Uncategorized

حين يلتقي الطبيب بالآلة: مستقبل الطب بين الثقة والذكاء الاصطناعي

د. الحسـن اشباني

يشهد الطب اليوم تحولًا لافتًا؛ فالتقنيات الذكية التي كانت قبل سنوات خيالًا علميًا أصبحت جزءًا من الحياة اليومية داخل المستشفيات والعيادات. برامج التعلّم الآلي باتت تساعد الأطباء في تشخيص الأمراض وتحليل الصور الطبية بدقة لم تكن ممكنة من قبل. أما النماذج القاعدية الضخمة، التي تتعلم من ملايين الصور، فقد غيّرت قواعد اللعبة تمامًا في مجالات كالأشعة وطب العيون، لأنها تنقل خبرات متقدمة كانت حكرًا على مراكز متخصصة إلى أماكن أبسط وأقرب للمواطن.

ورغم الجوانب المضيئة لهذا التقدم، إلا أن القلق حاضر بقوة. فاستطلاع أمريكي عام 2025 كشف أن نصف الأطباء تقريبًا يخشون أن يؤثر الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في العلاقة الإنسانية مع المريض. فالثقة لا تُبنى بالأنظمة وحدها، بل تحتاج وضوحًا ومساءلة وقدرة على التحقق — وهي أمور لا تتوفر دومًا في هذه التقنيات.

وتزداد المخاوف حين تظهر أخطاء غير متوقعة؛ فبعض أدوات الذكاء الاصطناعي تزيد من عدد النتائج الإيجابية الكاذبة، مما يربك المرضى ويقودهم إلى فحوصات إضافية لا يحتاجون إليها. ومع ذلك، أثبتت التجارب أن الاستخدام المتدرج والمدروس يجعل الفوائد تتفوق على المخاطر.

الاعتماد المستمر على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ضعف مهارات الطبيب عند التوقف عنه، تمامًا كما يفقد الطيار مهاراته عند الاعتماد على الطيار الآلي. والحل هو تدريب دوري يحافظ على كفاءة الطبيب وقدرته اليدوية والتشخيصية.

أكبر التحديات اليوم ينطلق من الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل ChatGPT وغيره من النماذج اللغوية. فقد دخلت المستشفيات بسرعة أكبر من قدرة القوانين على اللحاق بها. في الصين، انتشر نموذج DeepSeek في مئات المستشفيات لدعم اتخاذ القرار والمهام الإدارية. وفي الولايات المتحدة، يعتمد كثير من الأطباء على منصات ذكية لكتابة تقاريرهم أو للبحث عن أفضل العلاجات. ومع ذلك، لا تزال هذه الأدوات شبه غير منظَّمة.

الذكاء الاصطناعي التوليدي: هو نوع من الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج محتوى جديد مثل النصوص أو الصور أو الأصوات، بدل الاكتفاء بتحليل البيانات فقط.

ما يزيد القلق أن كثيرًا من هذه النماذج لا يقدّم تحذيرات واضحة عند الإجابة عن أسئلة طبية، مما يدفع بعض المرضى للوثوق بها أكثر من الطبيب. وسُجِّلت بالفعل حالات خطيرة نتجت عن الاعتماد الكامل على روبوتات الدردشة.

المستقبل الأفضل يحتاج إلى تعاون ذكي بين الطبيب والآلة،

ولا يتوقف الأمر هنا؛ فقد بدأت دراسات تُظهر أن الأطباء الذين يعتادون على الذكاء الاصطناعي قد يفقدون جزءًا من مهاراتهم عندما يتوقفون عن استخدامه، وهو ما يُعرف بـ«التراجع المهاري». ويمكن مواجهة هذا كما يفعل الطيارون، الذين يخضعون لتدريب دوري على التحكم اليدوي لتجنب الاعتماد الكلي على الطيار الآلي.

الخلاصة: الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لتحسين الرعاية الصحية، لكنه ليس بديلًا عن الإنسان. المستقبل الأفضل يحتاج إلى تعاون ذكي بين الطبيب والآلة، وإلى أن تُختبر هذه الأدوات بصرامة وأن تُنظم بقواعد واضحة. فجوهر الموضوع لا يقتصر على التكنولوجيا، بل يتعلق بالإنسان والعلاقة التي تربطه بمن يعتني بصحّته.

المرجع :

For trustworthy AI, keep the human in the loop. Nat Med 31, 3207 (2025). https://doi.org/10.1038/s41591-025-04033-7


مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE