من النفايات إلى الطاقة: كيف يمكن لثاني أكسيد الكربون أن يصبح وقود المستقبل؟

د. الحسن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
ملخص
نجح فريق من معهد الأبحاث الكوري للطاقة (KIER) بقيادة الدكتور كي يونغ كو في تطوير محفّز نحاسي متقدّم يحوّل غاز ثاني أكسيد الكربون، أحد الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إلى أول أكسيد الكربون بفاعلية عالية عند درجة حرارة منخفضة تبلغ 400°C فقط. تفوّق المحفّز الجديد، المصنوع من أكاسيد النحاس والمغنيسيوم والحديد، على المحفّزات التجارية بزيادة في معدل التكوين والمردود تجاوزت 70%. ويتميّز بقدرته على مقاومة التكتل الحراري والحفاظ على النشاط لأكثر من 100 ساعة متواصلة. تفتح هذه التقنية آفاقًا واعدة لإنتاج وقود اصطناعي مستدام اعتمادًا على معادن رخيصة ومتوفرة، وتُعد خطوة مهمة نحو الحياد الكربوني.
Summary
A research team from the Korea Institute of Energy Research (KIER), led by Dr. Kee Young Koo, has developed an advanced copper-based catalyst that efficiently converts carbon dioxide—a major greenhouse gas—into carbon monoxide at only 400°C. The new Cu–Mg–Fe mixed oxide catalyst outperformed conventional copper catalysts, achieving 1.7 times faster CO formation and 1.5 times higher yield, while maintaining stability for over 100 continuous hours. This breakthrough enables the production of sustainable synthetic fuels from abundant, low-cost metals and marks a significant step toward carbon neutrality and eco-friendly energy technologies.
الكلمات المفتاحية (Keywords): محفّز نحاسي، ثاني أكسيد الكربون، الوقود النظيف – Copper catalyst, Carbon dioxide, Clean fuel
تجاوز حدود المحفّزات التقليدية
عادةً ما تحتاج التفاعلات بين الغاز والماء (المعروفة بتفاعل RWGS*1) إلى حرارة مرتفعة جدًا تتجاوز 800 درجة مئوية حتى تعمل بكفاءة، ويُستخدم فيها عادةً معدن النيكل لأنه يتحمّل هذه الحرارة العالية. لكن مع مرور الوقت، تبدأ جزيئات النيكل الصغيرة في التكتّل، مما يقلّل من المساحة التي تتم فيها التفاعلات ويضعف فعالية المحفّز.
وعند محاولة خفض درجة الحرارة لتجنّب هذا التكتّل، تظهر مشكلة أخرى؛ إذ تتكوّن غازات غير مرغوبة مثل الميثان، مما يقلّل من إنتاج أول أكسيد الكربون الذي نحتاج إليه.
لهذا السبب، حاول العلماء إيجاد طريقة تجعل التفاعل يعمل بكفاءة وبتكلفة أقل دون الحاجة لدرجات حرارة مرتفعة. وتمكّن فريق من المعهد الكوري لأبحاث الطاقة (KIER) من تحقيق هذا الهدف، حيث طوّر محفّزًا جديدًا مصنوعًا من النحاس استطاع أن يعطي نتائج ممتازة عند درجة حرارة منخفضة نسبيًا — حوالي 400 درجة مئوية فقط.
*1 تفاعل الغاز والماء العكسي (RWGS) هو تفاعل كيميائي يُحوَّل فيه ثاني أكسيد الكربون (CO₂) إلى أول أكسيد الكربون (CO) باستخدام الهيدروجين (H₂) ودرجة حرارة مرتفعة، وهو خطوة أساسية لإنتاج الوقود الصناعي من الغازات.في التفاعل الأصلي (WGS)، يتحوّل أول أكسيد الكربون (CO) مع بخار الماء (H₂O) إلى ثاني أكسيد الكربون (CO₂) والهيدروجين (H₂).

المصدر: AI / ScienceDaily.com
إنجاز كبير في تصميم محفّزات النحاس
المحفّز الجديد، المصنوع من أكاسيد نحاس–مغنيسيوم–حديد مختلطة، تفوّق على المحفّزات التجارية التقليدية للنحاس، إذ أنتج غاز أول أكسيد الكربون بمعدل أسرع بـ 1.7 مرة وحقق كفاءة أعلى بـ 1.5 مرة عند درجة حرارة 400°C. ويمتاز النحاس عن النيكل بقدرته على إنتاج أول أكسيد الكربون بشكل انتقائي عند درجات حرارة دون 400°C من دون تكوين الميثان، غير أنّ استقراره الحراري عادةً ما يتراجع في هذه الحدود الحرارية بسبب تكتّل الجسيمات النحاسية وفقدان النشاط.

ولمواجهة هذا التحدي، دمج فريق الدكتور كو في تصميمه بنية تُعرف بالهيدروكسيد المزدوج الطبقي (HDL)، وهي تتكون من صفائح معدنية دقيقة تتخللها جزيئات ماء وأيونات سالبة. ومن خلال ضبط نسب الأيونات المعدنية وأنواعها، تمكّن الباحثون من تحسين الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمحفّز. وقد أدّى إدخال عنصري الحديد والمغنيسيوم إلى سد الفجوات بين الجسيمات النحاسية، مما حال دون تكتلها وعزّز مقاومتها للحرارة.
تحليل الأداء والتفسير العلمي
كشفت التحاليل الطيفية بالأشعة تحت الحمراء في الزمن الحقيقي والاختبارات العملية أنّ الأداء المتميز لهذا المحفّز يعود إلى مسار تفاعلي مختلف تمامًا عن المحفّزات النحاسية التقليدية. فعادةً ما يتم تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون عبر مركّبات وسيطة تُعرف بالفورمات، أما المحفّز الجديد فيتجاوز هذه الخطوة كليًّا، إذ يحوّل CO₂ مباشرة إلى CO على سطحه دون تكوين مركّبات وسيطة. وبفضل غياب التفاعلات الجانبية التي تنتج الميثان أو نواتج أخرى غير مرغوبة، يحافظ المحفّز على نشاط عالٍ وثباتٍ ممتاز حتى عند درجة حرارة منخفضة نسبيًا تبلغ 400 درجة مئوية.

المصدر: المعهد الكوري لأبحاث الطاقة
سجل أداء قياسي وأهمية عالمية
عند درجة حرارة 400 درجة مئوية، حقق المحفّز الجديد مردودًا في إنتاج أول أكسيد الكربون بلغ 33.4٪، وسجّل معدل تكوين مقداره 223.7 ميكرومول لكل غرام من المحفّز في الثانية (µmol·gcat⁻¹·s⁻¹)، مع حفاظه على استقراره لأكثر من مئة ساعة من التشغيل المستمر. تمثل هذه النتائج كما اشرنا سابقا معدل تكوين يفوق بـ 1.7 مرة ومردودًا أعلى بـ 1.5 مرة من تلك التي تحققها المحفّزات النحاسية التقليدية.
وبالمقارنة مع المحفّزات المعتمدة على البلاتين — وهي محفّزات مرتفعة التكلفة وإن كانت ذات نشاط عالٍ — فإن هذا المحفّز الجديد يتفوّق عليها أيضًا، إذ يسجل معدل تكوين أسرع بـ 2.2 مرة ومردودًا أعلى بـ 1.8 مرة. وهكذا، يصنّف هذا المحفّز بين أكثر محفّزات تحويل ثاني أكسيد الكربون (CO₂) كفاءةً على مستوى العالم.
وقال الدكتور كي يونغ كو، الباحث الرئيسي للمشروع: «إنّ تقنية التحفيز المعتمدة على هدرجة ثاني أكسيد الكربون عند درجة حرارة منخفضة تمثل تقدّمًا كبيرًا يتيح إنتاج أول أكسيد الكربون بكفاءة عالية انطلاقًا من معادن متوفرة ورخيصة الثمن.
يمكن تطبيق هذه التقنية مباشرةً لإنتاج المواد الأولية الأساسية المستخدمة في تصنيع الوقود الاصطناعي المستدام.
وسنواصل أبحاثنا من أجل توسيع نطاق تطبيق هذه التقنية في البيئات الصناعية الفعلية، وبذلك نُسهم في تحقيق الحياد الكربوني ودفع مسار تسويق تقنيات إنتاج الوقود الاصطناعي المستدام. »
ملحقات

- الوقود الإلكتروني (E-fuels) : هو وقود اصطناعي يُنتج من الهيدروجين الأخضر المتولّد من كهرباء متجددة ()، ومن ثاني أكسيد الكربون الملتقط من الغلاف الجوي أو المستخلص من الكتلة الحيوية المستدامة. ويُعدّ هذا النوع من الوقود خيارًا واعدًا بديلًا للوقود الأحفوري التقليدي، ولا سيما في القطاعات التي يصعب فيها خفض الانبعاثات الكربونية مثل قطاع الطيران والنقل البحري.
- الهيدروجين الأخضر هو غاز الهيدروجين يُنتَج باستخدام الكهرباء المتجددة (مثل طاقة الشمس أو الرياح) لفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين عبر عملية تُسمّى التحليل الكهربائي، دون انبعاث أي ملوثات أو غازات احتباس حراري.
————–
- المصدر : نُشرت نتائج هذا البحث إلكترونيًا في شهر مايو 2025 ضمن مجلة Applied Catalysis B: Environmental and Energy، وهي مجلة مرجعية مرموق في مجال التحفيز البيئي والطاقة. وقد استفادت هذه الدراسة من دعم مشروع البحث والتطوير التابع للمعهد الكوري لأبحاث الطاقة (KIER)، بعنوان: «تطوير تقنية لإنتاج وقود الطيران المستدام الإلكتروني (e-SAF) انطلاقًا من ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين».




