المنبر الحر

الظلامية تمكن في عقول أولئك الذين يكيلون بمكيالين ويصرخون على كل ما له صبغة إسلامية

إحسان الفقيه

ليست الظلامية في كفّ أحمد الشرع، التي لم يمدها لمصافحة الوزيرة الألمانية، إنما الظلامية في عقول أولئك الذين يكيلون بمكيالين ويصرخون على كل ما له صبغة إسلامية ..

في العام قبل الماضي، أقيمت احتفالية في القدس المحتلة، حضرها الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي تقدّم رفقة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لمصافحة المغنين الإسرائيليين، إلا أن المغنية اليهودية يوفال ديان رفضت أن تصافح الرئيس الأمريكي لأسباب دينية.

المغنية اليهودية يوفال ديان رفضت أن تصافح الرئيس الأمريكي


تنتمي ديان إلى اليهود السفارديم، وجُندت في الجيش الإسرائيلي عام 2013، ومنذ عام 2016 وهي تحضر الدروس الدينية وتتقيد بتعاليم شريعتها التي تمنع مصافحة الرجال. ديان أوضحت موقفها مع بايدن عبر حسابها على الإنستغرام، وأنها جاءت من خلفية دينية، ولديها رغبة في الحفاظ على نمط حياتها من اللباس واللمس، على حد قولها.
ما فعلته المغنية الإسرائيلية احترمه الجميع، وتم التعامل معه على أنه حق مشروع لها في ممارسة تعاليم شريعتها، ولم يثر الموقف أزمة دبلوماسية، وحظي بقبول وترحاب من التيارات الدينية اليهودية، بينما لم ينتقده سوى التيار العلماني، والأهم من ذلك أن التنويريين العرب لم يهاجموا الفتاة أو يتهموها بالتطرف وظلامية الفكر. لم يكن موقف المغنية الإسرائيلية هو الأول من نوعه، ففي شهر أبريل/نيسان من عام 2016، نشرت قناة «سي إن إن» العربية خبرا بعنوان «بسبب معتقداته الدينية.. وزير الصحة الإسرائيلي يرفض مصافحة نظيرته الفرنسية».

لماذا تُحترم هذه الممارسات إذا كانت صادرة عن غير المسلمين؟ لماذا يتم الهجوم على المسلمين وحدهم عند إظهار ما يدينون به، واتهامهم بالتطرف والظلامية والرجعية؟ لماذا يعتبرون هذه السلوكيات لليهودي والمسيحي والبوذي تدينا، بينما تكون بحق المسلم تطرفا وتشددا؟.

إحسان الفقيه

وجاء في متن الخبر: «رفض وزير الصحة الإسرائيلي ياكوف ليتزمان، مصافحة نظيرته الفرنسية ماريسول تورين، عند وصول هذه الأخيرة إلى إسرائيل، خلال الأيام الماضية، في جولة قادتها كذلك إلى عدد من دول الشرق الأوسط، بمبرّر «أن معتقداته الدينية ترفض مصافحة النساء، اللائي لا تجمعه بهن قرابة».

بسبب معتقداته الدينية.. وزير الصحة الإسرائيلي يرفض مصافحة نظيرته الفرنسية

أما عن موقف الوزيرة الفرنسية، فقد ذكر الخبر أنها رفضت الإشارة إلى الحادث، ولم تكتب في حسابها على فيسبوك سوى ما تضمنته المباحثات. وفي أصداء هذه الواقعة، أعادت الصحافة الفرنسية واقعة مماثلة حدثت عام 2012 للوزير الإسرائيلي نفسه، عندما استقبل لوريت أنكيلينكس وزيرة الصحة البلجيكية، وترك يدها ممدودة رافضا مصافحتها.

هذه الأحداث عادت مؤخرا إلى المشهد السوري، إثر الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إلى سوريا، والتي أثارت الجدل بعد أن امتنع وفد الإدارة السورية الجديدة عن مصافحتها لدى استقبالها بعد وصولها إلى العاصمة دمشق، والأمر نفسه تكرر في قصر الشعب حين امتنع قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع عن مصافحة الوزيرة الألمانية.

احمد الشرع يعتذر عن الصفح باليد للوزيرة الالمانية تطبيقا لشرع الله

وهنا قامت القيامة: هذا تطرف، تخلّف، ظلامية، جهل بإدارة شؤون الدولة، مؤشر لحكم ديني متشدد، سوريا ضاعت، سوريا إلى الهاوية. واختفى هنا الحديث عن حريات المعتقد وممارسة التشريعات الدينية ووجوب احترامها،
هنا أكل الليبراليون والتنويريون صنم العجوة وأسقطوا مصطلحات الآخر وحرية الرأي واحترام الخلاف.

ألحقوا القضية بحقوق المرأة، وكأن من حقوق المرأة أن يتم لمسها، وهذه قمة الاستجهال للقراء والمتابعين، فالمرأة لا تحتاج إلى مصافحة الرجال، إنما هي بحاجة إلى التعليم والتثقيف والعلاج والتنمية والمعاملة الكريمة وتجريم العنف تجاهها وحقها في العيش بكرامة، هذا ما ينبغي أن يتناولوه عند الحديث عن حقوق المرأة.

لنقل ذلك بصراحة ودون مواربة: لماذا تُحترم هذه الممارسات إذا كانت صادرة عن غير المسلمين؟ لماذا يتم الهجوم على المسلمين وحدهم عند إظهار ما يدينون به، واتهامهم بالتطرف والظلامية والرجعية؟ لماذا يعتبرون هذه السلوكيات لليهودي والمسيحي والبوذي تدينا، بينما تكون بحق المسلم تطرفا وتشددا؟

الذين يتناولون الواقعة من زاوية اللائق والذوق والاحترام، هم أيضا غضوا أبصارهم عن ملابس الـ(كاجول) التي ارتدتها الوزيرة الألمانية، مخالفة بها الأعراف الدبلوماسية في الزيارات الرسمية، ما حدا بالبعض إلى تأويل ذلك بأنه رسالة بعدم الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة.

ومع ذلك لم تقف الوزيرة الألمانية عند الحدث كالسطحيين لدينا، بل مرت عليه في تصريحاتها مرور الكرام، وركّزت على ما يهمها، وهو فرض الوصاية على سوريا الجديدة، ودقّ إسفين بين السوريين بالحديث عن ضرورة وجود ضمانات أمنية موثوقة للأكراد في سوريا، وكأنها تتعمد إثارة مخاوف الأكراد، أو تأكيد مخاوفهم من حكم الإدارة الجديدة.

كما ظهرت محاولة فرض الوصاية في مطالبتها الشرع بعدم أسلمة الدولة، وقالت بالفعل لبرنامج «تاجيسثيمن» الإخباري المسائي الألماني: «بالطبع نحن، كأوروبا، لن نكون ممولا لأسلمة المجتمع».
أما أولئك الناقمون والصارخون من بني جلدتنا، فقد تركوا كل الجهود التي تقوم بها الإدارة السورية الجديدة من أجل سوريا جديدة موحدة، وتعلقوا بمشهد مارس فيه الشرع ورجاله حقهم بالامتناع عن المصافحة.

ألحقوا القضية بحقوق المرأة، وكأن من حقوق المرأة أن يتم لمسها، وهذه قمة الاستجهال للقراء والمتابعين، فالمرأة لا تحتاج إلى مصافحة الرجال، إنما هي بحاجة إلى التعليم والتثقيف والعلاج والتنمية والمعاملة الكريمة وتجريم العنف تجاهها وحقها في العيش بكرامة، هذا ما ينبغي أن يتناولوه عند الحديث عن حقوق المرأة.

ليست الظلامية في كفّ أحمد الشرع، التي لم يمدها لمصافحة الوزيرة الألمانية، إنما الظلامية في عقول أولئك الذين يكيلون بمكيالين ويصرخون على كل ما له صبغة إسلامية. الظلامية في عقول أولئك الذين يتشدقون بالرأي والرأي الآخر، واحترام المخالف، والحريات الدينية والشخصية، ثم ينشبون مخالبهم في أي سلوك يتعلق بالشعائر الدينية.
الظلامية في عقول أولئك الذين يتخوّفون ويخوّفون الناس من حكم ذي مرجعية إسلامية تهضم حقوق الأقليات، وهم يعلمون تماما أن الإسلام بشريعته يحمي غير المسلمين، ويحفظ حقوقهم، يعلمون تماما أن الحضارة الإسلامية انضوى تحت رايتها كل أصحاب الملل والشرائع وكانوا عناصر فاعلة في تلك الحضارة.

الظلامية في عقول أولئك الذين يجلسون للاصطياد في الماء العكر، وينتظرون للولوج من أي مدخل لتشويه الثورة السورية، ويصرخون زورا من أجل حقوق الأقليات، ومع ذلك يتغافلون عن المجازر التي يرتكبها الصهاينة في غزة، كما صمتوا من قبل على أسلوب الحكم القمعي الوحشي الذي سار عليه بشار في التعامل مع الأكثرية.

دعوا سوريا وما هي عليه، وإن لم تدعموا وحدتها ومسارها الجديد من أجل النهوض، فلا أقل من أن تكفوا ألسنتكم وأقلامكم، ووجهوا سهام نقدكم إلى الفعل والعمل لا المظاهر والشكليات، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إحسان الفقيه
من هي؟ تقول على نفسها :”مواليد 10 ديسمبر 1978، حورانية، من قرية ( كفرابيل) لواء الكورة في إربد بالشمال الأردني، درست في طفولتي بالمملكة العربية السعودية، حيث مناهج التعليم المعنية بالتوحيد والتربية على العقيدة الصافية، عدت إلى وطني الأردن، وخضعت لوطأة التقاليد والعادات التي حملتني على الزواج المبكر، حُرمت على اثرها من استكمال دراستي مع ابناء جيلي ولكني درست فيما بعد التجارة، ثم درست سنتين تاريخ وثلاث سنوات قانون واربع سنوات اعلام، وفكرت أن أدرس الطب والطاقة النووية، ربما لتأثري بالكُتب والروايات وشعوري المجنون بأني سأُنقذ العالم..
وكتبتُ لعدة سنوات في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن بدأت أول كتاباتي في المواقع والصحف العربية المعروفة، كموقع عربي 21، و (شؤون خليجية، والتقرير (تم إيقافهما)، وكتبت في موقع ترك برس، ثم الحياة اللندنية وتم إيقافي لدفاعي عن اخوتي الدُعاة والمُصلحين، وحاليا أكتب في صحيفة القدس العربي.
أخر وظيفة رسمية كانت لي في وكالة الأنباء الرسمية التركية، (الأناضول)، وقدمت استقالتي نهاية عام 2022، أنشأت خلالها “مرصد تفنيد الأكاذيب” لتفنيد الأكاذيب التي تنشر عن الجمهورية التركية، و”إضاءات عثمانية” لتفنيد الأكاذيب عن الدولة العثمانية.

صدر لي كتاب “نصف المسافة”، وأعمل حاليا على إنهاء عدة كتب منها عملٌ روائي سيصدر قريبا.
هواياتي القراءة والكتابة ومشاغبة أنظمة الاستبداد والمنافقين، وتروق لي العزلة، ومعروف عني نزقي وتعصّبي لفكرتي (ولا أعتبر ذلك إيجابيا على الدوام ) ، ورثت الكثير من الصفات التي لا تنتمي لهذا الجيل،عن جدي رحمه الله، أسدد وأقارب ولا أدّعى الاحتراف، انتمائي الأول للإسلام، ولا أرفع رايات حزبية ولا أنتمي إلى أي كيانات سياسية أو دينية، أقف على مسافات متناسبة مع الجميع.‎”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE