حسن أحمديان: حين ينتصر الهدوء على الضجيج في معارك التحليل السياسي

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
حسن أحمديان الذي تحوّل إلى ظاهرة لافتة (ترند) حاليا
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة التحليلات السياسية وتعلو فيه نبرة الجدل، يبرز اسم حسن أحمد يان كأحد النماذج النادرة التي تجمع بين الهدوء المعرفي والصلابة الفكرية. ليس حضوره الإعلامي قائمًا على رفع الصوت أو مجاراة الانفعالات، بل على بناء الحجة، والتدرّج في الطرح، والصبر في مواجهة المقاطعات أو الاستفزازات التي كثيرًا ما تميز النقاشات السياسية في القنوات الكبرى مثل قناة الجزيرة وغيرها.

وما زاد من حضور اسمه في الآونة الأخيرة هو تحوّله إلى ظاهرة لافتة (ترند) عبر منصات الإعلام، خصوصًا خلال مشاركاته في نقاشات حادة تتعلق بالحرب التي تُناقَش على نطاق واسع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، سواء على النسخة العربية أو الإنجليزية من قناة الجزيرة. في هذه الحوارات، غالبًا ما يجد نفسه في مواجهة عدد من الضيوف ذوي توجهات مختلفة، فيبدو وكأنه “وحده ضد الجميع”، لكنه لا يخرج عن هدوئه، ولا يتخلى عن منهجه القائم على الحجة والتفكيك المنهجي.


ما يلفت في أداء حسن أحمد يان هو قدرته على الحفاظ على توازن دقيق بين الدفاع عن وجهة نظره وتجنّب الانزلاق إلى السجالات العقيمة. ففي الوقت الذي يعتمد فيه بعض المحللين على الخطاب الحاد أو العاطفي، يفضّل هو العودة إلى الوقائع، وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية والاستراتيجية.
وفي الحوارات الأخيرة، يظهر هذا الأسلوب بوضوح أكبر: إذ لا يكتفي بالرد، بل يبني مسارًا كاملاً للحجة، يبدأ بتحديد الإطار، ثم تصحيح المفاهيم، وصولًا إلى تقديم أدلة يعتبرها دامغة. هذا ما يجعل خصومه، رغم كثرتهم أحيانًا، في موقع دفاعي بدل الهجومي، لأنهم يجدون أنفسهم مطالبين بمجاراة مستوى تحليلي مرتفع، لا مجرد تبادل مواقف.
من هو الدكتور حسن أحمديان؟
الدكتور حسن أحمديان هو أكاديمي وباحث إيراني متخصص في شؤون الشرق الأوسط، يعمل أستاذًا مساعدًا في جامعة طهران، ويشغل منصب باحث أول في أحد مراكز الدراسات الاستراتيجية. راكم خبرة دولية من خلال عمله في مؤسسات بحثية مرموقة، من بينها جامعة هارفارد. برز اسمه إعلاميًا مؤخرًا، خاصة عبر قناة الجزيرة، حيث لفت الأنظار بأسلوبه الهادئ، وإتقانه اللغة العربية، وقدرته على تقديم تحليلات عميقة مبنية على خلفية أكاديمية قوية. تتركز اهتماماته البحثية على السياسة الخارجية الإيرانية، والعلاقات الإقليمية، وقضايا الحركات الإسلامية والعلاقات المدنية العسكرية في الشرق الأوسط.

الصبر كأداة تحليل
في كثير من المناظرات، يظهر الصبر كعنصر مركزي في شخصيته. فهو لا يقاطع، ولا يندفع للرد السريع، بل يترك مساحة للآخر قبل أن يعيد تفكيك الطرح بهدوء.
لكن في الحوارات المرتبطة بالقضايا الساخنة مؤخرًا، يتحول هذا الصبر إلى عنصر قوة استثنائي: إذ يتحمل ضغطًا جماعيًا من عدة محاورين، ويستمع لسيل من الاعتراضات، ثم يعيد ترتيبها نقطةً نقطة، دون ارتباك أو انفعال. هذا النمط من الأداء لا يعكس فقط سلوكًا فرديًا، بل يُحيل إلى ما يُوصف غالبًا بـ “الصبر الاستراتيجي” الذي يُنسب إلى المدرسة السياسية الإيرانية، حيث يُنظر إلى الزمن كعنصر من عناصر القوة لا الضعف.


تجربة شخصية: ملامح من الصبر في الحياة اليومية
لا يكتمل الحديث عن “الصبر الاستراتيجي” دون لمسة من الواقع المعيش. خلال زيارتي لإيران سنة 2017، لمستُ هذا المعنى بعيدًا عن الشاشات والتحليلات، في تفاصيل الحياة اليومية. ما شدّ انتباهي لم يكن فقط في النقاشات الأكاديمية مع بعض الباحثين والعلماء، الذين كانوا يتحدثون بهدوء لافت، ويعرضون أفكارهم دون تعصّب أو توتر، بل أيضًا في سلوكيات بسيطة لكنها عميقة الدلالة.
في الطرقات، داخل المدن وخارجها، بدا المشهد مختلفًا عمّا اعتدناه في كثير من الأماكن: قدرٌ كبير من التسامح بين السائقين، وهدوء في التعامل، وغياب شبه تام للضجيج أو استعمال المزامير. يمكنك أن تدخل بسيارتك بين سيارتين دون توتر أو اعتراض، فيُفسح لك المجال بهدوء، وكأن هناك تفاهمًا غير مكتوب يحكم السلوك العام.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها تعكس ثقافة أعمق من مجرد سلوك عابر؛ ثقافة تقوم على التروّي، وضبط النفس، وتجنّب التصعيد. ومن هنا، يصبح من الأسهل فهم كيف يمكن أن ينعكس هذا الهدوء، الذي يُعاش يوميًا، في خطاب بعض المحللين، ومن بينهم حسن أحمديان، حيث لا يكون الصبر مجرد تكتيك، بل امتدادًا لأسلوب حياة.
مواجهة السرديات السائدة
يُحسب له أيضًا أنه لا يكتفي بتكرار الخطاب الرسمي أو السرديات الشائعة، بل يسعى إلى تقديم قراءة مغايرة، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالصراع الإقليمي والدولي. وفي النقاشات الأخيرة، يتجلى ذلك في محاولته تصحيح ما يراه مغالطات أو معلومات غير دقيقة يطرحها بعض الضيوف، مستندًا إلى معطيات تاريخية أو سياسية. وهو لا يفعل ذلك بأسلوب تصادمي، بل بطريقة أقرب إلى “إعادة ضبط النقاش”، حيث يعيد تعريف السؤال نفسه قبل الإجابة عنه، مما يربك أحيانًا الإطار الذي يحاول الآخرون فرضه.


بين التحليل والرسالة
رغم طابعه التحليلي، لا يخلو حضور حسن أحمد يان من بُعدٍ رسالي واضح، يتجلى خصوصًا في النقاشات الأخيرة المرتبطة بالحرب الدائرة. ففي تلك الحوارات، لا يظهر فقط كمحلل يقدّم قراءة سياسية، بل كصوتٍ يدافع عن بلده في سياق يراه غير متكافئ، حيث تتباين الروايات حول شرعية الحرب وأهدافها.
وفي هذا الإطار، يشير خلال مشاركاته على قناة الجزيرةإلى أن هذه الحرب تعرّضت لانتقادات دولية واسعة، سواء من قوى كبرى أو تكتلات دولية، من بينها مواقف صادرة عن الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، والتي عبّرت بدرجات متفاوتة عن رفضها أو تحفظها على المسار العسكري خارج الأطر الدولية المتوافق عليها. ومن خلال هذا الطرح، يحاول نقل النقاش من مستوى الاتهامات المتبادلة إلى مستوى الشرعية الدولية وحدود القوة في النظام العالمي.
كما يستحضر في بعض مداخلاته مقارنات مع تجارب سابقة للتدخلات العسكرية الأمريكية مثل أفغانستان والعراق ومن قبل في الفيتنام التي ما تزال نتائجها محل نقاش دولي، ليطرح سؤالًا ضمنيًا حول جدوى تكرار نفس النماذج في سياقات مختلفة. وعندما يُواجَه باتهامات تتعلق باستهداف دول الجوار، يحرص على التمييز بين الدول ككيانات سيادية، وبين القواعد العسكرية الأجنبية الموجودة على أراضيها، مؤكدًا وفق طرحه أن العمليات تستهدف ما يعتبره مصادر للضغط العسكري اي القواعد العسكرية التي تستعمل في الهجوم على بلده، لا الشعوب أو الدول بحد ذاتها. هذا التفكيك، الذي يقدّمه بهدوء وثقة، يضع محاوريه أمام نقاش أكثر دقة، بعيدًا عن التوصيفات العامة.
وما يمنح هذا الخطاب تأثيره، هو الجمع بين الاقتناع الداخلي والهدوء الخارجي، فهو لا يرفع صوته، لكنه يثبّت فكرته، ولا يهاجم، بل يعيد ترتيب النقاش. وفي لحظات يجد نفسه فيها أمام عدة ضيوف، يواصل بناء حجته بصبر، في مشهدٍ يعكس ليس فقط أسلوبًا فرديًا، بل ثقافةً سياسية تقوم على ما يُعرف بـ“الصبر الاستراتيجي”.
الصبر الاستراتيجي: قراءة في الخلفية التاريخية
لا يمكن فهم أداء حسن أحمد يان في المناظرات دون استحضار ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “الصبر الاستراتيجي”، وهو مفهوم يرتبط بسلوك دولٍ تراهن على الزمن كأداة قوة، بدل الاندفاع نحو الحسم السريع.
وقد تجلّى هذا النمط عبر محطات تاريخية عديدة. فخلال الحرب الإيرانية العراقية، واجهت إيران حربًا طويلة ومرهقة فرضت عليها من جارتها بايعاز من قوى الغرب و بعض الجيران استمرت ثماني سنوات، اختارت خلالها الاستمرار رغم الكلفة البشرية والاقتصادية العالية، معتبرة أن الزمن قد يعيد توازن القوى تدريجيًا. ورغم تعقيد تلك المرحلة، فإنها شكّلت أساسًا لثقافة سياسية ترى في التحمّل الطويل جزءًا من إدارة الصراع.
وفي سياق مختلف، يمكن استحضار تجربة حرب فيتنام، حيث واجهت قوة أقلّ إمكاناتٍ خصمًا عالميًا، لكنها اعتمدت على النفس الطويل واستنزاف الزمن، ما أدى في النهاية إلى انسحاب الولايات المتحدة. كما تُطرح كذلك تجارب مثل الحرب في أفغانستان (2001-2021)، التي انتهت بعد عقدين دون تحقيق الأهداف المعلنة بشكل كامل، لتُستَخدم كمثال في النقاشات المعاصرة حول حدود القوة العسكرية. ضمن هذا الإطار، يستدعي حسن أحمد يان هذه الأمثلة بشكل مباشر أو ضمني في مداخلاته، ليؤكد أن الصراعات الكبرى لا تُحسم دائمًا بالتفوق العسكري الفوري، بل بقدرة الأطراف على إدارة الزمن، وامتصاص الصدمات، وإعادة التموضع. وهو ما يفسر هدوءه في النقاش، فالنقطة التي يدافع عنها لا تقوم على ردّ لحظي، بل على تصور ممتد للصراع.
بهذا المعنى، لا يبدو صبره مجرد سمة شخصية، بل امتدادًا لمدرسة سياسية كاملة ترى أن الهدوء في لحظة التوتر هو شكل من أشكال القوة، وأن كسب الزمن قد يكون، في بعض الأحيان، أهم من كسب الجولة.
لماذا يلقى هذا الاهتمام؟
الاهتمام المتزايد بشخصية حسن أحمد يان لا يعود فقط إلى مواقفه، بل إلى أسلوبه، خاصة في سياق إعلامي يتجه نحو الاستقطاب الحاد. ففي لحظات التوتر القصوى، حيث يرتفع منسوب الانفعال لدي محاوريه، يصبح الهدوء ذاته حدثًا. وعندما يقف محلل واحد في مواجهة عدة أصوات، محتفظًا بتماسكه، ومواصلاً بناء حجته دون ارتباك، فإن ذلك يتحول إلى مشهد إعلامي لافت يتداوله الجمهور، ويمنحه صدى واسعًا يتجاوز حدود الحلقة التلفزيونية.
يمكن القول إن تجربة حسن أحمد يان تمثل نموذجًا لتحليل سياسي يقوم على الرصانة بدل الضجيج، وعلى الحجة بدل الانفعال. وفي سياق نقاشات محتدمة ومتعددة الأطراف، يقدّم هذا النموذج مثالًا على أن القوة لا تكمن دائمًا في عدد الأصوات، بل في تماسك الفكرة وقدرتها على الصمود.




