المنبر الحر

الأستاذ وضاح خنفر : التغيرات والتحولات في موازين القوى الدولية، والنظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل. الجزء الثاني

انطلاقًا من حرصنا على تعميم الفائدة وتيسير الفهم، تم نقل هذا المحتوى من منصة يوتيوب (بودكاست الشرق)، وأُعيدت صياغته بعناية من طرف الدكتور الحسن أشباني، مدير الموقع، بلغة عربية فصيحة وأسلوب حواري مبسّط يلائم مختلف القرّاء

بودكاست الشرق | العالم يتغيّر: من ترامب إلى الصين وفلسطين

في هذا الجزء الثاني، يتناول بودكاست الشرق مع وضاح خنفر تحولات النظام الدولي منذ عهد ترامب إلى صعود الصين. يناقش كيف غيّر ترامب قواعد الاقتصاد العالمي بمواجهته مع الصين، بينما تبرز الصين كقوة صناعية وتكنولوجية رائدة، رغم ما تعانيه من تحديات داخلية مثل الفقر والخلل الديمغرافي والقمع السياسي. يستعرض خنفر تطور الصين من عهد ماو حتى شي جين بينغ، حيث انتقلت من التصنيع العشوائي إلى الريادة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدقيقة. كما يشير إلى التوتر مع أمريكا، خاصة حول تايوان، التي تُعد نقطة استراتيجية. يرى خنفر أننا نعيش لحظة انتقال نحو نظام ثنائي القطب بين أمريكا والصين، في ظل تراجع الدور الروسي والأوروبي. كما يستبعد تحول الهند إلى قطب عالمي حقيقي بسبب انقساماتها الداخلية. في ختام الجزء، يؤكد أن النظام الدولي الجديد يتشكل عبر صراعات قد تفضي إلى توازنات جديدة إذا أُحسن إدارتها. قراءة ممتعة للجزء الثاني.


عبد الرحمن ناصر:
لكن الصين اليوم تختلف من حيث التطور الصناعي والتكنولوجي. كيف وصلوا إلى هذا المستوى المفاجئ؟

وضاح خنفر:
الصين تطورت بشكل مذهل وغير متوقع. في عام 2001، كانت تصنع منتجات ضخمة لا تستطيع تصديرها، فكانت تخزّنها في مستودعات بالكيلومترات. أما اليوم، فهي: رائدة عالميًا في صناعة الروبوتات، وتتفوق على أوروبا في الجودة والنوع، تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، وصدّرت نفسها كقوة صناعية متقدمة بكل المعايير.

عبد الرحمن ناصر:
ولكن، هل لدى الصين نقاط ضعف قد تُعيقها عن التحول إلى قطب عالمي مهيمن؟

وضاح خنفر:
بالتأكيد، ولعل أبرز نقاط الضعف هي:

  1. غياب العدالة في توزيع الثروة: : الثروات الصينية متمركزة في المدن الساحلية، بينما تعاني المناطق الداخلية والأرياف من الفقر والتخلف التنموي. حاول شي جين بينغ معالجتها، لكنها ما زالت معضلة اقتصادية واجتماعية كبيرة.
  2. الخلل الديمغرافي: هناك عدم توازن سكاني، خاصة في بعض المناطق الحساسة مثل شينجيانغ، التي تُخضعها الصين لإعادة هندسة سكانية عبر توطين صينيين غير مسلمين فيها.
  3. الإرث السياسي القمعي: استمرار سياسة القمع الثقافي والديني، مثلما يحدث مع الإيغور، يخلق صورة دولية سلبية، ويُبقي الصين عرضة للانتقاد في ملف حقوق الإنسان.

عبد الرحمن ناصر:
ذكرت أن الفقر الداخلي في الصين يُعالج جزئيًا من خلال توزيع التنمية. هل لك أن تشرح لنا كيف يتم ذلك عمليًا داخل الصين؟

وضاح خنفر:
نعم. في إحدى زياراتي إلى الصين، التقيت بوزير التجارة آنذاك، وقد شرح لي فكرة تفكيك التصنيع على المستوى الوطني.
قال لي: نحن نصنّع السيارة بطريقة تجعل كل قطعة تُنتَج في محافظة مختلفة، فالمحرك في منطقة، والزجاج في أخرى، والهيكل في مكان ثالث… والهدف؟ إبقاء الصين موحّدة من حيث الحاجة المتبادلة. وبالتالي تكون كل مقاطعة تحتاج الأخرى، وبالتالي تعزيز الشعور بالترابط والوحدة الوطنية. وفي الوقت نفسه، يتم خلق فرص عمل داخلية وتوزيع التنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. فكرة ذكية جدًا.

عبد الرحمن ناصر:
لكن قبل الوصول إلى هذا التنظيم، مرت الصين بتجارب كارثية في القرن العشرين. حدثنا عن مرحلة ماو تسي تونغ؟

وضاح خنفر:
الصين مرت بثلاث مراحل كبرى خلال القرن الماضي: مرحلة تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 بقيادة ماو تسي تونغ، ومرحلة ما بعد ماو وانفتاح الاقتصاد بقيادة دنغ شياو بينغ ثم مرحلة شي جين بينغ الحالية. ماو كان له إنجاز واضح في تحرير الصين من الاحتلال الياباني، لكنه ارتكب حماقات كبرى. على سبيل المثال، أطلق حملة “القفزة الكبرى إلى الأمام” التي دمّرت الاقتصاد والزراعة. أمر بتحويل كل شيء إلى صناعات حديدية، حتى أدوات المطبخ تم صهرها! النتيجة؟ انهيار الزراعة، ومجاعة فتاكة، وموت ما بين 30 إلى 40 مليون إنسان.

عبد الرحمن ناصر:
ثم جاءت الثورة الثقافية التي قلبت الصين رأساً على عقب، أليس كذلك؟

وضاح خنفر:
بالضبط، ماو شعر بالخطر بعد أن بدأ الخطاب النقدي ضد ستالين في الاتحاد السوفييتي، فأطلق الثورة الثقافية ليصفّي كل من يمكن أن يشكل تهديدًا مستقبليًا. سُجن البعض، ونُفي آخرون، وتم القضاء على كثير من الكفاءات. و لم تنتهِ الثورة إلا بوفاة ماو عام 1976.

عبد الرحمن ناصر:
ومتى بدأت الصين تتحول إلى ما نراه اليوم من قوة اقتصادية هائلة؟

وضاح خنفر:
ذلك حدث في مرحلة دنغ شياو بينغ، الرجل الذي قال:

“نحن شيوعيون نعم، لكن للوصول إلى الجنة الشيوعية، يجب أن نعبر مستنقع الرأسمالية!”

فتح البلاد أمام الاستثمارات، وبدأ الانفتاح التدريجي، مع الحفاظ على هيمنة الحزب الشيوعي. بدأ الصينيون يزورون أوروبا وأمريكا، ويُقدمون أنفسهم بلغة مرنة وجذابة. وهكذا، تغير شكل الصين جذريًا اقتصاديًا، بينما بقي الحزب الشيوعي هو الحاكم الوحيد.

عبد الرحمن ناصر:
وماذا عن شخصية “شي جين بينغ”؟ هل هو استمرار لهذا النهج أم قطيعة معه؟

وضاح خنفر:
شي جين بينغ شخصية مهمة جدًا واستثنائية. فوالده من مؤسسي الحزب الشيوعي، وعاد إلى الواجهة في عهد دنغ شياو بينغ، وشي نشأ مؤمنًا بالحزب، مخلصًا له بالكامل. هو من الجيل الجديد، ويُؤمن بإعادة أمجاد الصين كدولة عظمى.
لكن الأهم أنه أنهى عقيدة “إخفاء القوة وانتظار الفرصة”، التي دعا إليها دنغ شياو بينغ.

عبد الرحمن ناصر:
هل تقصد أن الصين لم تعد تتظاهر بالضعف كما كانت تفعل سابقًا؟

وضاح خنفر:
نعم. دنغ شياو بينغ علّم الحزب:

“اخفِ قوتك، لا تُظهر نفسك، كن متواضعًا حتى يحين وقتك”.
لكن شي جين بينغ قال:
“لقد حان الوقت. نحن الآن أقوياء”.

  • الصين تنتج 70% من سفن العالم سنويًا.
  • تصنع الجيل الرابع من الطائرات المقاتلة.
  • تمتلك سلاحًا نوويًا متطورًا.
  • وتُسيطر على الصناعات الدقيقة، من الروبوتات إلى المركبات الذكية.
  • وقوة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.

عبد الرحمن ناصر:
ذكرت أن الصين لم تعد تلك الدولة الفقيرة التابعة التي تنتج سلعًا رخيصة. ما الذي تغير بالتحديد؟ وكيف أثّر صعودها على علاقة الصين بأمريكا؟

وضاح خنفر:
الصين اليوم تغيّرت جذريًا. أمريكا كانت تتصور أن دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 يعني أنها ستصنع لنا المنتجات الرخيصة فقط. لكن الصين فاجأت الجميع بتطورها السريع. فالغرب وخصوصًا أمريكا، لم يكن يتصور أن “صناعة صينية” ستصبح مرادفًا للجودة والقوة.

عبد الرحمن ناصر:
وكيف كانت ردّة فعل الولايات المتحدة على هذا الصعود غير المتوقع؟

وضاح خنفر:
الصدمة كانت كبيرة. الصين ارتفعت صادراتها من 220 مليار دولار عام 2001 إلى أكثر من 3.5 تريليون دولار عام 2024!

  • نشأت طبقة وسطى وثرية،
  • وعادت الإمبراطوريات المالية الصينية إلى الدولة،
  • ولم تتغير طبيعة الحكم، بل بقي الحزب الشيوعي أقوى ومركزيًا أكثر.

لذا، حين أدركت أمريكا أن الصين لا تتغير كما توقعت، بدأت بالهجوم الإعلامي والسياسي، تتهمها بسرقة التكنولوجيا، وبانتهاك حقوق الإنسان، وتشيطنها كمشروع توسعي.

عبد الرحمن ناصر:
هل كان هدف أمريكا من انفتاحها على الصين في الأصل إحداث تغيير سياسي داخلها؟

وضاح خنفر:
تمامًا. أمريكا كانت تعتقد أن بناء طبقة وسطى في الصين سيؤدي تلقائيًا إلى مطالبة بالديمقراطية، وبالتالي، سيتغير النظام السياسي… لكن الذي حدث هو أن الصين ازدادت ثراءً، دون أن تتخلى عن مركزية الحزب. وحتى القيم الليبرالية التي دخلت في عهد دنغ شياو بينغ تراجعت لصالح استدعاء القيم الكونفوشية القديمة.

عبد الرحمن ناصر:
وكيف استطاعت الصين أن تستفيد من الشركات الغربية لنقل التكنولوجيا إليها؟

وضاح خنفر:
بذكاء شديد. مثلاً، في عام 2017، لم يكن لدى شركة BYD الصينية القدرة على إنتاج السيارات،
لكنها استثمرت شراكة مع تسلا، بشرط تشغيل الكفاءات الصينية. خلال سنوات، تحولت من مصنع بطاريات إلى أكبر شركة سيارات كهربائية في العالم. كما أن الصين اشترت أسهمًا ضخمة في شركات أوروبية تعاني اقتصاديًا، فانتقل إليها الكثير من المعرفة التكنولوجية والبرمجية، وبدأت تصنع سيارات ومنتجات بتقنيات راقية وبأسعار تنافسية.

عبد الرحمن ناصر:
أمريكا، إذن، تحاول الآن إيقاف هذا التقدم. ما هي أدواتها؟

وضاح خنفر:
تحاول أمريكا الآن منع الصين من تجاوزها في قطاعات المستقبل، وأبرزها: الذكاء الاصطناعي (AI) والشرائح الإلكترونية فائقة الدقة (النانو تكنولوجي) والبطاريات الصلبة والصوديوم والحوسبة الكمّية (Quantum Computing) أمريكا فرضت قيودًا على صادرات الشرائح، وطردت طلابًا صينيين، وقيّدت التعاون البحثي… لكن الجامعات الصينية اليوم متقدمة جدًا، ولم يعد بالإمكان احتكار المعرفة.

  1. البطاريات الصلبة (Solid-State Batteries): هي بطاريات تستخدم إلكتروليتًا صلبًا بدلًا من السائل، مما يجعلها أكثر أمانًا وكفاءة في تخزين الطاقة.
  2. الصوديوم (Sodium): عنصر كيميائي يمكن استخدامه بديلاً لليثيوم في البطاريات، وهو أرخص وأكثر وفرة، لكنّه لا يزال قيد التطوير الصناعي.
  3. الحوسبة الكمّية (Quantum Computing): نمط ثوري من الحوسبة يستخدم مبادئ ميكانيكا الكمّ لحل مشكلات معقدة بسرعة تفوق الحواسيب التقليدية.
  4. لشرائح الإلكترونية فائقة الدقة (النانو تكنولوجي): هي مكوّنات إلكترونية صغيرة جدًا تُصنع باستخدام تقنيات “النانو” أي بحجم أجزاء من المليون من المليمتر، وتُستخدم في الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب، والطب، لجعل الأجهزة أسرع، وأصغر، وأكثر ذكاءً.

عبد الرحمن ناصر:
ما مستقبل هذه الحرب التكنولوجية؟ وهل يمكن لأمريكا أن تنتصر في هذا السباق؟

وضاح خنفر:
أعتقد أن أمريكا تأخرت. الصين كسرت عنق الزجاجة، وهي تتقدم بهدوء، من دون مؤتمرات ولا صخب. ثقافتها مختلفة، تعمل بصمت، ولا تُعلن عما تفعله إلا بعد أن تنجزه. إذا نجحت الصين في إنتاج شرائح إلكترونية فائقة الجودة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المستقل، فقد تدخل العالم مرحلة جديدة من القطبية الدولية.

عبد الرحمن ناصر:
وما هي أبرز نقاط الضعف التي لا تزال تعاني منها الصين؟

وضاح خنفر:
أولاً: التفاوت التنموي بين المدن الساحلية الغنية جدًا، والمناطق الداخلية والأرياف التي لا تزال فقيرة.

ثانيًا: الطبيعة السياسية للنظام، فشي جين بينغ أصبح رئيسًا مدى الحياة، لكن جيلًا جديدًا من الشباب بدأ يُطالب بالحقوق والحريات، وهذا تناقض كبير بين عقلية الحزب والتحولات الاجتماعية.

ثالثًا: الضغط الجيوسياسي الأمريكي، وخاصة في تايوان، التي تمثل خطًا أحمرًا استراتيجيًا للصين. فتايوان هي اليوم مركز تصنيع الشرائح فائقة الدقة، وتحولها إلى قاعدة أمريكية يعني تهديدًا وجوديًا للصين.

عبد الرحمن ناصر:
هل يمكننا القول إننا نعيش أمام لحظة عالمية نادرة من التحول الجذري في موازين القوى؟

وضاح خنفر:
بلا شك. نحن نعيش لحظة نهاية دورة حضارية غربية، وبداية دورة شرقية جديدة. لحظة فريدة، لن يشهدها كل جيل.
ولذلك، من الضروري أن نتأمل بعمق، وأن نقرأ التاريخ لا كحكاية ماضية، بل كمفتاح لفهم المستقبل.

عبد الرحمن ناصر:
كنا نتحدث عن التحديات الجيوسياسية أمام الصين، وتحديدًا ما يتعلق بتايوان والوجود العسكري الأمريكي في محيطها. كيف يؤثر ذلك على أمن الصين القومي؟

وضاح خنفر:
الصين تعتبر ما يجري تطويقًا كاملًا.

  • تايوان على بعد 300 متر فقط من الشواطئ الصينية، وتحولت إلى جزيرة متخصصة في إنتاج الشرائح فائقة الدقة.
  • هناك قواعد أمريكية في اليابان، الفلبين، كوريا الجنوبية، وغيرها.
  • الغواصات النووية الأمريكية تجوب بحر الصين الجنوبي،
  • وهناك حديث عن تحالفات عسكرية شبيهة بحلف الناتو تُبنى لمحاصرة الصين.

الصين لا تقبل بهذا الواقع، فهي ليست دولة صغيرة أو تابعة. تريد أن تخرج من بحرها نحو العالم، لكن كل المخارج تمر عبر نقاط تفتيش أمريكية. هذا التهديد ليس فقط عسكريًا، بل جيوسياسي واستراتيجي.

عبد الرحمن ناصر:
لكن هل يمكن أن تخوض الصين حربًا إذا شعرت بالحصار أو الاستفزاز الشديد؟

وضاح خنفر:
الصين لا تريد حربًا، فهي تفكّر بمنطق حضاري طويل الأمد. فالأمريكي يُفكّر في دورة انتخابية من 4 سنوات، أما الصيني يُفكّر لقرون قادمة، ربما 50 أو 100 سنة إلى الأمام. لكن هذا الفرق في الرؤية يولّد توترًا خطيرًا. عندما يشعر العقل البعيد المدى بأنه يُخنق من عقل قصير المدى، فقد يقع الصدام، رغمًا عن نية الطرف الأضعف في البداية.

عبد الرحمن ناصر:
إذن، نحن أمام ثلاث تحديات رئيسية تواجه الصين اليوم، ما هي بإيجاز؟

وضاح خنفر:
نعم، التحديات الثلاثة الكبرى أمام الصين حاليًا هي: 1- تفاوت التنمية داخليًا بين الساحل والداخل، 2-التناقض بين العقلية السلطوية للحزب الشيوعي ومتطلبات الجيل الجديد، 3-الحصار الجيوسياسي الأمريكي، وخصوصًا ما يتعلق بتايوان. إذا نجحت الصين في التعامل مع هذه التحديات الثلاث، فهي ستصبح في قمة الهرم الاقتصادي العالمي، ومن هناك كل شيء سيتبع اقتصاديًا وسياسيًا.

عبد الرحمن ناصر:
لكن في النظام الدولي الحالي، هل هناك أقطاب أخرى صاعدة غير الصين؟ هل يمكن لروسيا أو أوروبا أن تلعب دورًا متوازنًا؟

وضاح خنفر:
الصين اليوم تبدو القطب الحقيقي الوحيد القادر على الوقوف في وجه أمريكا. أما روسيا، فهي منكفئة، خصوصًا بعد حرب أوكرانيا التي طال أمدها. روسيا دولة ضخمة، تملك ثروات هائلة، ومساحة جغرافية مذهلة (تسع ساعات طيران من طرف إلى طرف)، لكن لديها مشكلات: سكانية، واقتصادية، وفي التوازن بين الطموح الإمبراطوري القديم والحاضر الواقعي. فالعقل الروسي لا يزال حائرًا بين روسيا الفلاحين وروسيا الأدباء والمفكرين، وبين روسيا الإمبراطورية التي تسعى لاستعادة أمجادها.

عبد الرحمن ناصر:
وهل تريد الصين فعلًا أن تحل محل أمريكا في قيادة النظام الدولي؟

وضاح خنفر:
لا. الصين تقول بوضوح:

“نحن لا نريد أن نكون شرطي العالم”.
“لا نريد استبدال أمريكا، بل نريد أن نحظى بالاحترام”.

لكن أمريكا التي تذوقت طعم التفرد بالقيادة، لا تتقبل فكرة الشراكة. بالنسبة لها، مجرد فكرة أن تصبح الصين قوية تعتبر تهديدًا وجوديًا.

عبد الرحمن ناصر:
هل تعتقد أن هذا الصراع بين القطبين الأمريكي والصيني سيبقى اقتصاديًا أم قد يتحول إلى مواجهة أكبر؟

وضاح خنفر:
الأمر يتوقف على مدى قدرة الطرفين على إدارة التوازن بحكمة. إذا استمر الخطاب الأمريكي الاستعلائي، و أصر على شيطنة الصين، وفي تهديدها اقتصاديًا وعسكريًا…فردّ الصين لن يكون بالضرورة عقلانيًا بالكامل، بل عاطفيًا دفاعيًا أيضًا، خصوصًا في ظل الإهانات المتكررة التي يشعر بها الصينيون، والتي تُذكّرهم بـ”قرن الإهانة” الذي عاشوه في القرن التاسع عشر.

عبد الرحمن ناصر:
هل واجهت شخصيًا أمثلة على مدى حساسية الصينيين لمسألة الاحترام؟

وضاح خنفر:
نعم. في لقاء مع أحد كبار رجال الأعمال الأمريكيين، سُئل كيف استطاع الدخول إلى السوق الصينية رغم الخلافات؟
فقال:

“الغربيون يذهبون إلى الصين لينصحوهم. أما نحن فدخلنا حين قلنا لهم: بماذا تنصحوننا أن نفعل؟”

الصيني يريد الاحترام، لا الوصاية. وهذه النقطة فشل فيها ترامب وإدارته، لأنهم تعاملوا بفوقية واستعلاء.

عبد الرحمن ناصر:
هل ترى أن النظام الدولي في طريقه فعليًا إلى تعددية قطبية؟

وضاح خنفر:
نعم، لكن المسألة تحتاج وقتًا. فالصين ترى نفسها قطبًا يستحق الاحترام، ولن تتراجع. أما روسيا تحاول العودة لكنها مرهقة.
أوروبا لا تملك الإرادة الكاملة ولا الاستقلال الاستراتيجي الكافي. نحن في مرحلة انتقالية حساسة، وإذا لم يُحسن العالم إدارتها، فقد نكون أمام صدام عالمي جديد.

عبد الرحمن ناصر:

 ذكرتَ أن العقل الروسي يعيش توازنًا بين تراثه الإمبراطوري القديم، وبين روسيا الأدباء مثل دستويفسكي وتولستوي وجوغول، وروسيا الفلاحين من جهة، وبين روسيا الحديثة التي تسودها الأوليغارشية وثروات مركزة في المدن. ما الذي يجعل هذا التناقض قائمًا؟

وضاح خنفر: 

أولًا، روسيا لم تعد الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك، الغرب لا يزال يُبقي كامل قدراته العسكرية تحت مظلة الناتو، لمواجهة خصم لم يعد موجودًا كما كان. نحن نتحدث عن روسيا المتخيلة، وليس روسيا الواقعية. الحرب الأوكرانية أثبتت أن الجيش الروسي ليس بتلك القوة الهائلة كما كان يُظن. بوتين كان يعتقد أن أوكرانيا ستسقط خلال أسبوع، لكنها لم تسقط، ما يعني أن التقدير لقوة الجيش الروسي مبالغ فيه.

عبد الرحمن ناصر:

وماذا عن مصالح روسيا الإقليمية، كعلاقتها بالنرويج وفنلندا وغيرهما؟

وضاح خنفر: 

هذا أمر مهم. إذا نظرنا إلى جغرافيا المنطقة، نجد أن أمريكا تملك ألاسكا وتطل على نفس المحيط، وتملك أيضًا غرينلاند. ومع ذوبان الجليد، بات بالإمكان العبور من خلال القطب الشمالي بمساحات أقل. فلو تعاون ترامب مع بوتين، يمكن لهما اقتسام ثروات هذه المناطق، خصوصًا المعادن النادرة.

عبد الرحمن ناصر:

هل ترى أن هذا ما يسعى إليه ترامب؟

وضاح خنفر: 

نعم. في هذا السياق، أرى أن ما يقوم به ترامب تجاه روسيا ليس جنونًا، بل خطوة استراتيجية ذكية. لأنه يسعى لتحالف مع روسيا لأسباب جيوسياسية واقتصادية واضحة. ترامب يريد غرينلاند لأنها نقطة ارتكاز في المحيط المتجمد الشمالي. كما أن ذوبان الجليد هناك يكشف عن أراضٍ شاسعة غنية بالثروات، وهذا لم يحدث منذ آلاف السنين. نحن أمام تحول جغرافي هائل يغيّر قواعد الثروة في العالم.

عبد الرحمن ناصر:

 وما علاقة هذا بصراع أمريكا مع الصين؟

وضاح خنفر: 

ترامب يخطط لمواجهة الصين عبر الذكاء الاصطناعي. وللوصول إلى هذه التكنولوجيا، تحتاج أمريكا إلى المعادن النادرة، التي لا تملكها. الصين تملكها، وقد فرضت حظرًا على تصديرها. لكن هذه المعادن موجودة أيضًا في روسيا وأوكرانيا، وحتى في المحيط الشمالي. لذلك، العلاقة مع روسيا ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية.

عبد الرحمن ناصر:

وهل التقارب الروسي الصيني متين إلى هذه الدرجة؟

وضاح خنفر: 

في الحقيقة، العلاقة بين روسيا والصين ليست طبيعية، بل تحمل توترات تاريخية. هناك تنافس اقتصادي كبير بينهما، خصوصًا في وسط آسيا. ما قرب بينهما هو الدعم الأمريكي والأوروبي لأوكرانيا، وهذا ما دفع روسيا للاقتراب من الصين. لكن في حال وجدت روسيا حليفًا في أمريكا، قد تبتعد عن الصين مجددًا، نظرًا لوجود خلافات جغرافية وسياسية بين الطرفين.

عبد الرحمن ناصر: 

إذًا، ترى أن ما يفعله ترامب هو تحرك محسوب؟

وضاح خنفر:

نعم، تحركه مدروس. ليس مجرد جنون. بل له مبررات جيوسياسية واقتصادية واضحة. وإذا نجح هذا التحالف الأمريكي الروسي، فإن النظام الدولي الجديد سيتشكل على أساس ثنائي القطب: أمريكا والصين. إما روسيا، في هذه الحالة، لن تكون قطبًا مستقلًا، بل شريكًا تابعًا لأحد القطبين.

عبد الرحمن ناصر:

 إذًا، في رؤيتك، هل سنشهد نظامًا ثنائي القطب فقط بين أمريكا والصين؟ أم أن هناك احتمال لظهور أقطاب أخرى؟

وضاح خنفر: 

لا، لا أظن أن هناك أقطابًا أخرى حقيقية. حتى روسيا، برأيي، لن تكون قطبًا مستقلاً، بل ستكون حليفًا لأمريكا أو للصين. نحن متجهون إلى نظام ثنائي القطب، نعيد فيه تجربة الحرب الباردة، ولكن بنسخة جديدة.

عبد الرحمن ناصر:

ولماذا الآن؟ ألا يمكن أن تظهر هذه القطبية من البداية؟

وضاح خنفر: 

القطبية لا تتشكل في البدايات، بل في النهايات. كل القطبيات السابقة في التاريخ نشأت بعد حروب كبرى أو أحداث مفصلية؛ مثل حرب الثلاثين عامًا التي أدت إلى صلح وستفاليا، أو الحروب النابليونية، أو الحربين العالميتين. ونحن الآن في بدايات الفوضى التي ستصنع هذا التوازن لاحقًا. موازين القوى الحالية غير مستقرة، ولذلك من المبكر الحديث عن قطبية واضحة، ثنائية كانت أو ثلاثية أو حتى رباعية.

عبد الرحمن ناصر: 

وكيف ترى دور أوروبا في هذه المرحلة؟

وضاح خنفر: 

أوروبا تتراجع بسرعة كبيرة. لقد شاخت فكريًا، واقتصاديًا، وبُنيويًا. صحيح أنها ستبقى كيانًا موجودًا، لكنها ستتراجع نسبيًا في سلم القوى الدولية. أمريكا ستظل دولة محورية، بسبب عوامل كثيرة، منها موقعها الجغرافي البعيد عن التهديدات المباشرة، فهي قارة شبه معزولة عن العالم. إلا إذا دخلت في حرب أهلية داخلية، وهذا شأن آخر.

عبد الرحمن ناصر: 

إذًا، القطبية قادمة، ولكن ليس الآن؟

وضاح خنفر: 

بالضبط. نحن الآن في مرحلة الصراع الذي يسبق التوازن. القطبية تتشكل عندما يتصارع الكبار، ثم يدركون أنهم لا يستطيعون أن يقضوا على بعضهم البعض، فيجلسون ويتفقون على توازن القوة. هكذا تشكلت كل النظم الدولية في الماضي.

عبد الرحمن ناصر:

وما الذي يحدث خلال هذه المرحلة الانتقالية؟

وضاح خنفر: 

خلال هذه الفوضى، تبدأ القوى الإقليمية بالتحرك. لأن الكبار منشغلون ببعضهم البعض، فلا ينتبهون إلى ما يحدث في الأطراف. وهنا تبدأ القوى الإقليمية بالتصرف، أحيانًا بعنف، وأحيانًا بطمع، وأحيانًا لاستعادة أمجاد ماضية، أو للسيطرة على موارد اقتصادية. وبالتالي، القوى الإقليمية لا يجب أن تُنسى، لأنها ستلعب أدوارًا حاسمة في هذه الفوضى.

عبد الرحمن ناصر: 

وماذا عن الهند؟ هل يمكن أن تكون قطبًا عالميًا مستقبليًا؟

وضاح خنفر: 

هذا سؤال مهم، ورأيي فيه واضح: لا أعتقد أن الهند مؤهلة لأن تكون قطبًا عالميًا حاليًا. رغم أنها كيان ضخم، إلا أنها مشغولة بمشكلاتها الداخلية، وتعيش صراعات دينية وإثنية عديدة. عندهم الحزب الهندوسي، والمسلمين، وغيرهم من مكونات المجتمع. الهند ليست على قلب رجل واحد، كما هو الحال في الصين. ولذلك، لا تملك حتى الآن الوحدة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية اللازمة لبناء قطبية حقيقية.

عبد الرحمن ناصر: 

ولكن عدد سكانها هائل، واقتصادها ينمو!

وضاح خنفر: 

نعم، الهند قد تصبح الأولى عالميًا من حيث عدد السكان، ولا شك أن لديها طموحًا. لكنها تقوى لا حبًا في القوة، بل نكاية في الصين. هناك منافسة جيوسياسية واستراتيجية بين الطرفين. فكلما قويت الصين، حاولت الهند أن تقوي نفسها. لكن هذا لا يكفي لأن تكون قطبًا في النظام الدولي الجديد.

يتبع في الجزء الثالث

https://dr-achbani.com/لأستاذ-وضاح-خنفر-التغيرات-والتحولات-ف

https://dr-achbani.com/مع-الاستاذ-وضاح-خنفر-الحرب-على-غزة-أحدث

https://dr-achbani.com/9048-2

https://dr-achbani.com/الحرب-على-غزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE