحد في نظري، وهذا لا بد أن أرجع إليه وأوضّحه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كنتُ أقرأ من قبل عن أن القبائل الموريتانية تعود – في بعض الأقوال – إلى أصول حِمْيَرية ويمنية وسبئية، وأنّ المؤرخين يختلفون في أصل صنهاجة: هل هم من حِمْيَر أم لا؟ وما إلى ذلك من كلام ابن خلدون وغيره.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن حين جئت إلى اليمن قلت:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”لا أحتاج إلى أدلّة تاريخية؛ أنا أرى الأمر بعيني.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>من الناحية الأنثروبولوجية البحتة:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>**الملامح،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>العادات،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>التقاليد،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حتى ألعاب الأطفال**؛</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كلّها بدت لي استمرارًا للثقافة الموريتانية البدوية كما هي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم وجدتُ نصًّا لابن بطوطة، حين كان في ظفار في عُمان في رحلته؛ يقول إنه وجد هناك أمورًا لا وجود لها إلا في المغرب: عادات في البيوت، وأسماء فتيات، وأشياء من هذا النوع، قال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”وهذا يقوّي قول من يقول إن أصل صنهاجة من حِمْيَر.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فابن بطوطة، قبل ثمانية قرون، اكتشف هذه الرابطة من خلال العادات اليومية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أنا أيضًا رأيتُ في تفاصيل الإنسان اليمني – في حياته اليومية – تشابهًا عجيبًا مع الإنسان الموريتاني: في الملامح، وفي اللهجة، وفي العادات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومن الطرائف:<br>ما كنت أركب سيارة أجرة في صنعاء إلا ويقول السائق:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”الأخ من حضرموت!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فإذا أنفيتُ ذلك، قال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”إذًا من المهرة!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لا يكتفي بأن أكون يمنيًّا؛ بل يحدّدني حضرميًّا أو مَهريًّا!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وإذا ربطتَ ذلك بملاحظة ابن بطوطة، ترى أن هناك شيئًا ما في تلك المنطقة – حضرموت والمهرة على حدود عُمان – يجمع بين العُمانيين واليمنيين والمغاربة من حيث الجذور.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حتى إنّ أحد الشيوخ السائقين أصرّ عليّ يومًا؛ قلت له:<br>”يا أخي، لستُ يمنيًّا؛ أنا من بلد آخر.”<br>قال: “لا يا أخي، يمني خالص؛ لكن شكلك عشتَ في الخارج فاختلط لسانك.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فأردتُ أن أنهي الجدال، فقلت له:<br>”حسنًا؛ كلامك صحيح: أنا أصلي يمني، لكن عشتُ في الخارج فترة طويلة.”<br>قال: “كم عشت في الخارج؟”<br>قلت له مازحًا:<br>”حوالي سبعمئة سنة!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>حسنًا، لكن لماذا في واشنطن – بدل أن تشتاق لجذورك في جريف والعيون – كتبت تشتاق إلى صنعاء؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لأنني شعرت هناك أنني أعود إلى الجذور.<br>والصلة بصنعاء ظلّت حاضرة في وجداني؛ تجربة صنعاء تركت في نفسي أثرًا خاصًّا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفي واشنطن شعرتُ بـ غُربة ثقافية عميقة، بخلاف اليمن؛ فقد جئت اليمن خالي الوفاض من الناحية المادية – كما وصف الحريري: «خاوي الوفاض بادي الأنفاض» – لكن من الناحية الإنسانية والوجدانية كان هناك اندماج كامل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أمّا في أمريكا، فبقيتُ كأنني طالب غريب؛ فكتبتُ قصيدة «رياك صنعاء»، وأرسلتُها للأحبة في جامعة الإيمان مع ترجمة إنجليزية لها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>منها هذه الأبيات:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحببتُ صنعاء ملءَ القلب، قد فاضتْ<br>روحي بنبعٍ من الأشواق مندفقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحببتُ فيها ضياء الفجرِ حين رأى<br>نُورَ الصباح ينسابُ بين ذُرى النُّسُقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحببتُ فيها رُدادَ الغيثِ حين سرى<br>لآلئًا علِّقتْ بالصدرِ والعُنُقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحببتُ فيها جبالًا في السماءِ علتْ<br>تروي شموخَ اليمانيينَ للأفُقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذا البيت يهزّ أهل اليمن:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحببتُ فيها جبالًا في السماءِ علتْ<br>تروي شموخَ اليمانيينَ للأفُقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ويواصل:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إنِ اتجهتُ أراها في مخيلتِي<br>طيفًا يُلازمُ في حِلِّي ومُنطلَقي</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إنِ اتجهتُ يظلُّ القلبُ في حَزَنٍ<br>من حبِّها، وتظلُّ الروحُ في قَلَقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ريّاكِ يا صنعاءُ، لا ريًّا يُشاكِلُهُ<br>محمَّلًا بتاريخِكِ العبقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>سَكَبتُ روحي على خدّي حين غدا<br>للغربِ متَّجهًا، والقلبُ في كَبَقِ</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فهذه القصيدة كانت صوت الحنين إلى صنعاء، أكثر من حنين الجغرافيا؛ كانت حنينًا إلى تلك التجربة الوجدانية العميقة التي عشتها هناك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الجزء (13)<br>الصحفي أحمد فال:<br>يا سلام، يا سلام…<br>نعم، هذه من أجمل قصائد صنعاء فعلًا، ويبدو أن العاطفة فيها صادقة جدًّا.<br>ستعترف الآن بأن العاطفة في شعرك كلِّه صادقة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>خلاص، هذا أوّل اعتراف رسمي! نعم، العاطفة في شعري صادقة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>إذن أقمتَ في الولايات المتحدة، وبدأت دراستك هناك، ثم تنقّلت بين عدّة ولايات إلى أن استقرّ بك المقام في ولاية تكساس، في مدينة لَبَك، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، صحيح.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>وبعد وصولك إلى أمريكا بسنتين فقط وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي أعتبر أنها قدّمتك تقريبًا إلى العالم العربي ثقافيًّا؛ لأنك بدأت بعدها تنشر بكثافة على موقع الجزيرة نت.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>صحيح، موقع الجزيرة نت هو المنبر الذي ظهرتُ من خلاله.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>أذكر أنّك بعد يومين أو ثلاثة فقط من 11 سبتمبر نشرت مقالًا عن الأحداث.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>صحيح؛ أوّل مقال كتبته في الجزيرة نت كان في اليوم الثالث بعد أحداث 11 سبتمبر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومن هناك بدأ العالم العربي يتعرّف على قلم «الشنقيطي» القادم من الولايات المتحدة، يعيش نبض العالم الإسلامي والعربي، وعلاقته بالغرب.<br>وأحبّ أن أسمع منك الآن عن ظلال 11 سبتمبر التي عشتها هناك، وعن همّك الثقافي والإسلامي في تلك المرحلة الأولى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ما قبل 11 سبتمبر<br>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>قبل أن نصل إلى تكساس وإلى أحداث 11 سبتمبر، السنتان اللتان سبقتا ذلك – أي سنتا 1999 و2000 – قضيتُهما متنقلًا بين أكثر من ولاية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أوّلًا:<br>نزلتُ في واشنطن العاصمة لتقوية لغتي الإنجليزية؛ صحيح أنني خريج قسم الترجمة، لكنني لم أدرس الإنجليزية إلا سنتين فقط، فكانت لغتي الإنجليزية لا تزال ضعيفة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وللمناسبة:<br>تاريخ ميلادي المكتوب في أوراقي الرسمية بدأ من مطار جون كينيدي!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>كيف ذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لأنّهم رفضوا إدخالي إلى الولايات المتحدة دون تاريخ ميلاد كامل؛ وجواز سفري لم يكن فيه سوى سنة الميلاد دون اليوم والشهر، كما هو شائع قديمًا في موريتانيا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقالوا لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>“لن ندخلك حتى تذكر لنا تاريخ ميلادك بالتفصيل.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بدأوا يشكّون: كيف يأتي رجل لا يعرف يوم ميلاده؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ففكّرتُ: لا أريد أن أكذب، وفي الوقت نفسه لا أملك تاريخًا مضبوطًا؛ فقلت: أعطيهم تاريخًا هجريًّا وسنة ميلادية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تذكّرتُ 12 ربيع الأول – يوم المولد النبوي – فقلت لهم: 12. لكن ربيع الأول والثاني التبسا عليّ، فوضعوا الشهر الرابع بدل الثالث؛ ولم يكن هناك جوجل لأتأكد!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فأصبح تاريخ ميلادي الرسمي:<br>12 / 4 / 1966، وابتدأ رسميًّا في يناير 1999 بمطار جون كينيدي!<br>كأنّه ميلادي الثاني هناك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>سباق مع اللغة<br>عشتُ في واشنطن وفيرجينيا قرابة سنة، ودرستُ اللغة الإنجليزية كما كنت أدرس في المحظرة؛<br>كنتُ متسابقًا مع الزمن، فلا بدّ من اجتياز اختبار الـ TOEFL قبل بدء الدراسة الجامعية، وكان أمامي ثلاثة أشهر فقط.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقررت أن أدرس اثنتي عشرة ساعة في اليوم:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ست ساعات في المعهد،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وست ساعات في البيت.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أخذتُ على نفسي عهدًا أن أدرس كل يوم، وأن لا تبدأ الدراسة الجامعية إلا وأنا قد اجتزت الاختبار، والحمد لله وفّقت في ذلك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعدها أقمتُ بضعة أشهر في بنسلفانيا بمدينة فيلانوفا، ثم أشهرًا في كاليفورنيا بمدينة مودِستو، ثم انتقلتُ واستقرّ بي الحال في لَبَك – تكساس، حيث أصبحتُ مديرًا للمركز الإسلامي هناك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تكساس والرفقة اليمنية<br>هناك في لَبَك استقبلني رجل فاضل من أهل اليمن، هو الدكتور زهير شهاب – من عدن – وهو من نوادر الأذكياء والنبلاء الذين عرفتهم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حين أخبرني أنه من عدن قلت له بيت الشاعر:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إن يُغْنِيا عنّي المُستوطَنُ العَدَنا<br>فإنّني لستُ يومًا عنهما بغَني</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فطرب للبيت، ثم اكتشفتُ أنه أديبٌ مع أنه جرّاح عيون مبرَّز؛ وخاله الشاعر الكبير عبد الله عبد الوهاب غانم، صاحب كتاب «الشعر الغنائي الصنعاني»، فتأثر به، وصار مولعًا بالشعر والأدب، فنسجت بيننا علاقة وطيدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وتعرّفتُ كذلك على خيرة الجالية هناك، منهم صديقنا الدكتور شريف عمّور من الجزائر، الذي صار لاحقًا عميدًا في إحدى كليات «فرجينيا كومنولث» في «قطر فاونديشن»، وكان قبل ذلك رئيس قسم العمارة في جامعة «تكساس تك».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أوّل كتاب<br>في تلك المرحلة في لَبَك، ألفتُ كتابًا يبدو – في سياق حياتي – كأنّه جاء من خارج المسار المعتاد، وهو أوّل كتاب نشر لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لماذا ألّفته؟<br>أظنّه نتاج بقايا تجربة تنظيميّة سابقة في الحركة الإسلامية في موريتانيا، خلال نشاطي الطلابي في جامعة نواكشوط.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كنت مهتمًّا بالتنظيمات: نجاحها وفشلها.<br>وفي إطار قراءاتي، اطّلعـت على كتاب الدكتور حسن الترابي عن «الحركة الإسلامية في السودان»، وعلى كتب الدكتور حسن مكي وغيره، فلفتت نظري التجربة السودانية؛ فهي تجربة فريدة ومغايرة للتجارب الإخوانية التقليدية التي عرفناها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقلت: لِمَ لا أقدّم خلاصة لهذه التجربة؛ لعلّ الحركة الإسلامية تستفيد منها؟<br>بدأتُ كتابة الكتاب في كاليفورنيا، وأكملتُه عندما وصلت إلى لَبَك، ونشرته دار الحكمة في لندن عام 2002.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وظلّ شغفي بفكر الدكتور الترابي وتجربته – بما فيها من مغامرة وصواب وخطأ – قائمًا إلى اليوم، مع أنني لم ألتقِ به إلا في آخر حياته.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الترابي… من بعيد ثم من قريب<br>على سبيل الاستطراد:<br>زرتُ السودان لأوّل مرة بعد وفاة الدكتور الترابي؛ زرتُه عام 2017، مع أنّي كتبت كتابي عنه قبل أن أرى السودان أصلًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كما كتبتُ كتيّبًا بعنوان:<br>«آراء الترابي… من غير تكفير ولا تشهير».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وحين لقيتُ الدكتور الترابي هنا في الدوحة – وكان في زيارة – قلت له:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”أنا الشنقيطي الذي كتب كتيب آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فرحّب بي قائلًا:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”أهلًا وسهلًا… لكن هذا العنوان ناقص.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت: كيف؟<br>قال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”ينبغي أن يكون العنوان: آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير، وذلك أمر عسير!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقلت له: “إن شاء الله في الطبعات القادمة!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد وفاته زرت السودان، وفي السنة الأولى لرحيله أقيم لقاء عزاء كبير، ودُعيت لإلقاء محاضرة.<br>وكان الإسلاميون لا يزالون يحكمون السودان برئاسة البشير.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد المحاضرة سألوني:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”ما رأيك في تجربة الحركة الإسلامية في السودان؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكنت محرجًا؛ فأنا ضيف عندهم ولا أريد أن أُجامِل أو أُجافي، فتهرّبت بجواب أصبح بعدها جوابي المعتمد:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”الحركة الإسلامية في السودان متقدمة على جميع الحركات الإسلامية في صوابها… وفي خطئها.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وما زلت أرى هذا التوصيف دقيقًا إلى اليوم؛ فهي تجربة بديعة، والترابي من نوادر الأذكياء والأبطال والأجواد، وشخصية متميزة بحق.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إلى 11 سبتمبر والعودة إلى موريتانيا<br>نعود إلى سياق الرحلة في أمريكا:<br>في لَبَك، بدأت أظهر عبر منصة الجزيرة نت بمقالات متفاعلة مع واقع العالم الإسلامي والعربي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم ذهبتُ في إجازة إلى موريتانيا بداية 2002 – بعد أحداث 11 سبتمبر – وهناك خُضْتُ تجربة أخرى؛ هي تجربة الاعتقال.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>قبل الاعتقال، حدّثنا عن يوم 11 سبتمبر نفسه. كيف عشته؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>كان يومًا لا يُنسى في العالم كله، وقد عشته لحظة بلحظة، وإن لم أكن في نيويورك أو واشنطن.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في الصباح كنتُ عند صديق سوداني، نشرب قهوة الصباح. فتحنا التلفزيون، فورد خبر أن طائرة اصطدمت بأحد برجي مركز التجارة العالمي؛ قُدِّم الخبر أولًا كأنه حادث عرضي عادي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ونحن نتابع ذلك، إذا بالطائرة الثانية تأتي أمام أعيننا مباشرة، في بث مباشر، وتصطدم بالبرج الآخر!<br>هنا أدركنا أن الأمر أبعد من حادث، ثم توالت الأخبار.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ذهبتُ إلى الجامعة فوجدتها في حالة عويل وذهول؛<br>الناس كلهم على الشاشات، يتابعون ما يجري.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كانت أحداثًا هزّت العالم، ولا شك أنها أثّرت في حياة الجميع؛<br>أمريكا قبل 11 سبتمبر ليست أمريكا بعده.<br>من عاش هناك – وأنت منهم – يدرك هذا التحوّل؛<br>مزاج الناس، نظرتهم للعالم، تعاملهم مع المهاجرين – خصوصًا المسلمين – تغيّر كلّه في تلك السنوات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>العودة والاعتقال في موريتانيا<br>في عام 2002 زرت موريتانيا، واعتقلوني لأسبوع، وقد “ورّطني” في ذلك صديقنا العزيز فيصل القاسم!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كنت في تكساس، وكانت هناك حلقة من برنامج «الاتجاه المعاكس» عن التطبيع في موريتانيا؛ فاتصل بي فيصل وطلب مني مداخلة، فهاجمتُ الرئيس الموريتاني آنذاك معاوية ولد الطايع بسبب تطبيعه مع إسرائيل، ووصفت دبلوماسيته بأنها «دبلوماسية تسوّل».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>عندما جئت موريتانيا تركوني حتى وصلت إلى قريتنا – تبعد أكثر من 1100 كيلومتر عن العاصمة – ثم جاءت الشرطة وأخذوني من جريف في رحلة طويلة إلى نواكشوط.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأظن أن العقوبة الأساسية عندهم كانت مشقة الطريق نفسها!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أُدخلت إلى إدارة أمن الدولة، وهنا استفدت من درسٍ أدبيٍّ قديم: أن أتعامل مع هذه الأمور ببرودة أعصاب تامة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>درس من الأدب الإنجليزي<br>كنت قد قرأت رواية لكاتب إنجليزي هو سومرست موم عنوانها «كنتُ جاسوسًا» (I Was a Spy)؛<br>هو طبيب وأديب، عمل في الاستخبارات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، والرواية تحكي تجربته.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يذكر أن الضابط الذي استكتبه للمخابرات قال له:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”نريدك أن تعمل معنا في مهمة؛<br>إن أحسنتَ لن نشكرك،<br>وإن تورّطتَ لن ننقذك.<br>فهل هذا يُرضيك؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قال: “نعم.” فقال له: “إذن حظًّا سعيدًا.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الأهمّ عندي من القصة أنّه حكى عن عميلة سوفييتية التقاها في أحد الفنادق، وكان يلتقيها على القهوة؛<br>يقول:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”فهمتُ من اللحظة الأولى أنها عميلة لـ(الكي جي بي)،<br>فاعتبرتها زميلة في المهنة، مع اختلاف المعسكرين.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه برودة أعصاب مذهلة؛ يتعامل مع التجسس كأنه مجرّد مهنة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تعلمتُ من هذا النص أن مثل هذه المواقف لا بُدّ أن تُدار بهدوء كامل؛<br>فحين أخذوني إلى العاصمة كنتُ أترنّم بأشعار محمد إقبال في السيارة، كأنني ذاهب إلى نزهة، لا إلى التحقيق!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في أروقة الأمن<br>جاء التحقيق مع مدير أمن الدولة حينها، فقره ولد ددّاه ولد عبد الله.<br>قرّرت أن أتعامل معه بأسلوبين:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>البرود التام،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وشيء من «التحامق»؛ أي أن أُظهر له أني بسيط، لا أفهم كثيرًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان يسألني عن الجماعات الجهادية، وكانت تلك هي الحساسية الكبرى بعد أحداث 11 سبتمبر: القاعدة وما بعدها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>سألني:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”هل تعرف أحدًا من القاعدة؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”نعم، طبعًا أعرف.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>استبشر كأنه وقع على كنز، وقال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”من تعرف؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”أعرف محفوظ ولد الوالد.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهو أبو حفص الموريتاني، مفتي القاعدة حينها، وكان اسمه متداولًا بقوة بعد خروجه من تورا بورا إلى إيران.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قال لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”أين عرفته؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”درستُ معه في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”وماذا تعرف عنه؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”الذي أعرفه عنه أنه شاعر عظيم؛<br>دخلت معه مرة في مسابقة شعرية بالمركز الثقافي المغربي مع عدد من الشعراء، فكان هو رقم واحد، ولم نَرَ نحن شيئًا؛ رمانا وراءه.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذا كل ما قلته له؛ لم أضف شيئًا يتعلّق بنشاطه الجهادي؛ لأني أردت أن أحصر معرفتي به في الجانب الأدبي فقط.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم سألني عن رأيي في تلك الجماعات، فرجعت بذاكرتي إلى اليمن، وإلى شعر عبد الله البردوني حين انتقد ثوّار اليمن عام 1948 – «أحرار اليمن» – فقال فيهم:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والأباةُ الذين بالأمسِ ثاروا<br>أيقظوا حولَنا الذئابَ وناموا</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقلت للمدير:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”أنا أرى أن هذه الجماعات ينطبق عليها قول البردوني؛<br>لقد أيقظوا حولنا الذئاب وناموا؛<br>ورّطوا العالمَ الإسلامي في معارك طاحنة لا قِبَل له بها، ولا هي في مصلحة أحد.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأكملتُ له الأبيات:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والأباةُ الذين بالأمسِ ثاروا<br>أيقظوا حولنا الذئابَ وناموا</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حين قلنا: قاموا بثورةِ شعبٍ<br>قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ربما أحسنوا البداياتِ لكن<br>هل يُحسّونَ كيف ساءَ الختامُ؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقال لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”والله صدقت؛ هذا صحيح.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان يُجري التحقيق معي بالعربية، ثم يُملي على كاتبه ما يقوله بالفرنسية؛ وأنا مستمر في برودتي، أحاول أن أجعل من التحقيق جلسة نقاش أدبي أكثر منها محاكمة!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الجزء (14)<br>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>هنا اكتشفتُ أن السيد المدير، مديرَ أمن الدولة، لا يصلح أن يكون مترجمًا!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أنا تخصّصي ترجمة، وحين استشهدتُ ببيت البردوني:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والأُباةُ الذين بالأمسِ ثاروا…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فهم هو كلمة الأُباة على أنها جمع أب، لا «أَبِيّ». فالتفت إلى كاتبه وقال له بالفرنسية شيئًا من قبيل: les pères أو les grands… فقلت في نفسي: مسكين المدير، تركوا له الأمن وأعطَوه فوقه مهنة الترجمة أيضًا!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>بعد أسبوع استدعاك مرة أخرى، ماذا دار بينكما؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>نعم، بعد أسبوع استدعاني مجددًا، وقررت أن أتعامل معه ببرودة أعصاب تامة، كما فعل «سومرست موم» مع زميلته من الـ«كي جي بي»!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قال لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”هل ستكفُّ لسانك عنَّا فنطلق سراحك، أم لن تكفَّه فنحكم عليك بالسجن المؤبَّد؟ سنحبسُك حبْسَ عُمر.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت له:<br>«انظر يا سيدي المدير؛ أنا في حياتي لم أستعمل سلاحًا، ولا أحسن استعماله، ولستُ عضوًا في حزب سياسي، ولم أشارك في مظاهرات قطّ. كلّ ما أملك هو هذا اللسان.<br>فإن تنازلتُ لكم عنه لم يبقَ لي شيء. لا أستطيع، لأن رأسمالي الوحيد هو الكلمة. وحتى حين أكون قريبًا منكم لا أتكلَّم عنكم؛ إنما أقول ما أريد حين أبتعد عنكم؛ فأنتم أصلًا لا تتركون لأحد مجالًا ليتكلم وهو قريب منكم.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فغضب وقال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”ما هذا الكلام؟ إمّا أن تلتزم بالصمت، وإمّا ألا تخرج من هنا أبدًا!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت له:<br>«دعني أكون صريحًا معك: عندنا في قريتنا الجريف حكاية عن رجل في زمن الاستعمار الفرنسي اسمه حفظ الرحمن؛ كان متصوّفًا مجذوبًا، أحيانًا لا يسيطر تمامًا على قواه العقلية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>مرَّ يومًا على مجموعة من النساء، فأخذ عمودًا وضرب إحداهنّ فقتلها. فجاؤوا به إلى الحاكم الفرنسي في مدينة النعمة. سأله المترجم:<br>”لماذا قتلتَ المرأة؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقال حفظ الرحمن:<br>”وما شأني أنا وهي؟ هو نصراني، وهي من قبيلة كذا وكذا، ما علاقتي؟!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فغضب الحاكم المتجبّر وقال لجنوده:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>’ارموه في السجن.'</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد شهر أو شهرين جاءت القبائل إلى الحاكم وقالوا له:<br>’هذا الرجل مجنون، لماذا تسجنه؟'</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قال:<br>’إذن أطلقوا سراحه.'</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ذهبوا إليه في السجن وقالوا: ‘اخرجْ.'<br>فقال: ‘لا والله لا أخرج؛ أنا أجلس في الظل، ويأتي الغداء والعشاء إلى بابي، فلماذا أترك هذا النعيم؟!'</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلتُ للمدير:<br>أنا مثل حفظ الرحمن هذا القريب منا؛ صاحبك فلان جاءني بنسخة من صحيح البخاري، وكلَّ يوم يأتيني بغداء طيّب، وكاتبك هذا يُحضر لي الشاي، ولا أظنّ أن في موريتانيا من يُتقِن إعداد الشاي مثله!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أنا جالس هنا أحفظ صحيح البخاري، وأشرب شايًا ممتازًا، وآكل غداءً طيبًا؛ إلى أين أريد أن أذهب؟<br>بل لو قلتم لي غدًا: اخرج… قد أقول لكم: لا أريد الخروج أصلًا!»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فضحك وقال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”أنتم أتعبتمونا أنت وأهلك!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وكان الفقيه – خالي رحمه الله – عضوًا في مجلس الشيوخ، وكان إذا جاءهم يشدّ عليهم في الكلام؛ فالمدير متضايق من العائلة كلها!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم نادى أحد الضباط وقال له:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”تعال خذ عني قريبك هذا.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الصحفي أحمد فال:<br>خلال هذه التجربة، هل احتككت بموظفين آخرين في الإدارة غير المدير؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>لم يحقّق معي غير المدير نفسه، لكنّهم حبسوني في أحد مكاتب الإدارة، وكان يبيت معي دائمًا شخص؛<br>أحيانًا يكون الكاتِب الذي يدوّن إفادة المدير، وأحيانًا شخصًا آخر.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بصراحة، كانت معاملتهم معي جيّدة؛ حتى إن أحد الأصدقاء مازحني بعد خروجي وقال:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”يبدو أنهم عاملوك معاملة المواطن الأمريكي لا المواطن الموريتاني؛<br>ربما ظنّوك أمريكيًّا!”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقلت: الحمد لله على كل حال.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>العودة إلى تكساس وبداية مرحلة أكاديمية جديدة<br>الصحفي أحمد فال:<br>بعد تجربة الاعتقال عدتَ إلى مرابعك في تكساس – إلى لَبَك – وبدأت حياة جديدة أهمّ ملامحها أنك عدت إلى الدراسة الأكاديمية المنظمة. لماذا اخترت دراسة الحروب الصليبية تحديدًا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>كنتُ قد انقطعت عن الدراسة الجامعية قرابة عشر سنوات أو أكثر؛ تخرّجت من قسم الترجمة بجامعة نواكشوط عام 1992، ثم انقطعت.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>استأنفت الدراسة في أمريكا سنة 2003 تقريبًا.<br>لم يكن يخطر في بالي أن أدرس التاريخ أو تاريخ الحروب الصليبية؛ كنتُ راغبًا في دراسة العلوم السياسية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ذهبت إلى جامعة تكساس تك – وهي جامعة كبيرة عريقة، عمرها يقارب مئة عام – لأتقدّم إلى قسم العلوم السياسية. قالوا لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”نحن مستعدّون لقبولك، لكنّ عليك اجتياز اختبار في الرياضيات.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فعادت إليَّ عقدة س + ص من جديد!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت لهم:<br>«أنا هربت من أول إعدادي بسبب الرياضيات، وتريدون إعادة الكرّة معي؟ هذا مستحيل؛ لا أمل في الأمر أصلًا.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قالوا:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”هذه أنظمة الجامعة؛ لأننا نستخدم الإحصاء والتحليل الكمي في العلوم السياسية.”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>صحيح أن من يصبر أسبوعين يتجاوز هذه العقدة، لكنها بالنسبة إليّ حاجز نفسي؛ لا أحتمل أن أقرأ صفحة واحدة في الرياضيات أو الاقتصاد. هذا هو الجانب «الشاعري» في شخصيتي ربما!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقالوا لي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”إذن أمامك قسم التاريخ:<br>عندنا التاريخ السياسي، والتاريخ العسكري، وتاريخ الأديان…”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقلت:<br>«أسجّل إذن في تاريخ الأديان؛ فلي خلفية في الدراسات الإسلامية من معهد ابن عباس، وخبرة بالتدريس في جامعة إسلامية، فلعله الأنسب.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>شرط اللغات… وخصوصية العربية<br>كنتُ قد سجّلت في برنامج ماجستير/دكتوراه متّصل؛ فالجامعة تسمح بأن تُسجَّل للماجستير والدكتوراه معًا. وفي الوقت نفسه كنت أتابع ماجستير آخر «أونلاين» في جامعة اسمها كولومبيا – غير كولومبيا الشهيرة في نيويورك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن قسم تاريخ الأديان وضع شرطًا عجيبًا:<br>كل من يسجّل للدكتوراه يجب أن يتقن ثلاث لغات:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لغة واحدة كلاسيكية،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ولغتين معاصرتين.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>سألوني:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”هل تعرف لغة كلاسيكية، ولغتين معاصرتين؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت:<br>«أنا درستُ الفرنسية والإنجليزية، وهذه شهادة الترجمة بينهما؛ فاللغات المعاصرة موجودة.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قالوا:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”وماذا عن اللغة الكلاسيكية؟ هل تعرف العبرية؟”</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قلت: لا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قالوا: “اليونانية؟”<br>قلت: لا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قالوا: “اللاتينية؟”<br>قلت: لا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم سألتهم:<br>«لكن العربية هي لغتي الأم.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقالوا مباشرة:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>”إذن انتهى الأمر؛ العربية لغة كلاسيكية ومعاصرة في الوقت نفسه.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هنا اكتشفتُ ميزةً فريدةً للعربية بين لغات العالم:<br>أنها مُصنَّفة أكاديميًّا لغةً كلاسيكية ومعاصرة معًا؛<br>يمكن احتسابها لغة حيّة معاصِرة، ويمكن في الوقت نفسه عدُّها لغة نصوص قديمة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وحين تأملت ذلك لاحقًا وجدت أنه من فضل القرآن الكريم على العربية أن جعل العربيّ اليوم يفهم نصوصًا عمرها 1400 سنة أو 1200 سنة؛ فنحن نقرأ شعر المتنبي اليوم كما نقرأ الصحف.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أما في اللغات الأخرى فالأمر مختلف؛ الأمريكان مثلًا لا يفهم شعر شكسبير إلا المتخصصون، مع أن بينهما خمسمئة سنة فقط أو أقل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بفضل هذه الخاصية قُبلت في جامعة تكساس في برنامج تاريخ الأديان.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>اكتشاف الحروب الصليبية<br>أول مادة أخذتها كانت مادة الحروب الصليبية، درّسها أستاذ فاضل تلمذت على يديه سنوات، هو الدكتور جون هاو.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>اكتشفتُ من خلاله عالم الحروب الصليبية؛ لم تكن يومًا ضمن اهتمامي، بل لم أكن أعرف حتى بعض المصادر العربية الأساسية عنها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لأوّل مرة أسمع – مثلًا – عن:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ، الفارس الشاعر والأمير الشيزري، المعاصر للحروب الصليبية وصاحب صلاح الدين الأيوبي،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ورحلة ابن فضلان؛ وهي ليست في الحروب الصليبية مباشرة، لكنها أقدم نص وصلنا عن الفايكنغ في شمال أوروبا؛ تلك الشعوب النورمانية الجرمانية التي كانت لاحقًا الخزان البشري للحملات الصليبية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كان الأمر اكتشافًا حقيقيًّا، وولعتُ بتاريخ الحروب الصليبية؛ لأنها تقع في منطقة التماس بين التاريخ الإسلامي والتاريخ المسيحي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفي جامعة تكساس لا يُدرِّسون جميع الأديان بالتساوي؛<br>معظم ما درسناه كان:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تاريخ المسيحية،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وما يسمّى «الديانات الأمريكية»؛ أي الطوائف البروتستانتية في أمريكا: المعمدانيون، المنهجيون، المشيخيون، الكنيسة التوحيدية، المورمن… إلخ،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فضلًا عن بعض طوائف اليهودية: الأرثوذكسية، والإصلاحية، وغيرها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فكان نصف ما درسناه تقريبًا «مللًا ونحلًا أمريكية»، والنصف الآخر ركّز على المسيحية، والباقي للديانات الأخرى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>من الحروب الصليبية إلى غزو العراق<br>الصحفي أحمد فال:<br>ربما كان سبب تعلّقك بالحروب الصليبية أنك عشت مسألة الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي بعد غزو الولايات المتحدة للعراق؛ فبدت الحروب الصليبية نموذجًا تاريخيًّا لصراعٍ ممتد. هل يصحّ هذا التفسير؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>هذا صحيح تمامًا؛ خصوصًا أن الأجواء بعد 11 سبتمبر كانت مشحونة بالكلام عن الدين والإسلام في وسائل الإعلام، وأنا مدمن متابعة للإعلام.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم جاء غزو أفغانستان، وبعده غزو العراق؛ وبدأت الدراسة في تاريخ الأديان في العام نفسه الذي غُزِيَ فيه العراق تقريبًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>دراسة الحروب الصليبية لفتت نظري إلى أمر مهم جدًّا بعد الغزو الأمريكي للعراق:<br>علاقات السنّة والشيعة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>رأيتُ تشابهًا بين مرحلتين:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>مرحلة الحروب الصليبية،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومرحلة غزو العراق.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في الحالتين يوجد انشطار داخل الذات الإسلامية يصاحبه اقتحام خارجي للمنطقة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فبدأت أنظر إلى الحروب الصليبية من زاوية تأثيرها في الديناميكية الطائفية الداخلية في المجتمعات الإسلامية. ومن هنا اخترت موضوع رسالتي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«أثر الحروب الصليبية في العلاقات السنية الشيعية».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الاقتحام الخارجي: تعميقٌ أم التئام؟<br>الصحفي أحمد فال:<br>بكلمة واحدة: هل لاحظتَ أن الاقتحام الخارجي يُعمِّق الشرخ بين الطوائف الإسلامية، أم يساعد على التئام الجراح والتقارب بينها؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>الخلاصة التي وصلتُ إليها من دراسة الحروب الصليبية:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في البداية أدّى الاقتحام الخارجي إلى تعميق الشرخ بين السنّة والشيعة؛ ففي صدمة الغزو الأولى ساد منطق «نفسي… نفسي»، وانطوت كل طائفة على ذاتها، بل إن بعض الأمراء الانتهازيين حاولوا التفاهم مع الصليبيين لضرب إخوانهم المسلمين.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن في المدى البعيد أدّت هذه الصدمة إلى توحيد الصفّين السني والشيعي في مواجهة العدوّ الخارجي؛<br>وساعد على ذلك حِكمة وسعة صدر بعض القادة الذين قادوا المقاومة الإسلامية للحملات الصليبية، وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تعامل صلاح الدين مع المسألة الطائفية تعاملًا – في رأيي – لم ينل حظّه من الدراسة الكافية؛ لأننا نقرأ تاريخنا اليوم بعيون طائفية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>من دراستي في هذا المجال تعلّمت أهمية الذاكرة؛ فقد كانت عندنا مادة عنوانها:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>History and Memory – «التاريخ والذاكرة».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الفرق بينهما كبير؛<br>فالأهم في كثير من الأحيان ليس «الحدث» بل الحديث عن الحدث؛<br>ليس التاريخ نفسه، بل الذاكرة التي نحتفظ بها عن التاريخ:<br>ماذا نتذكّر وما الذي ننساه.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الذاكرة غالبًا انتقائية؛ فيها نسيانٌ جماعي، وتذكّر جماعي، ويمكن أن نصوغها بطريقتين:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إمّا أن نجعلها زادًا ملهمًا للمستقبل،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وإمّا أن تتحوّل إلى ذخيرة لتدمير الحاضر والمستقبل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كل شيء يتوقف على الطريقة التي نصوغ بها ذاكرتنا التاريخية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهذا من أهم الدروس المنهجية التي خرجتُ بها من دراسة التاريخ هناك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الجزء (17)<br>المحاور:<br>الاتهام الذي وُجِّه إليك بأنك تترجم الشورى إلى ديمقراطية تحت ضغط «الحضارة المنتصرة» وُجِّه من قبل لغيرك أيضًا، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. محمد المختار الشنقيطي:<br>بلى، هذه التُّهمة في الحقيقة وُجِّهت – بالمناسبة – لكل الإصلاحيين المعاصرين تقريبًا؛ وُجِّهت إلى الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وما زالت تُوجَّه إلى عبد الرحمن الكواكبي، ومالك بن نبي، وغيرهم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>رشيد رضا تناول هذا الموضوع صراحة في كتابه «الخلافة»، وأنا أوردتُ كلامه في كتابي تجنُّبًا لهذه التهمة. يقول – بمعناه –:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«ما الذي يجعلك تظن – أيها المسلم – أنك كنت ستدرك المعنى الكامل للشورى لو لم ترَ تجربة الغربيين في تطبيقها؟ إنّ تجربة الغربيين في الشورى هي التي حفّزت ذهنك لاكتشاف المعنى الكامل للكنوز التي عندك.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كل حضارة فيها معانٍ كامنة؛ وفائدة الاحتكاك بالثقافات الأخرى ليست أنك تكتشف ثقافة أخرى فحسب، بل إنها تُحفِّز الكوامن الثقافية عندك أنت، التي لم تكن مفعَّلة من قبل.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أنا في هذا مع رشيد رضا تمامًا. وأُعجِبني أيضًا في هذا السياق طرح محمد إقبال؛ وقد أوردتُه في الكتاب، وهو يميز بين استعارة الفكرة وتملُّك الفكرة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كل الحضارات – كما يقول إقبال – تستعير من الحضارات الأخرى، لكن متى تصبح الفكرة المُستعارة «لك»؟ إذا تملَّكتها، أي استوعبتها وأعدتَ إنتاجها في إطارك؛ حينئذ تُنسب إليك. أمّا إن بقيت مجرد استعارةٍ سطحية، فلا تنفع.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يشبّه ذلك بـ نقل الدم بين مريضين؛ فهو يحتاج إلى تشابهٍ في فصيلة الدم، وإلى شروط طبية وبيولوجية دقيقة، يعرفها الأطباء. كذلك انتقال الأفكار بين الحضارات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أنا أرى أيضًا أن وراء هذه التُّهم عُقدةً أو هواجسَ خصوصيةٍ مفرِطة؛ فبعض الناس لا يريدون لك أن تُثني على أي شيءٍ جيد عند الآخرين، خصوصًا حين تكون في مواجهةٍ حضارية معهم. وأرى أن هذا خطأ كبير؛ لأنه يؤدي إلى الانكفاء والانطواء وإفقار الذات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذا ما يسميه الدكتور عبد الحكيم مراد (تيم وينتر) – المفكر المسلم البريطاني المعروف – بـ «فقر التعصب» (Poverty of Fanaticism)؛ فالمتعصّب يظن أنه يحمي نفسه، لكنه في الحقيقة يُفقِر ذاته، كأنه نبتةٌ حُرمت من الهواء والضياء.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>عن «السلف» لكل قول… وحكاية الترابي<br>المحاور:<br>وماذا عن التراثيين الذين يشترطون لكل قول «سلفًا» سابقًا، ويرفضون أي فكرة لا يجدون لها نصًّا قديما؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. الشنقيطي:<br>مع هؤلاء أستحضر نكتةً لطيفةً عن الشيخ حسن الترابي رحمه الله، ومعها كلمةٌ لابن خلدون.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يُروى أن الرئيس جعفر نميري شكّل لجنةً لتقنين الفقه الإسلامي؛ أي تحويل القانون السوداني إلى قانونٍ إسلامي في إطار «تطبيق الشريعة». كان الترابي عضوًا في هذه اللجنة، ومعه عدد من الفقهاء، منهم القاضي الكباشي – وهو فقيه تقليدي سوداني.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>القاضي الكباشي كان يؤمن أن لكل قولٍ لا بد من «سالف»؛ أي سَبْقٍ في كلام العلماء، وإلا فهو باطل. وأنا ضدّ هذه الفكرة؛ لأن معناها أن كل فكرة جديدة بنتُ سفاح! وهل كانت أقوال العلماء الذين نقرؤها اليوم كلها لها أسلافٌ حرفيًا؟!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>المهم أن حسن الترابي كان واسع الاطلاع في الفقه، وأبوه كان قاضيًا، فكان إذا اجتمعت اللجنة لصياغة مواد القانون، كان هو أوسعَهم باعًا؛ لا يكتفي بالفقه المالكي السائد في السودان، بل يفتح على سائر المذاهب والتراث الإسلامي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كلما قال لهم:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«دعونا نضع مادةً على النحو الفلاني…»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يسأله القاضي الكباشي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«يا شيخ حسن، ما أصل هذا القول؟ من أين جاء؟»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فيجيب الترابي:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«هذا قولٌ في المذهب الشافعي، تجدونه في كتاب كذا وكذا…»<br>أو:<br>«هذا هو الراجح في المذهب الحنفي، وما الذي يضرّ لو أخذناه في القانون السوداني؟ يمشي الحال.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إلى أن أتعبه الكباشي بكثرة الصحفي احمد الفال : «وهذا القول من أين؟ وما مصدره؟»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقال له الترابي مرة – مازحًا –:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«يا شيخ الكباشي، هذا القول موجود في كتابٍ من كتب المسلمين التي رماها المغول في نهر دجلة، وضاع… حتى نتخلّص من سؤالك!»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أما ابن خلدون، ففي تاريخه – وهو ربما المؤرخ المسلم القديم الوحيد الذي رأيته يتكلم عن الديمقراطية الرومانية – يذكر أن روما كانت ملكية ثم صارت جمهورية قبل أن تتحول إمبراطورية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>حين تحدث عن نشأة الديمقراطية عند الرومان، قال – بمعناه – إن الرومان ملُّوا ملوكهم، فعزلوهم، وجعلوا الأمر شورى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هكذا سمّى ابن خلدون الديمقراطية الرومانية: «شورى».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فإذا كان البعض يريد «قولًا سالفًا» يبرر له استعمال هذا المصطلح، فهذا ابن خلدون قد سبقه، ولم يَرمِ المغول كتابه في دجلة؛ فهو موجود والحمد لله!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الانتقال إلى الدراسات الاستراتيجية<br>المحاور:<br>بعد «الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية» بدأنا نراك تهتم اهتمامًا جديدًا بما تسميه «الدراسات الاستراتيجية». لماذا عبرتَ إلى هذا الحقل في هذه اللحظة من تاريخ العرب والمسلمين؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. الشنقيطي:<br>هذا سؤال مهم. والسبب في الحقيقة هو المعاناة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد انكسار الموجة الأولى من الربيع العربي، شعرت بأن مشكلة الساعين إلى الإصلاح السياسي في العالم العربي والإسلامي ليست في المبادئ؛ فالمبادئ واضحة في الجملة، وإنما هي في المناهج العملية والاستراتيجيات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أحسستُ أن هناك فقرًا مُدْقِعًا في الفكر الاستراتيجي.<br>يمكن تعريف الفكر الاستراتيجي بمثل ما عرّف علماؤنا الحكمة؛ إذ كانوا يقولون:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«الحكمة: وضع الشيء في موضعه.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يمكن أن نقول:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«الفكر الاستراتيجي: وضع الجهد في موضعه.»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أي اقتصاد الجهد بحيث نصل إلى الغايات بأقل ثمن وأقصر طريق.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهذا – للأسف – عكس ما حدث في تاريخنا المعاصر:<br>تضحيات جليلة هائلة، وثمرات هزيلة، بل كارثية أحيانًا، وأحيانًا لا توجد ثمرة أصلًا؛ كل شيء ينتهي إلى العدمية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن حين ننظر إلى السيرة النبوية بمنظار العلوم السياسية والاستراتيجية المعاصرة، نجد صورة مختلفة تمامًا؛ فلم تشهد البشرية – في رأيي – حروبًا غيّرت وجه الأرض ومسار التاريخ بأقل كلفة من حروب الرسول صلى الله عليه وسلم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>العلماء يختلفون اليوم في عدد القتلى – من المسلمين وغير المسلمين – في كل الغزوات والسرايا في العهد النبوي:<br>هل هو 800 أم 1200؟<br>أي بين ثمانمائة وألفٍ ومئتين من الطرفين، في كل الغزوات والسرايا، خلال عشر سنوات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لدينا حوالي 28 غزوة و32 سرية؛ أي حوالي 60 عملية عسكرية في عشر سنوات، بمعدّل معركة كل شهرين تقريبًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه الحروب انتهت بأن سيطر الإسلام على كامل الجزيرة العربية، وأصبح متحفزًا لاقتحام الإمبراطوريتين المجاورتين.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ماذا يعني هذا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يعني أن الله عز وجل أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بالكتاب والحكمة؛ وإذا أردنا أن نترجم هذا بلغة اليوم فيمكن أن نقول:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الكتاب هو المبدأ،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>والحكمة هي الاستراتيجية؛ أي وضع الأمور في مواضعها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>من هنا بدأت أستشعر أن إصلاح حالنا يقتضي سدّ هذا الفراغ في الدراسات الاستراتيجية والجغرافيا السياسية؛ وإلا فسنظل ندور في حلقة: تضحيات هائلة → نتائج ضامرة زهيدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>مشروع «الدين في الدساتير» و«الديمقراطية بلا علمانية»<br>المحاور:<br>وهل لهذا السبب اتجهتَ إلى دراسة مسألة «الدين والدولة» في الدساتير الحديثة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. الشنقيطي:<br>نعم. قضية الدين والدولة حاضرة في ذهني دائمًا، لكنني أردت أن أتناولها بطريقة عملية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بدأتُ مشروعًا لدراسة الدين في دساتير العالم؛ فجمعتُ كل دساتير دول العالم، واستخلصتُ منها جميع المواد المتعلقة بالدين، وأنا الآن أجمعها في عملٍ أرجو أن يُنشر قريبًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ومن هذا المشروع خرجتُ أيضًا بفكرة كتابٍ أسميه «ديمقراطية بلا علمانية».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>السبب أن هناك تلبيسًا كبيرًا في العالم العربي؛ إذ يُربَط بين العلمانية والديمقراطية وكأنهما شيء واحد، بينما لا توجد علاقة حتمية بين المفهومين أصلًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أردت أن أبرهن على ذلك تجريبيًا من خلال استقراء دساتير العالم، لا بمجرد الجدل النظري حول الأديان وفلسفة الدين، و«ديانات الحد الأدنى والحد الأعلى» وغير ذلك، مما تحدثتُ عنه في مقدمة «الأزمة الدستورية».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لذلك قلت: دعني أنظر في الواقع:<br>ما العلاقة بين الدين والديمقراطية؟<br>ما العلاقة بين العلمانية والديمقراطية – طرديةً أم عكسيةً؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فاخترتُ التقرير السنوي الذي تصدره مجلة الإيكونوميست عن مستوى التزام دول العالم بالديمقراطية، وأخذتُ نسخة عام 2020.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>نظرتُ: ما هي الدول التي في قمة القائمة؟ وما الدول التي في ذيلها؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في القمة جاءت ثلاث دول:<br>النرويج، السويد، آيسلندا؛<br>دول شمال أوروبا، أبناء «الفايكنغ» الذين كتب عنهم ابن فضلان.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه أعلى دول العالم في مستوى الالتزام بالديمقراطية وفقًا لهذا المؤشر.<br>سألت: ماذا تقول دساتير هذه الدول عن الدين؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وجدتُ أن الدول الثلاث تنص على المسيحية دينًا رسميًّا، بل المسيحية الإنجيلية اللوثرية تحديدًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>في بعضها يُنص على أن الملك لا يجوز أن يكون إلا مؤمنًا بالمسيحية اللوثرية؛ أي لا يكفي أن يكون مسيحيًا، بل من طائفة محددة.<br>وفي بعضها تمنح الدولةُ الكنيسةَ صلاحياتٍ رسمية – مثل إصدار بعض الوثائق – نيابة عن الدولة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إذن: وجود دين رسمي لم يمنع هذه الدول من أن تكون في قمة الديمقراطية.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم نظرت إلى ذيل القائمة؛ إلى الدول الأضعف التزامًا بالديمقراطية.<br>وجدت في آخر اللائحة مثلًا:<br>كوريا الشمالية، تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه الدول الثلاث تنص دساتيرها على العلمانية صراحة، وهي – في الوقت نفسه – في ذيل العالم من حيث القيم الديمقراطية!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذا يبيّن بوضوح أنه لا تلازم بين العلمانية والديمقراطية؛ فلا الدين عائقٌ عن الديمقراطية، ولا العلمانية ضمانةٌ لها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لذلك أقول: من يريد أن يسوّق لنا العلمانية باسم الديمقراطية إنما يدلّس علينا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>نحن نريد ديمقراطية غير علمانية؛ وهذه هي إرادة شعوب العالم العربي. ولهذا تجد أن كل الدول العربية تقريبًا – باستثناء لبنان – تنص في دساتيرها على دينٍ رسمي. أمّا لبنان فينصّ على تعدديةٍ طائفية معروفة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>عن تحويل المقال إلى كتاب… والنهج «الأمريكي»<br>المحاور:<br>قلت إن كتاب «ديمقراطية لا علمانية» بدأ بمقال. هل تتعمّد هذه الطريقة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. الشنقيطي:<br>نعم، أنا غالبًا أبدأ كل كتابٍ بـ «بذرة»؛ بحثًا أو مقالًا أجسّ به النبض.<br>هذه عادةٌ تعلمتها من «مشايخي» الأمريكيين في البحث!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فمثلاً:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>صمويل هنتنغتون نشر أولًا مقال «صدام الحضارات» في مجلة فورن أفيرز، ثم حوَّله إلى كتاب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فوكوياما فعل الشيء نفسه مع «نهاية التاريخ».</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الفكرة عندهم أن تُطلِق الفكرة وهي لا تزال «طريّة»، ترى ردود الأفعال حولها، ثم تُعمِّقها في ضوء هذه الردود وتحوِّلها إلى كتاب. وأنا أرى هذه طريقة جيدة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>سؤال القرّاء الدائم: كيف تقرأ؟ كيف تكتب؟<br>المحاور:<br>بعد هذا التجوال الفكري والمشاريع والكتب، يبقى في أذهان محبيك سؤالٌ دائم: كيف تقرأ وكيف تكتب؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. الشنقيطي:<br>هذا سؤال صعب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فيما يخص القراءة:<br>أنا أقرأ دائمًا؛ لا أستطيع أن أحدد «متى» أقرأ، لأن القراءة ملازمة لحياتي كلها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>الحمد لله رب العزة منحني شغفًا بالقراءة؛ حتى إن أسوأ تعذيب يمكن أن تمارسه ضدي هو أن تحرمني من القراءة، وأسوأ وظيفة هي التي تشغلني عن القراءة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أقرأ في الليل، وفي النهار، وفي آخر الليل، وفي آخر النهار.<br>لست من الذين عندهم طقوس صارمة؛ ساعة محددة أو مكان محدد. أقرأ في أي وقت، وفي أي مكان.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أقرأ – وأكتب أيضًا – في أجواء الضجيج، في المطاعم والمقاهي، ولا أكاد أحس بشيء. وفي البيت لا يهمني إن كان التلفاز مفتوحًا أو كان هناك ضجيج أطفال؛ حين أكون منغمسًا في القراءة أو الكتابة لا أشعر بالعالم من حولي، وهذا يساعدني كثيرًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>المحاور:<br>وماذا تقرأ تحديدًا؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>د. الشنقيطي:<br>في البداية كنت مشتَّتًا؛ وهذه إحدى سلبيات الثقافة الشنقيطية التي تحدثنا عنها؛ ثقافة «الفتوَّة» كما أسميها؛ أي أن يأخذ الإنسان من كل علمٍ بطرف، فيستطيع أن يتحدث في المجالس عن كل شيء تقريبًا، لكن دون عمق في مجال محدد…</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>(ويستمر الحديث في الجزء التالي).</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>الجزء الأخير من الحوار</strong><strong></strong></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>ذكرتَ من عيوب الثقافة الشنقيطية أحيانًا هذا التشتت، إلا عند العلماء الذين ركّزوا وتخصصوا. كيف كان الأمر معك شخصيًا في القراءة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. محمد المختار الشنقيطي</strong><strong>:</strong><br>نعم، أنا بدأت حياتي العلمية <strong>مشتَّتًا</strong>؛ ولهذا تجدني أقرأ في أشياء متباعدة جدًّا:<br>كنتُ أقرأ في <strong>الأدب الروسي</strong>، وفي <strong>الأدب العربي المعاصر</strong>، إلى جانب كتب الفقه. قد يحدث أن أكون في المساء أقرأ كتاب <strong>«</strong><strong>الكفاف» في الفقه المالكي</strong> على الشيخ محمد سالم بن الدَّمِين – رحمه الله – وهو قاضٍ معروف،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وفي العصر أكون أقرأ <strong>«</strong><strong>مُرْتقى الأصول</strong><strong>»</strong> في علم أصول الفقه لابن عاصم على الشيخ محمد سالم بن المحبوبي في نواكشوط،</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ثم أجدني في الليل أقرأ قصص <strong>بوشكين</strong> و<strong>دوستويفسكي</strong> و<strong>تولستوي</strong>!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فكان هذا الاضطراب في برنامج القراءة، وقد أخذ من عمري وسنواتي شيئًا كثيرًا. العلم كلّه نافع بلا شك، لكن <strong>عدم التركيز مُضرّ</strong>.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعد ذلك فهمتُ أنه لا بد من <strong>التركيز في مجالٍ أو مجالين على الأكثر</strong>؛ لأن أكثر من ذلك يتحول إلى تشتّت، خصوصًا في العلوم الإنسانية المترابطة. فليختر الإنسان مجالًا أو مجالين – أو ثلاثة بالكثير – ثم تكون قراءته مركَّزة فيها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>فقررتُ أن أركّز على <strong>قضايا الفقه السياسي</strong>، وقضايا السياسة عمومًا، ولا سيما موضوع <strong>الدين والدولة</strong>، وما يتصل به من قضايا سياسية واستراتيجيات وغيرها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:separator –>
<hr class=”wp-block-separator has-alpha-channel-opacity”/>
<!– /wp:separator –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>إذن أنت في القراءة تطبّق نظريّة الجاحظ؛ فالجاحظ يقول إنّ على كل واحد أن يكون صاحب فنٍّ أو فنَّيْن، وألّا يكون «غُفْلًا» من بقيّة الفنون. المحور عندك قريب من هذه النظرية، أليس كذلك؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. الشنقيطي</strong><strong>:</strong><br>نعم، هذه <strong>نظرية سليمة حتى تربويًّا</strong>، وهي في الحقيقة ما تطبّقه الجامعات اليوم.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لماذا تبدأ الجامعات بمقرّرات مثل <strong>«</strong><strong>مدخل إلى علم القانون</strong><strong>»</strong>، <strong>«</strong><strong>مدخل إلى علم السياسة</strong><strong>»</strong>…؟<br>لكي يحصل الطالب على <strong>إلمام عامّ</strong> بمختلف العلوم، ما دام أن العلوم مترابطة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وأنا أرى أن الجاحظ رجل عبقري؛ فالكلام الذي قاله هو بالضبط ما تطبّقه الجامعات:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:list –>
<ul class=”wp-block-list”><!– wp:list-item –>
<li>في البداية: <strong>إلمام بمداخل العلوم</strong>،</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li>ثم: <strong>تركيز على مجال أو مجالين</strong>.</li>
<!– /wp:list-item –></ul>
<!– /wp:list –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكنّي أعتقد أن مرحلة التشتّت عندي <strong>استمرّت أكثر مما ينبغي</strong>.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>قد يأتي قائل فيقول: إنّ هذا التشتّت الذي تذمّه الآن هو الذي أنتجه؛ كثير من الفضائل والعطاءات عندك ترجع إلى هذا التأسيس المتنوّع؛ فلولاه ما صُقلت اللغة، ولا اتسعت المدارك، ولا تنوّعت الأفق. هذا التنوّع هو الذي أثراك ولم يضرّك.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. الشنقيطي</strong><strong>:</strong><br>انظر… أنا شنقيطي، وسأرجع بك إلى <strong>الحكمة الشنقيطية</strong> التي تقول:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«العِلْمُ جَمٌّ، والعُمْرُ طَيْفٌ زَارَ أو ضَيْفٌ أَلَمْ»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>العلم كثير، والعمر إمّا <strong>طَيْفٌ عابر</strong> أو <strong>ضيفٌ مُقيم قليلًا ثم يغادر</strong>.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>كل العلوم نافعة، لكن الصحفي احمد الفال : <strong>ما الأهمّ؟</strong><br>ما هي <strong>الأولويات</strong> في ظلّ ظروفك، ومواهبك، واهتماماتك؟<br>فيما يمكنك أن تتميّز، وفيما لا تستطيع… هذه القضايا تحتاج ترتيبًا للأولويات.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وبصراحة: هناك أمور درستُها <strong>لا أرى اليوم أنها كانت ضرورية ولا مفيدة بالقدر الكافي</strong>.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>على سبيل المثال:<br>حفظتُ <strong>آلاف الأبيات من الرَّجَز في الفقه</strong>؛ هذه أحكام فقهية يمكن للإنسان أن يقرؤها في كتاب عند الحاجة، فيتذكّرها، ولا ضرورة لأن يحفظها كما يُحفظ القرآن أو الحديث.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:list –>
<ul class=”wp-block-list”><!– wp:list-item –>
<li>حفظتُ مثلًا <strong>«</strong><strong>الكفاف</strong><strong>»</strong>، وهو في حدود <strong>3750 </strong><strong>بيتًا</strong>،</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li>و**«أسهل المسالك»**، وله نحو <strong>1200 </strong><strong>بيت</strong>،</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li>وحفظت منظومات أخرى لا أستطيع الآن إحصاءها؛ لولا أن الله تعالى أعطاني ملكة الحفظ لكان الأمر شاقًّا.</li>
<!– /wp:list-item –></ul>
<!– /wp:list –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكنّي كنت أتمنى لو أني في تلك المرحلة وُجِّهتُ إلى ما هو <strong>أهمّ</strong>؛ لو وجِّهتُ إلى <strong>صحيح البخاري مثلًا</strong>، فتعلمتُ الحديث الصّحيح وحفظته في تلك السنّ، لكان ذلك يسيرًا جدًّا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هنا تذكّرت كلمة مهمّة للإمام <strong>محمد عبده</strong> – رحمه الله – قال فيها:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«درستُ في الأزهر اثنتي عشرة سنة، وبقيّة حياتي أقضيها في التخلّص ممّا تعلمتُه في تلك السنين!»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>طبعًا فيها مبالغة، لكنه يريد أن يقول:<br>إنّ جزءًا من طاقته الذهنية ضاع في أمورٍ كان هناك ما هو أهمّ منها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:separator –>
<hr class=”wp-block-separator has-alpha-channel-opacity”/>
<!– /wp:separator –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>تقنيّة القراءة عنده</strong><strong></strong></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>كيف تقرأ الآن من الناحية العملية؟ ما طريقتك وتقنيتك في القراءة؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. الشنقيطي</strong><strong>:</strong><br>عندي قاعدة التزمتُ بها منذ أكثر من <strong>ثلاثين سنة</strong>:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>لا أقرأ شيئًا مهمًّا إلا وأحتفظ بأثر منه</strong><strong>.</strong></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>منذ عام <strong>1997 </strong><strong>في صنعاء</strong> بدأت أدوّن <strong>اقتباسات بخط يدي</strong> من كل كتابٍ أو نصٍّ أراه مهمًّا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>هذه الاقتباسات كنزٌ حقيقي، وحين أكتب أعود إليها دائمًا، وقد وجدتُها مفيدة جدًّا، خصوصًا لمن يكتب.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>إذن الخطوة الأولى: <strong>التدوين ممّا أقرأ</strong>.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أما نوع القراءة: فالقراءة – في الحقيقة – أنماط:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:list {“ordered”:true,”start”:1} –>
<ol start=”1″ class=”wp-block-list”><!– wp:list-item –>
<li><strong>قراءة ترفيهية / ذوقية</strong>:<br>لم أعد ألجأ إليها إلا إذا كنتُ مُرهقًا، فأقرأ نصًّا أدبيًا للتسلية والراحة.</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li><strong>قراءة تَعَلُّم</strong>:<br>لكتبٍ أراها أمّهات في مجالٍ ما؛ أقرأها وربما أحاول حفظ بعض مقاطعها.</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li><strong>قراءة بحثية</strong> – وهي الغالبة عندي الآن، وهي المهمّة للكاتب:<br>القراءة البحثية معناها <strong>لا تقرأ من الكتاب إلا ما تحتاج إليه</strong>، ما له صلة بموضوعك، وتترك ما سواه.<br>ليست قراءة «جردية» للكتاب كله، بل <strong>قراءة انتقائية</strong> حسب الحاجة، وحسب المشروع البحثي الذي أعمل عليه في تلك اللحظة.</li>
<!– /wp:list-item –></ol>
<!– /wp:list –>
<!– wp:separator –>
<hr class=”wp-block-separator has-alpha-channel-opacity”/>
<!– /wp:separator –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>عن «التأليف الفوضوي» ومشاريع الكتب المؤجلة</strong><strong></strong></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>تبدو منهجيًّا في القراءة، لكنك قلت إن لديك مشكلة في التأليف، ما هي؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. الشنقيطي</strong><strong>:</strong><br>مشكلتي أنني أعمل على <strong>مشاريع متعدّدة في الوقت نفسه</strong>؛ فتتزاحم هذه المشاريع، ويتراكم بعضها على بعض، حتى لا يترك واحدٌ منها الآخر يخرج إلى النور. وقد أضرّ هذا بي كثيرًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يمكن أن أقول إن عندي اليوم على الكمبيوتر نحو <strong>خمسةٍ وعشرين مشروع كتاب</strong>!</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>تخلّصتُ من <strong>القراءة الفوضوية</strong>، لكن وقعتُ في <strong>«</strong><strong>التأليف الفوضوي</strong><strong>»</strong>.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>ما معنى التأليف الفوضوي؟<br>أن أبدأ كتابة نصٍّ، ثم أملّه قليلًا، أو أشعر أني لا أملك الآن ما أضيفه إليه، فأنتقل إلى مشروعٍ آخر… وهكذا تمضي السنين ولم يكتمل أيٌّ منها.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>بعض هذه المشاريع نُشِرَت منه فقط <strong>«</strong><strong>البذور</strong><strong>»</strong> في شكل أبحاثٍ أو مقالات:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:list –>
<ul class=”wp-block-list”><!– wp:list-item –>
<li>مثلًا: مشروع كتاب <strong>«</strong><strong>شروق الشرق وغروب الغرب</strong><strong>»</strong>؛<br>هذا المفروض أن يكون كتابًا، لكن لم يكتمل، فنشرتُ منه بحثًا واحدًا كبذرة ألقيتُها.</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li>كذلك دراستي عن <strong>الفكر الاستراتيجي الصيني</strong>؛<br>المشروع الأصلي كتاب عن <strong>المدارس الاستراتيجية</strong> عمومًا، لكن لأن الصين هي الأولى زمنيًّا، أخذتُ فصل الفكر الاستراتيجي الصيني ونشرته بحثًا.</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li><strong>كتاب «ديمقراطية لا علمانية</strong><strong>»</strong> أيضًا:<br>نشرتُ منه بحثًا كبذرة، لكن الكتاب نفسه ما زال ينتظر.</li>
<!– /wp:list-item –>
<!– wp:list-item –>
<li><strong>«</strong><strong>دروس الكواكب للربيع العربي</strong><strong>»</strong>:<br>نشرتُ بحثًا من أربعين صفحة، ولم يكتمل بعدُ الكتاب بأكمله.</li>
<!– /wp:list-item –></ul>
<!– /wp:list –>
<!– wp:paragraph –>
<p>وهكذا… يمكنك أن تقول: هذه <strong>طريقة سباق مع الزمن</strong>؛ أرمي بالبذرة على الأقل، ثم أسأل الله أن يمتدّ العمر لإكمال ما بقي.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:separator –>
<hr class=”wp-block-separator has-alpha-channel-opacity”/>
<!– /wp:separator –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>صورة الكاتب بين الحِدّة واللُّطف</strong><strong></strong></p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>بعد كل هذا الإنتاج والأفكار والمشاريع، هناك سؤال عند متابعيك وقرّائك الذين لم يلتقوا بك شخصيًّا:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>أسلوبك في الكتابة، ومواقفك الحادّة في بعض القضايا القِيَميّة، يجعل بعضهم يظنّ أنك إنسان شديد الحِدّة، وأن هذا ينعكس على نمط شخصيتك في الحياة اليوميّة.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>لكن من يراك عن قرب يعرف أن هذا بعيد عن الواقع، وأنك لينُ الجانب لطيف المعشر. ماذا تقول لهؤلاء الذين لا يعرفونك إلا من وراء الكتابة و«تويتر»؟</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. الشنقيطي (ضاحكًا</strong><strong>):</strong><br>إذا كنتَ أنت – الذي تعرفني – تؤمن أني لطيف ولَيِّن الجانب، فأقول لهم بكل بساطة:</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>«هاتفي موجود؛ من أراد أن يطمئن فليتصل بي!»</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>يتواصلون، ويجدونني كما تراني؛ حياهم الله جميعًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:separator –>
<hr class=”wp-block-separator has-alpha-channel-opacity”/>
<!– /wp:separator –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>حياك الله وبياك، وبارك فيك. سعدتُ كثيرًا بهذا اللقاء.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>د. الشنقيطي</strong><strong>:</strong><br>وأنا أسعد، جزاكم الله خيرًا.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p><strong>المحاور</strong><strong>:</strong><br>وشكرًا لكم أحبتنا على المتابعة والاهتمام الدائمين. نلقاكم – بحول الله – في <strong>حكاية إفريقية أخرى</strong>.<br>والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>Haut du formulaire</p>
<!– /wp:paragraph –>
<!– wp:paragraph –>
<p>Bas du formulaire</p>
<!– /wp:paragraph –>




