الذكاء الاصطناعي: شريك في التفكير أم بداية الإقصاء؟ (الجزء الأول)

د. الحسـن اشباني
مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
ملخص الجزء الاول من الحوار
في اليابان، خلال العقدين الأخيرين، أصبح “الأمي” عمليًا هو من لا يُحسن استخدام الحاسوب، أمّا اليوم فالأمية الرقمية تتجه نحو معيار أحدث: من لا يعرف التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي. في بلداننا، للأسف، ظلّت الأمية ولا تزال مرتبطة أساسًا بعدم القدرة على القراءة والكتابة. ضمن هذا الإطار وفي ظل التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يفتح برنامج «محاولة فهم» نقاشًا معمّقًا حول واحدة من أكثر التكنولوجيات تأثيرًا في حاضر البشرية ومستقبلها. في هذا الجزء الأول من الحلقة، يدير الصحفي عثمان إي فرح حوارًا مع ثلاثة خبراء هم: الدكتور نبيل عودة (علم الاجتماع الرقمي والدراسات السيبرانية)، والدكتور ياسر المحيو (باحث ومطوّر في الذكاء الاصطناعي المؤسسي)، والمهندس حمدي مبارك (مهندس برمجيات رئيسي بمعهد قطر لبحوث الحوسبة)، بهدف فهم هذه التكنولوجيا الجديدة من حيث ماهيتها، واختلافها عن البرمجيات التقليدية، وآفاقها، ومخاطرها المحتملة. تنطلق الحلقة من أسئلة مركزية: ما الذكاء الاصطناعي؟ ما الذي يميّزه؟ إلى أين يتجه؟ وهل يحمل خطرًا أم أملًا؟ ويُعرَّف الذكاء الاصطناعي بوصفه قدرة الآلة على محاكاة مهام ذهنية بشرية كانت حكرًا على الإنسان، مثل الترجمة، وفهم الأصوات والصور، واستيعاب السياق، بل والتعامل مع مواقف جديدة لم تتعرض لها سابقًا عبر استنتاجات قائمة على البيانات. وتُعد هذه القدرة على التصرّف في “الجديد” ميزة كبرى، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات مقلقة. كما يشير الحوار إلى أن المرحلة الراهنة تمثل تحولًا نوعيًا نحو الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه “شريكًا في التفكير”، بعد أن كانت التكنولوجيا تتطلب من الإنسان تعلّم لغة الآلة. اليوم، أصبحت الآلة تفهم لغة الإنسان ولهجاته وتلتقط ما بين السطور، ما وسّع نطاق استخدامها وأثّر مباشرة في مجالات حساسة مثل التعليم والترجمة، مع التأكيد على أن التحدي الحقيقي لم يعد في امتلاك الأداة، بل في القيمة التي يضيفها الإنسان عند استخدامها.
الجزء الاول من الحوار
الصحفي عثمان إي فرح: أهلًا بكم مشاهدينا الكرام، أنا عثمان إي فرح، وأرحّب بكم في حلقة جديدة من برنامج محاولة فهم. وكما أشرنا سابقًا، سنحاول في هذه الحلقة أن نفهم ماهية الذكاء الاصطناعي: ما هو بالضبط؟ ما الفرق بينه وبين البرمجيات التقليدية؟ ما آفاقه المستقبلية وتطبيقاته المحتملة؟ وهل يشكّل خطرًا؟ أم يحمل في طياته أملًا جديدًا للبشرية؟

يسعدني أن أرحّب اليوم بمجموعة من الخبراء المتخصصين في هذا المجال، لنطرح عليهم هذه الأسئلة وغيرها. معنا الدكتور نبيل عودة، المتخصص في علم الاجتماع الرقمي والدراسات السيبرانية، والدكتور ياسر المحيو، الباحث والمطوّر في الذكاء الاصطناعي المؤسسي، والحاصل على عشرات براءات الاختراع في هذا المجال، كما يرافقنا المهندس حمدي مبارك، المهندس الرئيسي للبرمجيات في معهد قطر لبحوث الحوسبة بجامعة حمد بن خليفة. أبدأ معك دكتور نبيل: ما هو الذكاء الاصطناعي بالضبط؟
الدكتور نبيل عودة:
أهلًا بكم، ويسعدنا جميعًا التواجد مع قناة الجزيرة الموقرة والمفضلة لدى الجمهور العربي. يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه قدرة الآلة على تنفيذ مهام تحاكي ما يقوم به الإنسان. فالإنسان يترجم اللغات، واليوم تستطيع الآلة الترجمة بدقة تقترب كثيرًا من دقة الإنسان. الإنسان يتعرف على الأصوات والصور ويفهم السياق، واليوم تستطيع الأنظمة الذكية القيام بذلك، بل وتقديم خطط لرحلات أو اقتراح حلول لمشكلات معقدة. هذه القدرات كانت في السابق حكرًا على البشر، لكن مع توفر كميات هائلة من البيانات، ووجود قدرات حوسبية عالية، أصبح بإمكان الحاسوب تنفيذ مهام والإجابة عن أسئلة بدقة تقترب كثيرًا من التفكير البشري. فالذكاء الاصطناعي هو قدرة الآلة على محاكاة القدرات الذهنية للإنسان، والتصرف في مواقف لم تتعرض لها من قبل. يمكنني مثلًا أن أقدّم لنظام ذكاء اصطناعي نصًا لم يره سابقًا، وأطلب منه تلخيصه، أو أصف له رحلة لم يسبق له التدريب عليها، وأطلب منه إعداد خطة دقيقة تشمل التكلفة وعدد الأفراد والاهتمامات، فيقدّم لي خطة متكاملة رغم أنه لم يتدرّب على هذا السيناريو تحديدًا. هذه القدرة على التعامل مع مواقف جديدة تُعد سمة بالغة الأهمية، وربما الخطورة أيضًا.
الصحفي عثمان إي فرح: ننتقل الآن إلى الدكتور ياسر.
الدكتور ياسر المحيو:
شكرًا لكم على إتاحة هذه الفرصة للحديث عن هذا الموضوع الشيق. في الحقيقة، للذكاء الاصطناعي في مرحلته الأخيرة تعريف مختلف عمّا كان عليه منذ بداياته. نحن اليوم أمام ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ويمكن وصفه بأنه شريك في التفكير، لا مجرد أداة تنفيذ.
في المراحل السابقة من تطور التكنولوجيا، كان على الإنسان أن يبذل جهدًا كبيرًا لتعلّم لغة الآلة: الأزرار، الأوامر، البرمجة، والتعليمات المعقدة. وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل عشر سنوات كانت تتطلب خبرة هندسية متقدمة لتشغيلها، كأن تكون مهندسًا أو باحثًا متخصصًا لتشغيل نظام للتعرف على الوجوه مثلًا. أما الثورة الحقيقية التي نشهدها اليوم، فهي أن الذكاء الاصطناعي بات يأتي إلى الإنسان ليفهم لغته، بل وحتى لهجته. وهذا ما جعله في متناول جميع البشر، دون الحاجة إلى جهد تقني أو معرفة متخصصة. أصبح الإنسان يتحدث بلغته الطبيعية، فيفهم الذكاء الاصطناعي ما بين السطور. وقد بدأ هذا التطور يلامس مجالات حساسة مثل التعليم والترجمة. فالترجمة، على سبيل المثال، من أكثر الوظائف تأثرًا بالذكاء الاصطناعي، لكنه في المقابل اختصر جهدًا كبيرًا عن المترجم، تاركًا له مساحة التركيز على القيمة المضافة.




بل إن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على التمييز بين اللهجات. فهو اليوم قادر على التفرقة بين لهجات مختلفة داخل اللغة الواحدة، كما هو الحال في اللهجات العربية. فاللهجة المغاربية، المعروفة بصعوبتها نتيجة اختفاء الحركات الصوتية، استطاع الذكاء الاصطناعي التعرف عليها بنسبة تتجاوز 80%. وهذا يعكس قدرته العالية على التخصيص، إذ يمكن تدريبه على ما نشاء متى توفرت البيانات.
الصحفي عثمان إي فرح: دكتور ياسر، ما رؤيتك من زاوية أخرى؟
الدكتور ياسر: شكرًا على الاستضافة وعلى طرح هذا الموضوع المهم. برأيي، أصبح من الضروري أن تدخل هذه التكنولوجيا في صلب الحوار المجتمعي، خاصة في مؤسساتنا العربية والإعلامية. الذكاء الاصطناعي وصل إلى مرحلة يحاكي فيها التفكير البشري من حيث حل المشكلات واتخاذ القرارات، لكنه سيبقى محدودًا في جانب واحد أساسي، وهو الجانب الاجتماعي. فالإنسان يتميز بقدرته العالية على التكيّف الاجتماعي. صحيح أن الذكاء الاصطناعي أسرع من الإنسان في التعلم، لكن الإنسان يظل أكثر مرونة في التكيّف مع السياقات الاجتماعية المتغيرة. ولهذا أؤكد دائمًا في محاضراتي أن علينا نحن البشر أن نتعلم من الذكاء الاصطناعي، لا أن ننتظر منه أن يتعلم منا فقط. فمفاهيم مثل التعلم الآلي والتعلم العميق تعكس أهمية التعلم المستمر والتفكير العميق، وهي قيم يجب أن يتبناها الإنسان. ورغم تطور الذكاء الاصطناعي، سيبقى الإنسان في صدارة القدرة على التكيّف الاجتماعي. ولذلك، أعتقد أننا سنشهد خلال السنوات الخمس أو العشر القادمة عودة قوية للعلوم الاجتماعية والإنسانية إلى الواجهة، بعد أن همّشت نسبيًا خلال القرن الماضي، لأن فهم الإنسان وسلوكه سيظل عنصرًا لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستوعبه بالكامل.
الذكاء الاصطناعي، كما تفضل الأساتذة، يمكن تعريفه بأنه «الآلة المفكّرة» أو Thinking Machine. والحقيقة أن هذا الحلم ليس جديدًا في تاريخ الإنسان؛ فليوناردو دافنشي، على سبيل المثال، كان يحلم بصناعة آلة مفكّرة، بل وصمّم نموذجًا بدائيًا لآلة تحاكي الإنسان. غير أنّ المفهوم العلمي للذكاء الاصطناعي لم يتبلور إلا في خمسينيات القرن العشرين، تحديدًا حوالي سنة 1950، حين بدأ يتشكّل بوصفه مجالًا علميًا مستقلًا. أما ثقافيًا وفلسفيًا، فقد كان حاضرًا في المخيال الإنساني منذ مئات السنين.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الذكاء الاصطناعي برنامج؟ أم آلة؟ أم ماذا تحديدًا؟ في جوهره، الذكاء الاصطناعي هو برنامج، لكنه برنامج يُدمج داخل آلة، فتتحول هذه الآلة إلى كيان قادر على محاكاة الوظائف الذهنية البشرية. نحن هنا أمام مرحلة جديدة تُعرف بـ«القدرة الإدراكية» (Cognitive Capacity)، ولأول مرة في التاريخ نمتلك تكنولوجيا تحاكي القدرات الذهنية للإنسان.
فالذكاء الاصطناعي عبارة عن برامج تُركّب داخل آلات، فتجعل منها آلات «مفكّرة». لدينا منذ عقود روبوتات، لكن هذه الروبوتات لم تكن مفكّرة، بل كانت آلات مبرمجة لتنفيذ مهام محددة بدقة شديدة. فالروبوت المبرمج لتنظيف الزجاج، مثلًا، إذا طُلب منه تنظيف الباب، يرفض التنفيذ لأنه لم يُبرمج على ذلك.
أما الروبوت المزود بالذكاء الاصطناعي، فقد تغيّر جذريًا. بعد تزويده بتقنيات التعلم الآلي (Machine Learning)، ثم التعلم العميق (Deep Learning)، لم يعد يتعلم من الشيفرة البرمجية فقط، بل من البيانات. وأصبح أكثر قدرة على التكيّف. فإذا دُرّب على مسح الزجاج، قد يستنتج بنفسه أن مسح الباب عملية مشابهة، فيقوم بمسحه أيضًا.
وهذا يشبه مثالًا طريفًا يُضرب أحيانًا: لصٌّ وُضعت له خطة لسرقة بنك تقضي بقتل الحارسين ثم سرقة المال. فإذا دخل البنك ولم يجد الحارسين، يقول إن الخطة فشلت! هذا هو التفكير البرمجي الجامد. أما الذكاء الاصطناعي، فإنه في الحالة نفسها سيبحث عن خطة بديلة دون أن يُطلب منه ذلك. وهنا يبرز سؤال مقلق أحيانًا: هل أصبح الذكاء الاصطناعي يفكّر وحده؟ والإجابة: نعم، هذه إحدى خصائصه الأساسية، خاصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي القدرة على اتخاذ قرارات في مواقف لم يتعرض لها سابقًا. فهو يستفيد من خبراته السابقة ومن البيانات المتراكمة ليواجه مواقف جديدة بدقة تقترب كثيرًا من دقة الإنسان.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما حدث سنة 2016 مع برنامج AlphaGo، وهو نظام ذكاء اصطناعي طوّرته شركة DeepMind التابعة لشركة غوغل. فقد تمكن هذا البرنامج من هزيمة بطل العالم في لعبة «غو»1، وهي لعبة تُعد أكثر تعقيدًا من الشطرنج بمراحل. النقلة الشهيرة التي حسمت المباراة عُرفت باسم «النقلة 37»، وكانت بمثابة نهاية المباراة. وعندما سُئل المهندسون: كيف درّبتم البرنامج على هذه النقلة العبقرية؟ أجابوا بأنهم لم يدربوه عليها مباشرة. بل زُوّد البرنامج بقواعد اللعبة، وتعلّم من آلاف المباريات السابقة أيّ الحركات تقود إلى الفوز وأيّها تؤدي إلى الخسارة. ثم، بناءً على ذلك، تصرّف في موقف جديد لم يسبق له التدريب عليه. لم يكن البرنامج «يفكر» بمعنى بشري، لكنه كان مزودًا بتقنيات مثل التعلم العميق المعزّز (Reinforcement Learning)، حيث يقوم بخلق احتمالات متعددة، ثم يختبرها، ويستبعد الخاطئ منها، حتى يصل إلى القرار الأمثل.
1 لعبة «غو» هي واحدة من أقدم ألعاب الاستراتيجية في العالم، نشأت في الصين قبل أكثر من ألفي عام، وتقوم على لوح مكوَّن من شبكة كبيرة تُوضع عليها أحجار سوداء وبيضاء. هدف اللعبة ليس إسقاط الخصم مباشرة، بل السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من اللوح عبر محاصرة أحجاره بذكاء وصبر. ما يجعل Go معقّدة للغاية هو العدد الهائل من الاحتمالات في كل نقلة، والذي يفوق الشطرنج بمراحل، ما يجعل التنبؤ بالنتائج شبه مستحيل حتى على أفضل اللاعبين. ولهذا تُعد «غو» اختبارًا حقيقيًا للتفكير الاستراتيجي طويل المدى، وتوازنًا دقيقًا بين الهجوم والدفاع والرؤية المستقبلية.
وهنا يبرز التساؤل: هل الذكاء الاصطناعي يحاكي ذكاء الإنسان فقط، أم أنه في بعض الحالات يتفوّق عليه؟ في حالة «ألفا غو»، يمكن القول إنه تفوّق على بطل العالم تفوقًا هائلًا. فقد مرّ البرنامج بمراحل تطور، بدءًا من نسخة تعلمت من مباريات البشر، وصولًا إلى نسخ لاحقة أصبحت تلعب ضد نفسها، وتتعلم من أخطائها، وتصحح ذاتها باستمرار.

الأساس في هذه البرمجيات هو الشبكات العصبية (Neural Networks)، وهي أول محاولة حقيقية لمحاكاة طريقة عمل الدماغ البشري: ذاكرة، وربط بين المعلومات، واتخاذ قرار. ومع التعلم المعزّز، يقوم النظام بتجربة الخطأ، ثم إعادة المحاولة، إلى أن يصل إلى مستوى شبه خالٍ من الأخطاء، بعد أشهر من التدريب المتواصل.
واليوم، نحن نقترب من مرحلة جديدة في تطور الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الآلة تتعلم فقط من بيانات البشر، بل بدأت تتعلم من بيانات ينتجها الذكاء الاصطناعي نفسه، فيما يُعرف بـ«البيانات الاصطناعية». وهذه المرحلة موجودة بالفعل في بعض النماذج الحديثة، ومنها نماذج صينية متقدمة. وهنا تبرز أسئلة أخلاقية وتشريعية كبرى: هل يُسمح للذكاء الاصطناعي أن يتعلم من ذكاء اصطناعي آخر؟ وما حدود هذا التعلم؟ ومن يملك الحق في ضبطه أو منعه؟ وهي أسئلة ستبقى مفتوحة في المرحلة القادمة.
الصحفي عثمان إي فرح: هل يُسمح للصينيين بذلك؟
الدكتور ياسر: طبعًا يُسمح لهم… هم في النهاية لا يحتاجون إلى إذن من أحد. (ضحك) يصعب في الواقع إثبات أنهم اعتمدوا على نظام آخر بعينه، أو أنهم استندوا إلى نموذج مختلف، فمن المرجّح أنهم استخدموا البيانات نفسها أو مصادر معلومات متشابهة في التدريب. لكن من الصعب جدًا البرهنة بشكل قاطع على أنهم اعتمدوا على نموذج خارجي بعينه، خصوصًا أن بيانات التدريب في الغالب متاحة على نطاق واسع.
الصحفي عثمان إي فرح: (ممازحة) لا أريد أن أظلم المهندس حمدي وهو جالس إلى جانبي، فهو أستاذنا. (ضحك)
المهندس حمدي مبارك: أودّ أن أضيف معلومة مهمة هنا. خلال السنوات الأخيرة، أصبح حجم المحتوى الذي تُنتجه الآلات يقارب – بل أحيانًا يساوي – حجم المحتوى الذي يُنتجه البشر. فجزء كبير جدًا من المحتوى الموجود حاليًا على الإنترنت لم يعد من إنتاج الإنسان فقط، بل من إنتاج الآلات، بما في ذلك الأكواد البرمجية.
هناك إحصاءات تشير إلى أن نحو 70% من الأكواد البرمجية المتاحة اليوم ليست مكتوبة يدويًا بالكامل من قِبل البشر، بل أنتجتها أنظمة ذكية. وبالطبع، يظل الإنسان حاضرًا للتأكد من صحة هذه الأكواد، لكن بدلًا من أن يبدأ المبرمج من الصفر، أصبح بإمكانه اليوم وصف المشكلة فقط، ويطلب من نظام ذكاء اصطناعي متقدم أن يولّد آلاف الأسطر البرمجية بلغات مختلفة مثل بايثون وجافا وغيرها، ثم يتولى الإنسان المراجعة والتدقيق. بل توجد أصلًا أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى مخصّصة لمراجعة صحة هذا الناتج. وهذا يفتح سؤالًا كبيرًا: ما مستقبل المبرمجين إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة 70% من الشيفرات؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي منافسًا للمبرمج بقدر ما أصبح أداة تعزّز كفاءته؛ فالمبرمج الذي يُحسن توظيفه يتمتع بفرص مهنية أوسع من ذاك الذي يتجاهله أو يرفضه. وينطبق ذلك على مهن عديدة، إذ بات الذكاء الاصطناعي مساعدًا فعّالًا للمبرمجين، والأطباء، والضباط، والإعلاميين، والمعلمين، عبر تسريع الأداء ورفع جودة النتائج دون أن يلغي الدور البشري.
الصحفي عثمان إي فرح: (مازحًا) بعد ظهور «تشات جي بي تي» في الولايات المتحدة… أنت مبرمج، أليس كذلك؟ هل تشعر بالخوف؟ (ضحك)
المهندس حمدي مبارك: أنا مبرمج طوال حياتي، نعم. وبعد ظهور «تشات جي بي تي» فعلًا، وقدرته الواضحة على كتابة البرامج، ساد نوع من الذعر بين طلاب كليات الهندسة في الولايات المتحدة. بعضهم قال: إذا كان الذكاء الاصطناعي يكتب البرامج، فما مستقبلي أنا؟ بل إن بعض الطلاب تركوا هذا المجال فعلًا. لكن من وجهة نظري، سيظل الإنسان هو العنصر الحاسم في هذه العملية. الأكواد البسيطة يمكن الاستعانة فيها بالآلة، لكن الكود النهائي، والدقة العالية، والمسؤولية عن القرار، لا بد أن تكون بيد الإنسان. لذلك أطمئن المبرمجين، بل وأطمئن كثيرًا من القطاعات، بأن التأثير لن يكون إقصائيًا، لكنه يتطلب تطوير المهارات. المبرمج الذي يُجيد التعامل مع الذكاء الاصطناعي ستكون فرصه أفضل بكثير من المبرمج الذي يرفضه أو يتجاهله. فالذكاء الاصطناعي اليوم هو أداة مساعدة لكثير من المهن: المبرمجين، الأطباء، الضباط، الإعلاميين، والمعلمين.
الصحفي عثمان إي فرح: (ضاحكًا) والأطباء أيضًا… غصبًا عنهم! (ضحك)
الدكتور نبيل عودة: هناك دراسات تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي على القطاعات المختلفة من حيث الإنتاجية ومستوى الابتكار. ولو طرحنا سؤالًا: ما أكثر قطاع تأثرًا بالذكاء الاصطناعي من حيث الإنتاج والابتكار؟ فإن الإجابة المفاجئة هي: الصحافة والإعلام، ثم تأتي بعدها مباشرة صناعة البرمجيات.
الصحفي عثمان إي فرح: هل هذا يعني أن مهنة المذيع مهددة؟ هل يمكن أن تختفي مستقبلًا؟
الدكتور ياسر المحيو: نظريًا، نعم. هناك نماذج حقيقية اليوم، خصوصًا في بعض القنوات الإخبارية الصينية، تعتمد على مذيعين آليين. يستطيع النظام جمع الأخبار من الإنترنت، وكتابة ملخص، ثم تقديمه عبر «أفاتار» يُحاكي الشكل والصوت وطريقة الإلقاء. بل يمكن – تقنيًا – أخذ وجهك وصوتك وحركاتك، وصناعة نسخة رقمية منك تقرأ الأخبار. (ضحك) لكن دون خفة دمك، طبعًا!
الصحفي عثمان إي فرح: لدينا زميلات (يقصد أفاتار) مثل ابتكار وازدهار… والفارق واضح.
الدكتور نبيل عودة: بالضبط. وهنا نصل إلى نقطة جوهرية: ليس السؤال هل يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى هذا المستوى، بل: هل سيقبل المجتمع بذلك؟ خذ مثال السيارات ذاتية القيادة. هذه التكنولوجيا موجودة منذ أكثر من 15 عامًا، لكنها لم تنتشر على نطاق واسع إلا مؤخرًا. في الولايات المتحدة، مثلًا، أصبحت تُستخدم اليوم كسيارات أجرة في ولايات مثل أريزونا، دون سائق، تنقلك إلى وجهتك وتخبرك بأنك وصلت. لكن انتشارها كان مرتبطًا بالبنية التحتية، وبالبيئة التشريعية السريعة في أمريكا، على عكس أوروبا حيث تستغرق التشريعات وقتًا أطول. اليوم، الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم مذيع وجمع الأخبار وتدقيقها وترجمتها وإعداد المعالجة التحريرية بل وحتى توزيع المحتوى لكن يبقى عنصر أساسي لا يمكن تجاهله وهو الروح الإنسانية. وكل هذا يندرج ضمن ما يُسمّى بـالذكاء الاصطناعي الضيق (Narrow AI)، أي الذكاء المحدود بالمجالات المتخصصة.
الدكتور ياسر المحيو: كل ما نراه اليوم من نماذج مبهرة، مثل «ديب مايند» و«ألفا غو» وكل ما يثير إعجاب الناس ويُوصَف بـ«الواو»، يندرج في حقيقته ضمن ما يُعرف بـالذكاء الاصطناعي الضيق (Narrow AI). هذا الذكاء يعمل داخل إطار محدّد جدًا ومجالات ضيقة للغاية. ونحن، رغم كل ما نشهده من تطور، لا نزال حتى الآن في المرحلة الأولى من تطور الذكاء الاصطناعي.
الصحفي عثمان إي فرح: سأعود إلى هذه النقطة لاحقًا، لكن دعنا نُكمل قليلًا في موضوع الوظائف.
يُعدّ استهلاك الطاقة أحد أبرز التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ فبينما ينجز الدماغ البشري عملية تفكير بسيطة بطاقة لا تتجاوز نحو 2 واط، قد تتطلب معالجة المسألة ذاتها عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي ما يقارب 2.7 مليار واط. هذا التفاوت الكبير يبرز حجم الفجوة، ويجعل مسألة الطاقة عائقًا حقيقيًا أمام التوسع الواسع لهذه التكنولوجيا.
الدكتور ياسر المحيو: في الحقيقة، لا بد من بعض التفلسف قبل الوصول إلى مسألة الوظائف. خذ مثلًا شركة «ريبليت» (Replit)، وهي شركة أردنية تعمل في وادي السيليكون. تقوم فكرتها على تمكين غير المبرمجين من البرمجة، فيما يُعرف اليوم بـNo-Code أو Low-Code أو ما يُسمّى أحيانًا Vibe Programming. أي أن شخصًا لا يمتلك أي معرفة برمجية يمكنه إنشاء تطبيق كامل أو موقع إلكتروني متكامل. وهنا أصل إلى النقطة الجوهرية: نحن اليوم نتحدث عن ذكاء اصطناعي محدود، لكن تخيّل ما الذي ستبلغه هذه القدرات بعد خمس أو عشر سنوات. ما نناقشه اليوم قد يبدو بدائيًا جدًا مقارنة بما هو قادم، لأن الذكاء الاصطناعي يتضاعف تطوره مع الوقت بوتيرة متسارعة. دعني أقدّم مثالًا رقميًا بسيطًا: نحن اليوم في «تشات جي بي تي» نستخدم نماذج متقدمة تستهلك طاقة أقل بنحو 300 مرة مقارنة بنماذج سابقة خلال فترة قصيرة جدًا. هذا التطور خلال سنة أو سنتين فقط يقودنا إلى أحد أكبر الهواجس المرتبطة بالذكاء الاصطناعي: الطاقة.
Agentic هو توصيف لسلوك أو خاصية في نظام ذكاء اصطناعي تُشير إلى امتلاكه قدرًا من الاستقلالية والمبادرة في اتخاذ القرار وتنفيذ المهام دون إشراف بشري لحظي، بينما Agent هو الكيان أو الوحدة البرمجية نفسها التي تُنفِّذ مهمة محددة وفق قواعد أو أوامر معيّنة. وبعبارة أدق: الـ Agent هو «الفاعل»، أما Agentic فهي «الصفة» التي تعبّر عن مدى استقلالية هذا الفاعل وقدرته على التخطيط والتصرف الذاتي.
فالذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة هائلة. على سبيل المثال، عملية تفكير بسيطة في الدماغ البشري قد تحتاج إلى نحو 2 واط فقط، بينما يحتاج الذكاء الاصطناعي لمعالجة المسألة نفسها إلى ما يقارب 2.7 مليار واط. الفارق هائل، ولهذا تُعد الطاقة أحد أكبر التحديات أمام توسع الذكاء الاصطناعي. حتى إن بعض الشركات أشارت -مازحة بجدية- إلى أن كل «برومبت» يُرسل إلى النماذج اللغوية الكبيرة يستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، إلى درجة أن هناك من نصح المستخدمين بعدم كتابة عبارات المجاملة مثل «شكرًا»، لأنها تستهلك طاقة إضافية.
الذكاء الاصطناعي العام (General AI) هو نوع افتراضي من الذكاء الاصطناعي يملك قدرة شاملة على الفهم والتعلّم والتفكير عبر مجالات متعددة، على نحو قريب من قدرات الإنسان الذهنية، وليس محصورًا في مهمة واحدة أو مجال محدد كما هو الحال في أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية.
لكن في المقابل، نلاحظ أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة وفي الوقت نفسه يقل استهلاكه للطاقة. وهذا يعني أن السيطرة الحالية على نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى محصورة في الشركات العملاقة التي أنفقت خلال عام واحد نحو 100 مليار دولار، منها قرابة 30 مليار دولار على النماذج اللغوية الكبيرة وحدها. غير أنه خلال خمس أو عشر سنوات، من المرجّح أن تصبح حتى الشركات المتوسطة والصغيرة قادرة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها، تمامًا كما كان الهاتف في بداياته حكرًا على الأثرياء، ثم أصبح اليوم في يد طفل في الثامنة من عمره.
الذكاء الاصطناعي الفائق (Super AI) هو مفهوم نظري يشير إلى ذكاء اصطناعي يفوق القدرات العقلية للبشر في جميع المجالات، بما في ذلك التفكير، والإبداع، واتخاذ القرار، وحل المشكلات المعقّدة، ويُعدّ مرحلة افتراضية لم يتحقق وجودها بعد في الواقع.
الصحفي عثمان إي فرح: نعود إذن إلى موضوع الوظائف.
الدكتور ياسر المحيو: قبل ذلك، اسمح لي أن أُكمل فكرة المراحل. نحن حاليًا في مرحلة الذكاء الاصطناعي الضيق، والذي ينقسم إلى: Agent: يقوم بمهام فردية و Agentic: يقوم بمهام فريق كامل. في مجال الصحافة مثلًا، حيث يوجد فريق من المُعدين والمحررين، يمكن اليوم إنشاء نظام «Agentic» يؤدي عمل فريق كامل، دون أن يعني ذلك إلغاء الدور البشري، بل إعادة تشكيله. بعد هذه المرحلة، ننتقل إلى الذكاء الاصطناعي العام (General AI)، وهو -على الأرجح- موجود حاليًا في المختبرات، لكنه لم يُطرح بعد في الأسواق. هذا النوع قادر على أداء وظائف الإنسان كاملة.
ثم نصل إلى مرحلة أبعد، هي الذكاء الاصطناعي الفائق (Super AI)، وهو مستوى لا يزال بعيدًا، لكنه نظريًا قادر على تعويض البشرية جمعاء، أو ما يُعرف بـ«العقل الجمعي». إذا أردنا تشبيه وضعنا الحالي، فنحن أشبه ببدايات عصر السيارات في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كانت السيارات بدائية للغاية. نحن اليوم في مرحلة «المقود اليدوي» للذكاء الاصطناعي. لكن الفارق أن التطور هذه المرة لن يستغرق مئة عام، بل أقل من عشر سنوات.
ومن المهم الإشارة إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي كان بطيئًا نسبيًا بين عامي 1950 و2000، بسبب ضعف القدرات الحاسوبية، وغياب البيانات، وعدم وجود الإنترنت. لكن مع ظهور الإنترنت، توفّر الوقود الحقيقي للذكاء الاصطناعي: البيانات، ثم جاءت الحوسبة السحابية والخوادم القوية. بعد ذلك ظهر التعلم الآلي، ثم التعلم العميق (Deep Learning)، ثم قفزة المحوّلات (Transformers) التي مكّنت الآلة من فهم لغة الإنسان خلال أقل من خمس سنوات، وصولًا إلى عائلة نماذج GPT التي نعرفها اليوم.
الدكتور ياسر المحيو: نحن اليوم أمام جيل جديد من النماذج، وهي ما يُعرف بـنماذج الأساس (Foundation Models) أو النماذج التأسيسية، وكذلك النماذج المفكّرة، وهي الأشهر حاليًا. وكما تفضلتم، فإن التطور أصبح أُسّيًا، لا خطيًا2، وذلك لعدة أسباب، من أهمها أن الذكاء الاصطناعي بات يصحّح نفسه، ويطوّر ذاته، ويفعل ذلك بسرعة مذهلة.
2 التطور الخطي يعني تقدّمًا تدريجيًا ثابتًا ومتوقّعًا بتحسينات متشابهة مع الزمن، بينما التطور الأُسّي يعني نموًا متسارعًا تتضاعف فيه النتائج في كل مرحلة، فتحدث قفزات كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
العامل الآخر يتمثل في أحجام البيانات، ثم قوة العتاد (Hardware)، أي الشرائح الحاسوبية، إضافة إلى الحوسبة السحابية. قارن مثلًا بين الهاتف الذي تحمله اليوم، والهاتف نفسه قبل عشرين عامًا؛ الفرق التقني هائل، وهذا ما يفسّر سرعة التطور التي نشهدها اليوم.
أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة قادرة على دمج فهم النص والصوت والصورة في آنٍ واحد، ما يتيح لها تحليل المشاهد بصريًا، وتفسير اللغة واللهجات، واستنتاج المشاعر والسياق المكاني، وهي قدرات تطورت بوتيرة سريعة خلال فترة زمنية وجيزة.
الصحفي عثمان إي فرح: من الناحية التقنية، هل يمكن أن تشرح لنا هذه السرعة في التطور؟ كيف حصل هذا التسارع؟
المهندس حمدي مبارك: تمام. كما أشار الدكتور، في خمسينيات القرن الماضي، كان تعريف الذكاء الاصطناعي يتمحور حول سؤال بسيط: هل يمكن للآلة أن تُخدع الإنسان؟ أي هل ما أتحدث معه آلة أم إنسان؟ ثم ظهرت نماذج بدائية جدًا داخل المختبرات، تعتمد على خوارزميات بسيطة، واستمر هذا التطور بوتيرة بطيئة حتى عام 1997. لكن لاحظ أن الذكاء الاصطناعي خلال نحو خمسين عامًا تطور ببطء نسبي، ثم فجأة، خلال الفترة من عام 2000 إلى 2025، وهي 25 سنة فقط في عمر البشرية، حدثت قفزات هائلة تضم فهم النصوص، وفهم الصور، وفهم الأصوات. اليوم، يمكن للحاسوب أن يفتح الكاميرا ويشرح المشهد الحالي ويحدّد عدد الأشخاص ويميّز لهجاتهم ويصف مشاعرهم ويفسّر المكان ويترجم كل ذلك. وكل هذه مهارات مرتبطة بفهم النصوص والصوت والصورة، وقد تطورت خلال سنوات قليلة جدًا.
الدكتور ياسر المحيو: وكل هذا التطور لم يأتِ من فراغ. أحد الأسباب الجوهرية هو ظهور الإنترنت. صحيح أن الإنترنت بدأ تقنيًا قبل ذلك، لكن استخدامه الواسع بدأ فعليًا في منتصف التسعينيات، تقريبًا عام 1995. نحن نتحدث عن نحو 30 سنة فقط، وهي مدة قصيرة جدًا في عمر الحضارة.
المهندس حمدي مبارك: صحيح، ومع الإنترنت جاءت البيانات. في الماضي، كنا نعدّ تدريب نموذج على ألف جملة أو ألف كلمة إنجازًا كبيرًا. اليوم، النماذج تُدرّب على مئات المليارات من الكلمات. أعطيك مثالًا عمليًا: في معهد قطر لبحوث الحوسبة، قمنا ببناء نموذج ذكاء اصطناعي عربي اسمه «فنار»3. هو نموذج شبيه بـ«تشات جي بي تي»، متاح على الإنترنت، وله تطبيق على الهاتف. قمنا بتدريبه من الصفر داخل المعهد، وجمعنا كل المحتوى العربي المتاح على الإنترنت.
3 رابط «فنار» : https://chat.fanar.qa/c
لكن هنا تظهر مشكلة جوهرية: المحتوى العربي لا يتجاوز 1% من محتوى الإنترنت العالمي، بينما اللغة الإنجليزية تمثل أكثر من 50% أو 55% حسب بعض الإحصاءات. وهذا يفسّر لماذا تكون النماذج الإنجليزية في الغالب أقوى.
الصحفي عثمان إي فرح: لكن هذا يقودنا لسؤال مهم. أحيانًا نسأل الذكاء الاصطناعي، فنجد أن بعض إجاباته خاطئة.
المهندس حمدي مبارك: نعم، وهذا طبيعي. أذكر أن أحد الزملاء قال لي: «أنا أنجزت بحثًا كاملًا في دقيقة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي». فقلت له: نعم، لكن أحيانًا نسأل «تشات جي بي تي» عن أشياء، فتكون إجاباته خاطئة. فردّ عليّ مازحًا بجدية: «ما هو أنا اللي درّبته!».
الدكتور ياسر المحيو: دعونا هنا نُميّز بين طريقتين لبناء النماذج: الأولى: أن نأخذ نموذجًا غربيًا مدرّبًا أساسًا على محتوى إنجليزي، ثم نقوم بعملية Fine-tuning (التوليف)، أي نغذّيه بمحتوى عربي كبير ونحاول تكييفه مع الثقافة العربية. لكن مهما حاولنا، ستبقى هناك تحيّزات ثقافية، وأحيانًا أخطاء في فهم الدين أو النصوص القرآنية أو القضايا الاجتماعية الحساسة، لأنه لم يُبنَ من الأساس على هذه الثقافة. الطريقة الثانية -وهي الأصعب- أن نبني النموذج من الصفر، دون أي بيانات غربية، تمامًا كما نبني سيارة من هيكلها، ثم نغذّيها فقط بالمحتوى العربي. بهذه الطريقة نضمن -إلى حدّ كبير- أن النموذج يفهم الثقافة العربية والإسلامية فهمًا سليمًا.
الصحفي عثمان إي فرح: (مازحًا) يعني يتحوّل إلى «فقيه»؟
الدكتور ياسر المحيو: بالمعنى التقني، نعم. يفهم السياق الثقافي، واللغة، والحساسية الاجتماعية.
المهندس حمدي مبارك: لكن اسمح لي أن أضيف نقطة مهمة. ما تحدث عنه الدكتور هو على مستوى النموذج نفسه. لكن هناك مستوى آخر، وهو مستوى المستخدم. اليوم، مع النماذج المفتوحة المصدر (Open Source) مثل بعض النماذج الحديثة، يمكن للمستخدم نفسه أن: يرفع مستنداته ويدرّب النموذج على بياناته الخاصة ويعطيه «شخصية» أو Persona
الدكتور ياسر المحيو: تمامًا. مثلًا، يا عثمان، لو كنت تعمل على ملف يتعلق بالانتخابات الأمريكية، يمكنك أن تجمع المواد التي تريدها وترفعها إلى نموذج ذكاء اصطناعي وتطلب منه أن يقرأها وثم تعطيه شخصية: «تصرّف كعثمان إي فرح، وأجبني من هذا المنظور». هنا أنت لا تدرّبه فقط على بياناتك، بل تدرّبه أيضًا على هويتك المهنية. وبذلك تكون قد أنشأت Agent مخصصًا لك، عالي التخصيص.
الصحفي عثمان إي فرح: وهذه مهارة ليست بسيطة.
الدكتور ياسر المحيو: صحيح. هي مهارة معقدة، وليست شيئًا يُتعلّم في دقيقتين… ويمكنني أن أعلّق عليها أكثر، لكن أكتفي بهذا القدر الآن.
المهندس حمدي مبارك: ما تفضلتم به صحيح تمامًا من الناحية التقنية، لكن كثيرًا من الناس لا يفضّلون هذا النموذج من الاستخدام بسبب إشكالية الخصوصية. تخيّل أن لدي محتوى حكوميًا أو وثائق شخصية أو معلومات حساسة، وأريد تدريب نموذج ذكاء اصطناعي ليجيب عنها بأسلوبي، لكن لا يمكنني منطقيًا ولا أخلاقيًا رفع هذه البيانات إلى منصات عامة مثل «تشات جي بي تي». لذلك، في مثل هذه الحالات، نلجأ إلى أخذ نموذج ذكاء اصطناعي أساسي، ثم نطلب من فريق تقني متمكّن نشره على خادم داخلي (Server) خاص بالمؤسسة، بحيث تبقى كل البيانات داخل البنية التحتية التي نسيطر عليها بالكامل. بهذا الشكل، عندما أُدخل بيانات شخصية أو حكومية، فإنها لا تُشارك مع أي جهة خارجية.
يُستحسن التعامل مع حسابك في “تشات جي بي تي” او “ديبسيك” او اي نمودج آخر كما لو كان حسابًا بنكيًا: استخدم كلمة مرور قوية جدًا، ولا تشارك الحساب مع أي شخص. يجب اعتباره حسابًا شخصيًا شديد الحساسية، لأن استخدامه بشكل جماعي أو من قبل أكثر من شخص يُعد خطأً جسيمًا ويُفقده عنصر الأمان والمسؤولية الفردية.
الدكتور ياسر المحيو: صحيح، وعلى مستوى المؤسسات كلامك دقيق تمامًا. لكن اسمح لي أن أضيف بُعدًا آخر، وهو مستوى الاستخدام الشخصي أيضًا. حتى على المستوى الفردي، قد لا يرغب شخص مثل عثمان إي فرح في أن يشارك كل تفاصيله الشخصية مع منصة ذكاء اصطناعي. وهذا تفكير منطقي. دعني أشاركك قاعدة أكررها دائمًا في كل مكان أذهب إليه: تعامل مع حسابك في «تشات جي بي تي» كما لو كان حسابًا بنكيًا.
الصحفي عثمان إي فرح: بمعنى؟
الدكتور ياسر المحيو: بمعنى أن يكون لديك كلمة مرور قوية جدًا وألا تشارك هذا الحساب مع أي شخص تعامل معه باعتباره حسابًا شخصيًا شديد الحساسية. للأسف، رأيت في بعض الدورات ومنها دورات قُدّمت لمنظمات أن الحساب يُستخدم بشكل جماعي، يدخل عليه أكثر من شخص. هذا خطأ جسيم. يجب أن يكون الحساب فرديًا، ومسؤولية فردية.
المهندس حمدي مبارك: وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية المرتبطة بالخصوصية: نوع البيانات نفسها. هل هي بيانات عامة يمكن مشاركتها؟ أم بيانات خاصة أو حساسة؟ اذا كانت بيانات خاصة، فلا ينبغي مشاركتها على الإطلاق، إلا عبر ميزات محددة داخل المنصات، تتمتع بدرجة أعلى من الأمان، مثل المحادثات المؤقتة (Temporary Chat).
الدكتور ياسر المحيو: وأهم نقطة في هذا السياق كله، هي أن المستخدم -غالبًا دون أن ينتبه- يسمح افتراضيًا باستخدام: كلمة مرور قوية جدًا وألا تشارك هذا الحساب مع أي شخص، وتعامل معه باعتباره حسابًا شخصيًا شديد الحساسية. للأسف، رأيت في بعض الدورات – ومنها دورات قُدّمت لمنظمات – أن الحساب يُستخدم بشكل جماعي، يدخل عليه أكثر من شخص، وهذا خطأ جسيم. يجب أن يكون الحساب فرديًا ومسؤولية فردية. في تدريب النماذج مستقبلًا. هذا الإعداد يكون مفعّلًا تلقائيًا (By default)، وكثير من الناس لا ينتبهون إلى ضرورة تعطيله يدويًا. وهذا أمر بالغ الخطورة. لذلك، رفع الوعي في هذا الجانب أصبح ضرورة لا خيارًا.

الصحفي عثمان إي فرح: وهذا يقودني إلى سؤالي التالي، دكتور ياسر: هل تعلّم هذه المهارات سهل؟ أم أننا متأخرون بالفعل أقصد المدارس، المؤسسات، بل حتى العائلات… هل يجب أن يبدأ الجميع بتعلّم هذه المهارات؟
الدكتور ياسر المحيو: نعم، وبشكل عاجل. لسببين رئيسيين: أولًا: لأنها ستساعدنا كثيرًا جدًا في حياتنا اليومية والمهنية. ثانيًا: لأنها ستحمينا من أخطار حقيقية. وأنا أرى أن الوعي يجب أن يسبق أي شيء آخر. وهنا أوجّه رسالة مباشرة إلى وزارات التعليم: يجب البدء الآن، لا غدًا.
المهندس حمدي مبارك: هنا ندخل في موضوع أوسع، هو الفجوة الرقمية. هذه الفجوة موجودة في أوروبا وأمريكا، لكنها أوسع وأعمق في العالم العربي. وعندما نتحدث عن دمج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات -وهو الأهم- لا بد أن نُحذّر من الاستخدام غير المسؤول. مثلًا: موظف يضع بريدًا إلكترونيًا يحتوي على معلومات حساسة، ويطلب من الذكاء الاصطناعي تلخيصه. هذا تصرّف خطير.
الدكتور ياسر المحيو: وإذا منعت المؤسسة استخدام الذكاء الاصطناعي كليًا خوفًا على البيانات، سيحدث ما يُسمّى بـالذكاء الاصطناعي الظلّي (Shadow AI). أي أن الموظفين سيستخدمون النماذج سرًا، دون علم الإدارة، وبلا ضوابط.
الصحفي عثمان إي فرح: إذن ما الحل؟
الدكتور ياسر المحيو: الحل هو المسؤولية المؤسسية. على المؤسسة سواء كانت حكومية أو خاصة أن تبني نظام ذكاء اصطناعي خاصًا بها. لا أدعو إلى أن تعيد المؤسسات بناء «غوغل» أو «أوبن إيه آي»، بل إلى إنشاء أنظمة محلية تعمل داخل نطاق المؤسسة أو الدولة، وتُخزَّن بياناتها في خوادم تخضع للسيطرة الكاملة. تمامًا كما تفعل البنوك والمؤسسات الحساسة، التي لا تخرج بياناتها خارج نطاق سيطرتها.
حواجز الأمان (Guardrails) هي مجموعة من القواعد والضوابط التقنية والأخلاقية التي تُدمج في أنظمة الذكاء الاصطناعي لمنع الاستخدام الخاطئ أو الخطِر، وضمان أن تعمل النماذج ضمن حدود آمنة وقانونية، مثل منع إنتاج محتوى ضار، أو انتهاك الخصوصية، أو تقديم إرشادات قد تؤدي إلى أذى.
المهندس حمدي مبارك: عندما تستخدم «تشات جي بي تي»، فأنت ترسل بياناتك إلى خوادم قد تكون موجودة في الولايات المتحدة. أما عندما تستخدم نظامك الداخلي، فأنت ترسل البيانات إلى بيئة سحابية تتحكم بها أنت. إلى جانب ذلك، هناك حاجة ملحّة إلى التدريب والتوعية، أو ما يُسمّى بـAI Awareness.
لم يعد مفهوم الأمية مقتصرًا على القراءة والكتابة، فالعالم تجاوز هذه المرحلة منذ زمن. في دول متقدمة كاليابان، يُعد غير الملمّ باستخدام الحاسوب أميًا وظيفيًا، ونحن اليوم ننتقل إلى مستوى أحدث، حيث سيُعدّ من لا يحسن التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي أميًا رقميًا في عصره.
الدكتور ياسر المحيو: يشمل ذلك: تعلّم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أمثل وتعمية الأسماء والأرقام الحساسة وتعلّم هندسة الأوامر (Prompt Engineering) وبرأيي، يجب أن يكون هذا التدريب إلزاميًا داخل المؤسسات التعليمية والإدارية. حتى داخل المؤسسة التي تمتلك نظامها الخاص، هناك بيانات مثل بيانات الموارد البشرية لا يجوز مشاركتها دون ضوابط صارمة. ولهذا تُستخدم ما يُعرف بـحواجز الأمان (Guardrails)، وهي برمجيات تُوضع على مدخلات ومخرجات النظام لمنع لغة الكراهية والألفاظ غير اللائقة أو أي محتوى غير مناسب.
الصحفي عثمان إي فرح: وماذا عن الأفراد؟
الدكتور ياسر المحيو: على مستوى الأفراد، الفجوة الرقمية واضحة جدًا، خصوصًا في عالمنا العربي. نحن ما زلنا نتحدث عن محو الأمية، بينما العالم انتقل إلى مراحل أبعد بكثير. في اليابان، منذ سنوات طويلة، يُعرَّف الأمي بأنه الشخص الذي لا يُتقن استخدام الحاسوب. واليوم، نحن على أعتاب مرحلة جديدة، فمن لا يُحسن التعامل مع الذكاء الاصطناعي، سيكون أميًا رقميًا. أنا أُعرّف نفسي دائمًا بأنني من المتفائلين تكنولوجيًا (Techno-Optimist). أنا لا أخاف من التكنولوجيا، بل على العكس أحبّها كثيرًا، وأرى أنه يجب دمجها في حياتنا بشكل واعٍ ومسؤول. وعندما نثير المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالوظائف، فأنا لا أنطلق من موقف تشاؤمي. لكن لدي هاجس كبير جدًا يتعلّق بمجال التعليم. هذا الموضوع يشغلني بعمق. تخيّل الجيل الأكبر سنًا، طلاب المرحلة الإعدادية أو الثانوية على الأقل، هؤلاء تعلّموا الأساسيات القراءة، والكتابة، والتفكير الأولي. لكن ماذا عن الجيل الجديد الذي يدخل عالم الذكاء الاصطناعي قبل أن يتقن القراءة والكتابة أصلًا؟ هنا يكمن الخطر الحقيقي، أن تتآكل القدرات الأساسية للإنسان. كنت قبل أيام جالسًا مع مجموعة من أساتذة الجامعات، وناقشنا هذا الموضوع مطولًا. وتوصلنا إلى قناعة أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر سلبًا على طرق التعليم التقليدية إذا لم نُحسن التعامل معه.
لا يمكن إيقاف الذكاء الاصطناعي، بل يجب التكيّف معه عبر تغيير نموذج التعليم نفسه. لم يعد التقييم القائم على امتحان واحد كافيًا، بل ينبغي أن يُبنى على الأداء المستمر ومساهمة الطالب الفكرية، حتى عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. نحن أمام أول تكنولوجيا مفكّرة في التاريخ، يتسارع تطورها بشكل غير مسبوق، ما يفرض إعادة التفكير العاجلة في التعليم وأساليب التقييم.
الصحفي عثمان إي فرح: تقصد أنه سيؤثر سلبًا على أساليب التعليم الحالية؟
الدكتور ياسر المحيو: نعم، تمامًا. خذ مثالًا بسيطًا: أنت أستاذ جامعي، وتُعطي طلابك واجبًا أكاديميًا (Assignment). الطالب اليوم، خلال خمس دقائق فقط، يمكنه استخدام خاصية مثل Deep Research ليحصل على بحث أكاديمي كامل من حيث الصياغة، والتصنيف، واللغة الأكاديمية، وحتى المراجع. في أسوأ الأحوال، إذا كان الموضوع معقدًا جدًا، قد يستغرق الأمر ست أو سبع دقائق. بينما هذا النوع من الأعمال كان يستغرق من الأستاذ أو الطالب أسابيع أو أشهر، بل أحيانًا سنوات من البحث والتراكم المعرفي. الطالب يُسلّم هذا الواجب، والأستاذ قد لا يكتشف بسهولة أن العمل لم يكن نتاج جهد الطالب الحقيقي. وهنا تظهر المشكلة.
الصحفي عثمان إي فرح: لكن لا يمكننا تجاهل وجود الذكاء الاصطناعي أو منعه.
الدكتور ياسر المحيو: بالضبط. لا يمكن مقاومة هذه التكنولوجيا. لذلك، لا بد من التكيّف (Adaptation). وهذا يعني أن نموذج التعليم نفسه يجب أن يتغيّر. بمعنى آخر فأن نمط التقييم القائم على الواجبات التقليدية أو الامتحانات النهائية فقط يجب أن ينتهي. في عصر الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن يكون تقييم الطالب قائمًا على الأداء المستمر طوال الفصل الدراسي، لا على لحظة امتحان واحدة. خذ مثالًا على الواجبات: لا مانع أن تطلب من الطالب البحث باستخدام أي أداة، حتى الذكاء الاصطناعي. لكن في الصفحة الأخيرة من البحث، تقول له: “أعطني مساهمتك الشخصية: ما رأيك؟ ماذا أضفت أنت؟ كيف حلّلت ما قدّمه الذكاء الاصطناعي؟” هنا نُعيد بناء العملية التعليمية، ونعيد التفكير في طريقة تعامل مؤسساتنا مع التكنولوجيا. نحن أمام أول تكنولوجيا مفكّرة في تاريخ البشرية، قادرة على التفكير واتخاذ القرار. وهذا يحدث الآن، وليس بعد زمن طويل. خلال سنوات قليلة فقط، سيتطور كل شيء بوتيرة مذهلة.
المهندس حمدي مبارك: وهنا نعود مجددًا إلى مسألة الحماية والحوكمة داخل الشركات والمؤسسات. كيف تحمي الشركات نفسها من تسريب المعلومات بسبب الاستخدام غير الواعي للذكاء الاصطناعي؟ عندما ظهر الذكاء الاصطناعي، واجه المبرمجون مثلًا مشكلة شائعة: كود برمجي لا يعمل، فيقوم الموظف بنسخ الكود كاملًا ووضعه في «تشات جي بي تي» طالبًا تصحيح الأخطاء. هذا تصرّف خطير. بالفعل، تضرّرت شركات كثيرة بسبب هذا السلوك، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى فصل موظفين، لأنهم رفعوا الكود الجوهري أو ما يُعدّ رأس مال الشركة الحقيقي إلى منصات خارجية.
ينبغي أن يُحاصَر الذكاء الاصطناعي داخل حدود المؤسسة ويُخصَّص لخدمة مجالاتها الحسّاسة فقط. ومن هذا المنطلق، بادر معهد قطر لبحوث الحوسبة إلى تطوير نموذج عربي خالص هو «فنار»، إدراكًا للطابع السيادي للذكاء الاصطناعي وهيمنة الشركات الغربية عليه. وقد سارت دول أخرى في الاتجاه نفسه، مثل السعودية بنموذج «عَلّام» والإمارات بنموذج «جيس»، في تأكيد واضح على أن امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي بات جزءًا من السيادة الوطنية.
الدكتور ياسر المحيو: وهذا كله سببه غياب الوعي والسياسات الواضحة. يجب على كل شركة أن تمتلك سياسة صارمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما تملك سياسات للأمن السيبراني. الحل، كما ذكرنا سابقًا، هو امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي خاص بالمؤسسة، يعمل على خادم داخلي، بحيث نعرف بدقة: ما هي المدخلات ما هي المخرجات وما الذي يُسمح له بالخروج إلى العلن؟ وهذا ينطبق بشكل خاص على الحكومات، والبنوك، والمؤسسات الحساسة.
المهندس حمدي مبارك: وعند امتلاك نموذج داخلي، يمكن تطويعه حسب المجال. ففي الصحافة، لا يهمني أن يكون النموذج قويًا في الطب. وفي المستشفى، لا يهمني أن يكون قويًا في الصحافة. في المجال الطبي مثلًا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تشخيص الأمراض ويدير المستشفيات ويتنبأ بالطاقة الاستيعابية ويقدّر مدة مكوث المرضى. هذه كلها تطبيقات أساسية للذكاء الاصطناعي في الطب.
الدكتور ياسر المحيو: ولهذا، يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي محاصرًا داخل حدود المؤسسة، ومُقوّى في المجال الذي يهمّها فقط. وأحب أن أضيف نقطة مهمة أنه في معهد قطر لبحوث الحوسبة، انتبهنا مبكرًا إلى هيمنة الشركات الغربية على مجال الذكاء الاصطناعي. لذلك قررنا بناء نموذج ذكاء اصطناعي عربي خالص، هو «فنار»، طُوّر داخل المعهد. وهذا التوجه لم يكن حكرًا علينا؛ السعودية لديها نموذج «عَلّام»، والإمارات لديها «جيس». كل دولة بدأت تدرك أن هذا المجال سيادي، ويجب امتلاك أدواته.
الذكاء الاصطناعي يمثّل انتقالًا تاريخيًا من أتمتة الجهد والمهام إلى أتمتة التفكير ذاته، ما يثير مخاوف من تراجع القدرات الذهنية للبشر، وإمكانية التأثير في الوعي والتفكير النقدي، في ظل ضعف الاستثمار العربي مقارنة بحجم هذا التحدي.
المهندس حمدي مبارك: عندما نبني النموذج بأنفسنا، نضمن أمن البيانات واحترام الثقافة والحساسية تجاه الدين والمجتمع وضمان النوايا الحسنة ونضمن كذلك أن يكون النموذج صغير الحجم نسبيًا، يناسب البنية التحتية المحدودة في كثير من الدول العربية.
الدكتور ياسر المحيو: وهذا مهم جدًا، لأننا رأينا حالات خطيرة، مثل شاب استشار نموذجًا ذكيًا، فحصل للأسف على إجابات تتضمن طرقًا للانتحار، وانتهى الأمر بكارثة إنسانية. عندما نبني نماذجنا بأنفسنا، نضمن التحكم والسيادة، ولا نكون تحت رحمة قرارات شركات خارجية قد تفرض علينا ما تراه “معيارًا عالميًا”، بينما هو لا يناسب ثقافتنا أو مجتمعاتنا.
الصحفي عثمان إي فرح: لكن يبدو أن حجم الاستثمار العربي في هذا المجال لا يزال محدودًا.
الدكتور ياسر المحيو: للأسف، نعم. رغم المبادرات الخليجية مثل «فنار» و«عَلّام»، فإن حجم الاستثمار العربي في الذكاء الاصطناعي لا يزال ضئيلًا جدًا مقارنة بحجم التحدي. ولهذا، أطرح السؤال التالي – وربما هو الأخطر: إلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بـ“غسيل أدمغتنا”؟ هناك مقولة معروفة للفيلسوف يوفال نوح هراري يقول فيها: «نحن أمام حالة نادرة في التاريخ الإنساني: الآلة تزداد ذكاءً، بينما البشر يزدادون غباءً.» وهذا الطرح يستحق التأمل. فلو نظرنا إلى تاريخ الثورات الصناعية، سنلاحظ ما يلي: الثورة الصناعية الأولى كانت قائمة على المكننة، أي الآلات الميكانيكية، وكانت بديلًا عن الطاقة العضلية للإنسان. ثم جاءت الحواسيب والإنترنت، فتمت أتمتة المهام، لكن ظلّ العقل البشري هو مركز التفكير والتحليل. أمّا اليوم، مع الذكاء الاصطناعي، فنحن أمام مرحلة جديدة تمامًا يمكن تسميتها بـأتمتة المعرفة. بمعنى آخر، التكنولوجيا اليوم تخترق مباشرة القدرات الذهنية للإنسان، لا عضلاته ولا مهامه فقط. أنا شخصيًا عشت هذا التحوّل. قبل عشرين أو خمسٍ وعشرين سنة، كنت أحفظ أرقام الهواتف عن ظهر قلب. اليوم، مع الهواتف الذكية، لا أحفظ حتى رقمي الشخصي. (ضحك) الأمر نفسه حدث في التعليم: في المدارس، كان استخدام الآلة الحاسبة ممنوعًا، فاضطررنا لحفظ جدول الضرب والقسمة. اليوم، الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الضرب والقسمة فقط، بل قد يحل محل عملية التفكير كاملة.
الصحفي عثمان إي فرح: وهذا هو مصدر القلق الذي تحدثتَ عنه سابقًا في التعليم؟
يتبع في الجزء 2
الملحقات
روابط مباشرة لتجربة أو استخدام النماذج الثلاثة التي تحدثنا عنها، سواء عبر الويب أو عبر الواجهات المفتوحة (حيثما كانت متاحة):
1. فنار (Fanar) — النموذج العربي – واجهة الدردشة الرسمية: https://www.fanar.qa/
نموذج فنار على Hugging Face (للمطورين أو التجربة التقنية): https://huggingface.co/QCRI/Fanar-1-9B-Instruct تطبيق الهاتف (Android): https://play.google.com/store/apps/details?id=com.fanarmobile
2. جيس (Jais) — من Emirates AI – واجهة الدردشة الرسمية: https://www.jaischat.ai/ نماذج Jais (على Hugging Face): https://huggingface.co/collections/inceptionai/jais-2-family
هذه المجموعة تشمل نماذج متعددة ضمن عائلة Jais 2 التي يمكن تجربتها مباشرة أو استخدامها عبر API.
3. عَلّام (Allam) — النموذج السعودي – حتى الآن ليس هناك واجهة دردشة موحدة منتشرة مثل فنار أو جيس، لكن النموذج موجود في مستودعات بحثية، وغالبًا على منصّات مفتوحة مثل Hugging Face.
رابط عام لمجموعات النماذج العربية على Hugging Face (قد تجد ضمنها علّام أو ما يماثله): https://huggingface.co/models?search=arabic
المقارنة بين النمادج الثلاثة العربية للذكاء الاصطناعي
| المعيار | فنار (Fanar) | جيس (Jais) | عَلّام (Allam) |
|---|---|---|---|
| الجهة المطوّرة | معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) | Emirates AI (الإمارات) | مبادرة سعودية (جهات بحثية/حكومية) |
| طبيعة النموذج | عربي خالص (من الصفر) | ثنائي اللغة (عربي/إنجليزي) | عربي موجّه للمؤسسات |
| واجهة دردشة جاهزة | ✅ نعم (ويب + تطبيق) | ✅ نعم (ويب) | ❌ غير متاحة للعامة حتى الآن |
| متاح للمستخدم العادي | ✅ نعم | ✅ نعم | ❌ محدود / مؤسسي |
| متاح كمصدر مفتوح | ✅ نعم (Hugging Face) | ✅ جزئيًا (عائلة نماذج) | ⚠️ محدود |
| قوة العربية الفصحى | ⭐⭐⭐⭐⭐ ممتازة | ⭐⭐⭐⭐ جيدة جدًا | ⭐⭐⭐⭐ جيدة |
| التعامل مع النصوص الطويلة | ⭐⭐⭐⭐⭐ قوي | ⭐⭐⭐⭐ جيد | ⭐⭐⭐⭐ جيد |
| مناسب لتفريغ الحوارات والبودكاست | ⭐⭐⭐⭐⭐ ممتاز جدًا | ⭐⭐⭐⭐ جيد | ⭐⭐⭐ مناسب |
| الصياغة العربية الأنيقة | ⭐⭐⭐⭐⭐ عالية جدًا | ⭐⭐⭐⭐ جيدة | ⭐⭐⭐⭐ جيدة |
| مناسب للنشر الأكاديمي/الصحفي | ⭐⭐⭐⭐⭐ نعم | ⭐⭐⭐⭐ نعم | ⭐⭐⭐⚠️ يعتمد على الوصول |
| سهولة الاستخدام | ⭐⭐⭐⭐⭐ سهلة جدًا | ⭐⭐⭐⭐ سهلة | ⭐⭐ صعبة نسبيًا |
| السيادة اللغوية/الثقافية | ⭐⭐⭐⭐⭐ عالية | ⭐⭐⭐⭐ متوسطة | ⭐⭐⭐⭐ عالية |
| أنسب استخدام عملي | تحرير عربي، تفريغ، صياغة | حوار عام، تحليل، ثنائي اللغة | استخدام حكومي/مؤسسي |



