التعليم في المغرب في ميزان المقارنة الدولية ج 1 : مع الدول العربية

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
ملخص
يتناول هذا المقال دراسة تحليلية مقارنة لوضعية التعليم في المغرب في سياق دولي واسع يشمل الدول العربية والإفريقية والآسيوية والأوروبية والأمريكيتين، وذلك من خلال مؤشرات كمية تتعلق بجودة التعلم، والاستمرار الدراسي، والفقر التعلمي. كما يناقش المقال عددًا من العوامل البنيوية المفسِّرة للفجوة التعليمية، من بينها إشكالية لغة التدريس وأثرها في بناء الكفايات الأساسية، وتوسع التعليم الخصوصي على حساب المدرسة العمومية، وتراجع الاستثمار في التعليم العمومي، إضافة إلى تحليل نسب التعليم الخصوصي في الدول التي شملتها المقارنة عبر القارات المختلفة. كما يتناول المقال الاستراتيجيات التعليمية التي ساهمت في نجاح عدد من الدول الرائدة، خاصة في شرق آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، من خلال التركيز على القراءة المبكرة، وجودة تكوين المعلمين، واستقرار المناهج، والانضباط المدرسي، والمتابعة المستمرة للتلاميذ. وقد تم تقسيم المقال إلى أجزاء مترابطة لتيسير القراءة المنهجية، حيث يُخصص الجزء الأول لمقارنة المغرب بعدد من الدول العربية، مع تحليل موقعه من حيث جودة التعلم والاستمرار الدراسي، قبل الانتقال في الأجزاء اللاحقة إلى المقارنة مع الدول الإفريقية والآسيوية، ثم الأوروبية، فالأمريكيتين، مع إدماج قراءة تفسيرية للعوامل المشتركة التي تفسر نجاح بعض النماذج التعليمية مقابل استمرار التحديات في حالات أخرى..تُظهر المقارنة مع الدول العربية أن المغرب يسجل مستويات أدنى في مؤشرات جودة التعلم، خاصة في القراءة والرياضيات، رغم تقارب السياقات الاجتماعية والاقتصادية في بعض الحالات. فبينما تحقق دول مثل الإمارات وقطر والسعودية نسبًا مرتفعة في إتمام التعليم الثانوي ومستويات أفضل في الكفايات الأساسية، يسجل المغرب نسبًا منخفضة في الاستمرار الدراسي، مع ارتفاع ملحوظ في الفقر التعلمي، ما يعني أن نسبة مهمة من التلاميذ تصل إلى مستويات دراسية متقدمة دون اكتساب المهارات الأساسية. كما تبقى نتائج المغرب قريبة أو أدنى من بعض الدول ذات الأداء المتوسط مثل تونس والجزائر ومصر، خاصة في ما يتعلق بإتقان القراءة المبكرة والانتقال إلى التعليم الثانوي. وتشير هذه المعطيات إلى أن الفجوة التعليمية في المغرب لا ترتبط فقط بمستوى الموارد، بل بعوامل بنيوية تشمل إشكالية لغة التدريس، وضعف القراءة المبكرة، وتراجع المدرسة العمومية، إضافة إلى توسع التعليم الخصوصي كبديل جزئي، وهو ما يؤثر في تكافؤ الفرص وجودة التعلم. كما تُظهر المقارنة أن الدول العربية التي حققت نتائج أفضل ركزت على استقرار المناهج، وتحسين تكوين المعلمين، وتعزيز التحكم في لغة التعلم، مع دعم مبكر للتلاميذ المتعثرين. ويخلص هذا الجزء إلى أن موقع المغرب داخل الفضاء العربي يعكس تحديات هيكلية تتطلب إصلاحًا متكاملًا يركز على جودة التعلم، وليس فقط توسيع الولوج إلى المدرسة.
الكلمات المفتاحية: المغرب – جودة التعليم – المقارنة العربية | Morocco – Education Quality – Arab Comparison
Summary
This article presents a comparative analytical study of the state of education in Morocco within a broad international context covering Arab, African, Asian, European, and American countries. The analysis relies on quantitative indicators related to learning quality, educational attainment, and learning poverty. The article also examines several structural factors that help explain the educational gap, including the language of instruction and its impact on the development of foundational competencies, the expansion of private education at the expense of public schooling, declining investment in public education, and the share of private education across the countries included in the cross-continental comparison. In addition, the article analyzes the educational strategies that contributed to the success of leading systems—particularly in East Asia, such as China, Japan, and South Korea—through a strong emphasis on early reading, high-quality teacher training, curriculum stability, school discipline, and continuous student monitoring.
The article is structured into interconnected sections to facilitate a systematic reading. The first part compares Morocco with a selection of Arab countries, analyzing its position in terms of learning quality and educational retention. Subsequent sections extend the comparison to African, Asian, European, and American countries, while providing an interpretive discussion of the common factors explaining the success of some educational models and the persistence of challenges in others. The comparison with Arab countries shows that Morocco records lower levels in learning quality indicators, particularly in reading and mathematics, despite broadly comparable socio-economic contexts in some cases. While countries such as the United Arab Emirates, Qatar, and Saudi Arabia achieve high secondary completion rates and stronger foundational competencies, Morocco exhibits lower educational retention and a noticeably high level of learning poverty. This means that a significant proportion of students reach advanced grade levels without mastering basic skills. Morocco’s results also remain close to, or below, those of mid-performing systems such as Tunisia, Algeria, and Egypt, especially in early reading proficiency and transition to secondary education.
These findings suggest that Morocco’s educational gap is not explained solely by resource constraints but by structural factors, including the language of instruction, weak early reading acquisition, the gradual weakening of public schooling, and the expansion of private education as a partial substitute—developments that affect both equity and learning quality. The comparison also shows that Arab countries with stronger outcomes have emphasized curriculum stability, improved teacher training, better mastery of the language of learning, and early support for struggling students. This first section concludes that Morocco’s position within the Arab region reflects structural challenges that require comprehensive reform focused on improving learning quality rather than merely expanding access to schooling.
1- المقدمة

لم تعد أزمة التعليم في المغرب مرتبطة فقط بظاهرة الهدر المدرسي أو ضعف النتائج في الاختبارات الدولية، بل باتت تعكس اختلالًا بنيويًا متعدد الأبعاد يتقاطع فيه عامل الحوكمة، وإشكالية اللغة، وعدم استقرار المناهج، ووضعية المعلم، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. فالمعطيات الدولية خلال العقدين الأخيرين تُظهر أن المشكلة ليست ظرفية، بل ممتدة زمنيًا رغم توالي برامج الإصلاح. فقد سجّل المغرب نتائج متأخرة في دورات برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) سنوات 2009 و2012 و2015 و2018 و2022، حيث ظل أداء التلاميذ في القراءة والرياضيات والعلوم دون المتوسط العالمي بشكل متكرر، مع بقاء نسبة كبيرة من التلاميذ دون الحد الأدنى للكفايات الأساسية. وفي دورة 2022، ظل المغرب ضمن الدول ذات الأداء الضعيف في القراءة والرياضيات، وهو ما يعكس استمرار الصعوبات البنيوية بدل تحسنها.
PISA هو اختصار لـ Programme for International Student Assessment أي: البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ، ويشرف عليه Organisation for Economic Co-operation and Development. يُجرى هذا الاختبار كل ثلاث سنوات تقريبًا، ويستهدف التلاميذ في سن 15 سنة ( تحتوي العينة من 4000 الى 8000 تلميذ بالمغرب)، أي في نهاية التعليم الإلزامي تقريبًا، بغض النظر عن المستوى الدراسي. ويهدف إلى قياس القدرة على توظيف المعرفة في الحياة اليومية، وليس فقط حفظ الدروس. يُقسم الأداء إلى مستويات من 1 إلى 6: المستوى 2 = الحد الأدنى المقبول دوليًا أقل من المستوى 2 = ضعف في المهارات الأساسية المستوى 5 و6 = تفوق عالٍ ولهذا عندما يُقال: “70% من التلاميذ تحت المستوى 2” فهذا يعني أن أغلبية التلاميذ لا يمتلكون المهارات الأساسية للحياة الدراسية والعملية
مؤشرات الواردة في الإنفوغراف الذي نشرته منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في 2026 بالعالم الافريقي والعربي وآسيا وأوروبا والأمريكيتين حول التعليم بالمغرب

وتعزز هذه الصورة مؤشرات أخرى، مثل ما يُعرف بـ”الفقر التعلمي”، أي نسبة الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، والتي تُقدَّر بنحو 60% في المغرب وفق تقديرات البنك الدولي في السنوات الأخيرة، وهو معدل مرتفع مقارنة بدول صاعدة حققت تحسنًا سريعًا خلال فترة قصيرة. كما تُظهر بيانات الاستمرار الدراسي أن نسبة كبيرة من التلاميذ لا تصل إلى نهاية التعليم الثانوي، مع ارتفاع ملحوظ للهدر في مرحلة التعليم الإعدادي تحديدًا، وهي المرحلة التي تمثل نقطة الانكسار الأساسية في المسار الدراسي. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر عند وضعها في سياق الإصلاحات المتعاقبة التي عرفها النظام التعليمي المغربي منذ الاستقلال. فقد شهد القطاع سلسلة من البرامج الكبرى، من بينها: إصلاح 1985 المرتبط بتعريب التعليم الأساسي و الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999–2009) والبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم (2009–2012) والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030 والقانون الإطار للتربية والتكوين (2019) وخارطة الطريق لإصلاح التعليم 2022–2026
ورغم هذا التراكم الإصلاحي، ظلت المؤشرات الدولية الأساسية تتحرك ببطء شديد، بل سجلت أحيانًا تراجعًا في بعض المهارات الأساسية. ويعكس ذلك أن الإشكال لا يرتبط بغياب المبادرات، بل بضعف الأثر البنيوي لهذه الإصلاحات على جودة التعلم داخل الفصل الدراسي، أي أن هذه الإصلاحات لم تُحدث تحولًا عميقًا في الممارسات التعليمية اليومية، مثل تحسين إتقان القراءة في السنوات الأولى، وتطوير طرق التدريس، وتقليص الاكتظاظ، وتعزيز التفاعل داخل القسم، ودعم التلاميذ المتعثرين، وهو ما جعل أثرها محدودًا على اكتساب المهارات الأساسية رغم تعدد البرامج المعلنة. وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عند مقارنة المغرب بدول ذات موارد محدودة نجحت في تحسين نتائجها التعليمية خلال فترة زمنية أقصر، مثل فيتنام التي شهدت قفزة ملحوظة في نتائج PISA منذ 2012، ورواندا التي انتقلت إلى إصلاح لغوي شامل وركزت على القراءة المبكرة، وكذلك تركيا التي حسّنت مؤشرات الاستمرار الدراسي تدريجيًا منذ بداية الألفية. كما أن دولًا متقدمة مثل فنلندا وسنغافورة وكندا حافظت على استقرار سياساتها التعليمية لعقود، ما انعكس في أداء مرتفع ومستقر في الاختبارات الدولية.

إن هذه المعطيات مجتمعة تشير إلى أن التحدي الذي يواجه التعليم في المغرب لم يعد يتعلق فقط بتعميم التمدرس، بل بضمان التعلم الفعلي وجودته. فالمشكلة لم تعد في عدد التلاميذ داخل المدرسة، بل في مستوى الكفايات التي يكتسبونها خلال مسارهم الدراسي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحليل بنيوي معمق يفسر أسباب الفجوة بين المغرب وعدد من الدول العربية والآسيوية والأوروبية، ويبحث في العوامل المؤسسية والبيداغوجية التي تحول دون تحقيق تحول نوعي في جودة التعليم.
2- مقارنة المغرب بالدول العربية
يُظهر الجدول 1 المقارن لمؤشرات التعليم في عدد من الدول العربية، مع إدماج حجم السكان، أن تقييم أداء الأنظمة التعليمية لا يمكن أن يقوم على الانطباعات العامة أو المؤشرات الوصفية، بل يتطلب قراءة مركبة تجمع بين مؤشرات الولوج إلى التعليم، والاستمرار الدراسي، وجودة التعلم، والسياق الديمغرافي. فهذه المؤشرات مجتمعة تسمح بتحديد موقع كل دولة بدقة، وتفسير الفوارق ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث البنية التعليمية نفسها.
أول ما يلفت الانتباه في الجدول هو أن نسب إتمام التعليم الابتدائي مرتفعة نسبيًا في جميع الدول تقريبًا، بما فيها المغرب، حيث تتراوح بين 85 و90 في المائة، بينما تقترب من 100 في المائة في دول مثل الإمارات وقطر والسعودية. ويشير ذلك إلى أن مشكلة التعليم في هذه الدول، ومنها المغرب، لم تعد مرتبطة بالولوج إلى المدرسة، بل بقدرة النظام التعليمي على الاحتفاظ بالتلاميذ وضمان استمرارهم إلى نهاية التعليم الثانوي. وهذا ما تؤكده المعطيات الخاصة بإتمام التعليم الإعدادي، حيث ينخفض المؤشر في المغرب إلى حدود 45–50 في المائة فقط، مقابل مستويات مرتفعة تتجاوز 85 في المائة في السعودية والإمارات، وتصل إلى نحو 90 في المائة في قطر. وتكشف هذه الفجوة أن مرحلة التعليم الإعدادي تمثل نقطة انكسار رئيسية في المسار الدراسي بالمغرب، وهو ما ينعكس لاحقًا على ضعف نسب إتمام التعليم الثانوي.
جدول 1 مقارنة مؤشرات التعليم (العالم العربي)
| الدولة | السكان (مليون) | إتمام الابتدائي % | إتمام الإعدادي % | إتمام الثانوي % | تحت المستوى 2 PISA قراءة % | الفقر التعلمي % | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| المغرب | 37 | 85–90 | 45–50 | 25–30 | 70–80 | ~60 | هدر كبير بعد الإعدادي |
| تونس | 12 | 95–98 | 60–65 | 35–40 | 55–60 | ~40 | استقرار نسبي |
| الجزائر | 45 | 97–99 | 70–75 | 40–45 | 60–65 | ~45 | نجاح عددي مرتفع |
| مصر | 110 | 95–98 | 65–70 | 40–45 | 65–70 | ~55 | تعليم خصوصي واسع |
| الإمارات | 10 | 98–100 | 85–90 | 70–80 | 45–50 | ~26 | جودة تعليم أعلى |
| السعودية | 36 | 97–99 | 85–88 | 65–70 | 50–55 | ~30 | تحسن سريع بعد الإصلاحات |
| قطر | 3 | 99–100 | 90–95 | 80–85 | 40–45 | ~20 | نظام صغير عالي الإنفاق |
ويتأكد هذا الاتجاه عند مقارنة مؤشر إتمام التعليم الثانوي، إذ لا تتجاوز النسبة في المغرب 25–30 في المائة، مقابل حوالي 35–40 في المائة في تونس، و40–45 في المائة في الجزائر ومصر، بينما ترتفع إلى 65–70 في المائة في السعودية، وتصل إلى 70–80 في المائة في الإمارات، وتتجاوز 80 في المائة في قطر. ويعكس هذا التدرج أن الفجوة التعليمية تتسع تدريجيًا كلما تقدمنا في المسار الدراسي، ما يدل على أن المشكلة ليست ظرفية أو مرتبطة بمرحلة واحدة، بل هي نتيجة تراكم صعوبات تعليمية مبكرة تتفاقم مع الزمن.

غير أن قراءة نسب الإتمام وحدها لا تكفي لتقييم جودة التعليم، إذ قد ترتفع نسب النجاح دون أن يقابلها تحسن فعلي في الكفايات الأساسية. لذلك يكتسي مؤشر الأداء في اختبار PISA أهمية خاصة، باعتباره يقيس قدرة التلاميذ على الفهم والتحليل وليس الحفظ فقط. ويُظهر الجدول أن نسبة التلاميذ دون الحد الأدنى في القراءة مرتفعة في المغرب، حيث تتراوح بين 70 و80 في المائة، وهي نسبة أعلى من تونس والجزائر ومصر، وأعلى بكثير من السعودية والإمارات وقطر، التي تتراوح فيها هذه النسبة بين 40 و55 في المائة تقريبًا. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من التلاميذ في المغرب يصلون إلى مستويات دراسية متقدمة دون اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والفهم، وهو ما يفسر لاحقًا صعوبات التعلم في الرياضيات والعلوم، وارتفاع نسب الانقطاع الدراسي.

ويتقاطع هذا المؤشر مع ما يُعرف بالفقر التعلمي، أي نسبة الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط في سن العاشرة، حيث يسجل المغرب نسبة تقارب 60 في المائة، وهي من أعلى النسب في الجدول، مقارنة بحوالي 40 في المائة في تونس، و45 في المائة في الجزائر، و30 في المائة في السعودية، و26 في المائة في الإمارات، وحوالي 20 في المائة فقط في قطر. ويشير هذا المؤشر إلى أن فجوة التعلم تبدأ في السنوات الأولى من التعليم، قبل أن تتفاقم لاحقًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
ومن جهة أخرى، يسمح إدماج عدد السكان في الجدول بإضافة بعد تحليلي مهم. فالدول ذات عدد سكان محدود مثل قطر والإمارات تحقق نتائج أفضل نسبيًا، وهو ما يمكن تفسيره بارتفاع الإنفاق لكل تلميذ وسهولة إدارة النظام التعليمي. غير أن هذا العامل لا يفسر كل الفوارق، إذ تظهر دول ذات عدد سكان كبير مثل مصر والمغرب نتائج أضعف، بينما تسجل السعودية، رغم حجمها السكاني الكبير، تحسنًا ملحوظًا نتيجة إصلاحات تعليمية وهيكلية خلال السنوات الأخيرة. ويؤكد ذلك أن العامل الديمغرافي مهم، لكنه ليس عاملًا حاسمًا، كما يتضح في مقارنة المغرب بدول آسيوية ذات كثافة سكانية أكبر، وأن جودة الحوكمة التعليمية واستقرار السياسات البيداغوجية يلعبان دورًا أكثر تأثيرًا.
وبناءً على القراءة المتكاملة لهذه المؤشرات، يمكن استخلاص أن النظام التعليمي المغربي يواجه تحديين رئيسيين: ضعف الاستمرار الدراسي، وضعف جودة التعلم. فالمغرب ليس بعيدًا كثيرًا عن الدول العربية من حيث تعميم التمدرس في المرحلة الابتدائية، لكنه يتأخر بوضوح في ضمان الانتقال الناجح إلى التعليم الإعدادي والثانوي، كما يسجل مستويات مرتفعة من الفقر التعلمي وضعف الكفايات الأساسية. ويعكس ذلك فجوة بين التمدرس والتعلم، حيث يلتحق التلاميذ بالمدرسة لكنهم لا يكتسبون بالضرورة المهارات الضرورية للاستمرار والنجاح.
وتشير هذه المعطيات إلى أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يقتصر على توسيع الولوج أو تحسين نسب النجاح، بل يتطلب التركيز على جودة التعلم في السنوات الأولى، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين تكوين المعلمين، وتعزيز الاستقرار البيداغوجي، إضافة إلى تطوير مسارات تعليمية متنوعة تقلل الضغط على التعليم الثانوي الأكاديمي. وتُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في تحسين مؤشراتها التعليمية لم تعتمد فقط على زيادة الموارد، بل على إصلاحات هيكلية متكاملة تستهدف جوهر العملية التعليمية داخل الفصل الدراسي.




