المنبر الحر

سقوط القناع: الحرب على إيران تكشف الوجه الحقيقي للديمقراطية الغربية

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


ملخص

يتناول المقال ازدواجية المعايير الغربية، خصوصًا الأمريكية والأوروبية، في تغطية الحرب على إيران، مبرزًا كيف تتحول السردية الإعلامية إلى أداة لتبرير الحرب مع تهميش الأصوات المعارضة وتغييب القانون الدولي والإنساني. ويعرض نمطًا متكررًا في التدخلات العسكرية السابقة، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا وغزة، حيث تبدأ العمليات بخطاب أخلاقي وتنتهي بدمار واسع وفوضى طويلة. كما يناقش تآكل صورة «الجيش الذي لا يُقهر» في ظل عجز القوة العسكرية عن تحقيق حسم سياسي رغم التفوق التكنولوجي والدعم الخارجي المستمر، ويؤكد ضرورة التمييز بين المعتدي والضحية خاصة عندما تُشن الحروب بينما القنوات الدبلوماسية مفتوحة. ويشير المقال أيضًا إلى تناقضات موازية في العالم العربي والإسلامي، حيث يُعاد توجيه الرأي العام نحو قضايا هامشية، وتُهمَّش المنابر الحرة، ما يضعف الوعي بالتحولات الكبرى. ويخلص إلى أن هذه العوامل مجتمعة تعكس تراجع الهيمنة الغربية وبروز نظام دولي متعدد الأقطاب تتقدم فيه قوى جديدة لإعادة التوازن العالمي.

الكلمات المفتاحية: ازدواجية المعايير، تغييب القانون الدولي، نظام متعدد الأقطاب — Double Standards, International Law Marginalization, Multipolar World Order


1- في العالم الغربي

حين تتحول التغطية الإعلامية إلى أداة تبرير بدل مساءلة :تكشف الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران عن واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي وهي ازدواجية المعايير. فبينما يرفع الغرب شعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة الدول، يتبدل هذا الخطاب جذريًا عندما يتعلق الأمر بحروب تخدم مصالحه الجيوسياسية. وهنا لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل يتحول إلى فاعل رئيسي في صناعة السردية، وفي إعادة تعريف المعتدي والضحية، وفي تبرير الحرب قبل وقوعها، وتجميل نتائجها بعد اندلاعها. هذه الازدواجية لا يلاحظها محلل واحد أو تيار محدود، بل يشير إليها عدد من الأصوات النقدية في الغرب ممن يلفتون إلى أن التغطية الإعلامية في أوقات الحرب تميل إلى الاصطفاف مع القرار السياسي، وتضييق مساحة النقاش، وإقصاء الأصوات المعارضة. والنتيجة هي بناء سردية أحادية: حرب «ضرورية»، وعدو «خطير»، وتدخل «إنساني»، ونهاية «مبشرة»، قبل أن يكشف الواقع لاحقًا العكس تمامًا.

ومن بين الأسماء التي أشارت إلى هذا الانحياز أو عانت من التهميش الإعلامي بسبب مواقفها النقدية: Jeffrey Sachs و Douglas Macgregor و Scott Ritter و Pascal Boniface و John Mearsheimer و Glenn Diesen

إعلام يروّج رواية واحدة : من أولى مظاهر هذه الازدواجية أن الحرب تُقدَّم ضمن إطار محدد سلفًا: إيران «تهديد» و «تقتل شعبها»، والحرب «وقائية»، والتدخل «ضروري». ويُعاد إنتاج هذه السردية عبر نشرات الأخبار، والبرامج الحوارية، وتحليلات الخبراء، حتى تتحول إلى حقيقة غير قابلة للنقاش. في المقابل، تُهمَّش الأسئلة الجوهرية: من بدأ الحرب؟ هل هناك تفويض دولي؟ ومن يشكل تهديدا حقيقيا للمنطقة بل وللعالم؟هل استُنفدت القنوات الدبلوماسية وفي ماذا”؟ ما مصير المدنيين؟ هذا النمط ليس جديدًا. فقد تكرر قبل حرب العراق عام 2003 حين رُوّج إعلاميًا لامتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، ثم تبين لاحقًا عدم وجودها. وتكرر في ليبيا عام 2011 تحت شعار «حماية المدنيين»، قبل أن تتحول البلاد إلى دولة ممزقة. وتكرر في أفغانستان حيث قُدمت الحرب باعتبارها ضرورية للقضاء على الإرهاب، قبل أن تنتهي بانسحاب بعد عشرين عامًا دون تحقيق أهدافها.

القانون الدولي… يُستدعى أو يُلغى حسب المصلحة : في الخطاب الغربي، يُقدَّم القانون الدولي بوصفه حجر الأساس للنظام العالمي. لكن عندما يتعلق الأمر بحروب معينة، يصبح هذا القانون مرنًا إلى حد التلاشي. فالحرب الوقائية تُبرَّر، والضربات الاستباقية تُشرعن، والعمليات خارج مجلس الأمن تُقدَّم كأمر واقع ولا تناقش بل اكثر من ذلك ينساق اليها الاخرون في الغرب الا البعض فقط. هذا التناقض يطرح سؤالًا استفزازيًا: هل القانون الدولي مبدأ ثابت أم أداة سياسية؟ فحين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، رُفعت شعارات الدفاع عن السيادة. لكن عندما تُقصف دول أخرى دون تفويض أممي، يتراجع الحديث عن السيادة ويُستبدل بخطاب «الأمن الاستباقي». وهكذا يصبح القانون الدولي انتقائيًا، يُستخدم ضد الخصوم ويُعطَّل عند الحلفاء.

سجل طويل من الحروب التي انتهت بالفشل : لا يمكن فهم الحرب على إيران بمعزل عن تاريخ طويل من التدخلات العسكرية الأمريكية والغربية، وهو تاريخ يكشف نمطًا متكررًا: تدخل عسكري واسع، وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، ووعود بإعادة الاستقرار، ثم انسحاب يليه فراغ أمني وفوضى طويلة الأمد. ويمكن استحضار أبرز هذه الحروب مع تواريخها وحصيلة ضحاياها التقريبية كما يلي:

«العامل البرتقالي» هو مادة كيميائية شديدة السمية استخدمها الجيش الأمريكي خلال حرب فيتنام (1961–1971) ضمن برنامج لرش الغابات والمزارع من الجو بهدف إزالة الغطاء النباتي وتدمير الغذاء وكشف مواقع المقاتلين. احتوت هذه المادة على مركّب «الديوكسين» السام، ما أدى إلى تلوث واسع النطاق وإصابة ملايين المدنيين بأمراض خطيرة، بينها السرطان والتشوهات الخلقية التي استمرت آثارها لأجيال، كما خلّفت دمارًا بيئيًا واسعًا ما تزال بعض المناطق في فيتنام تعاني منه حتى اليوم.

  • حرب فيتنام (1955–1975) خاضت الولايات المتحدة حربًا طويلة تحت شعار منع التوسع الشيوعي. انتهت الحرب بانسحاب أمريكي عام 1975. تشير التقديرات إلى مقتل ما بين 2 إلى 3 ملايين فيتنامي مدني وعسكري، إضافة إلى نحو 58 ألف جندي أمريكي، مع دمار واسع للبنية التحتية واستخدام أسلحة كيميائية مثل «العامل البرتقالي».
  • حرب العراق الأولى (1991) بدأت بعملية “عاصفة الصحراء”. قُتل خلالها عشرات الآلاف من المدنيين، وتقدّر بعض الدراسات عدد الضحايا العراقيين بنحو 100 ألف شخص، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية المدنية.
  • غزو العراق (2003–2011) شُنّ تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل. بعد إسقاط الدولة، دخل العراق في دوامة عنف طائفي. تقديرات الضحايا تتراوح بين 200 ألف إلى أكثر من 500 ألف قتيل، بينما تشير دراسات أخرى إلى أن العدد قد يتجاوز مليون وفاة مرتبطة بالحرب بشكل مباشر وغير مباشر.
  • الحرب في أفغانستان (2001–2021) أطول حرب أمريكية في التاريخ الحديث. انتهت بانسحاب القوات الأمريكية وعودة حركة طالبان. تشير تقديرات مشروع “تكلفة الحرب” في جامعة براون إلى سقوط أكثر من 240 ألف قتيل، بينهم عشرات آلاف المدنيين، مع دمار اقتصادي واسع.
  • الحرب في ليبيا (2011) تدخل حلف الناتو لإسقاط النظام. سقط خلال العمليات وما تلاها ما بين 30 ألف إلى 50 ألف قتيل في المرحلة الأولى فقط، ثم دخلت البلاد في حرب أهلية مستمرة أدت إلى آلاف الضحايا الإضافيين وانهيار مؤسسات الدولة.
  • الحرب في سوريا (2011–حتى اليوم) شهدت تدخلات دولية متعددة. تشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات مستقلة إلى سقوط أكثر من 500 ألف قتيل، إضافة إلى ملايين النازحين واللاجئين ودمار هائل للبنية التحتية.
  • الحرب في اليمن (2015–حتى اليوم) بدعم أمريكي وغربي لوجستي وعسكري. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد الضحايا المباشرين وغير المباشرين تجاوز 377 ألف وفاة، معظمها بسبب الجوع وانهيار الخدمات.
  • الحرب على غزة (خصوصًا 2023–2025) شهد القطاع دمارًا واسعًا وابادة جماعية غير مسبوقين. تشير تقديرات إنسانية إلى سقوط عشرات الآلاف من المدنيين، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمستشفيات والمدارس.

يكشف هذا السجل التاريخي عن نمط متكرر يكاد يتطابق في معظم التدخلات العسكرية: تبدأ الحرب بخطاب أخلاقي مُعلَن يُرفع فيه شعار حماية الأمن العالمي أو تحرير الشعوب، ثم تتسع العمليات العسكرية تدريجيًا، لتتحول إلى حرب مفتوحة يسقط فيها المدنيون بأعداد كبيرة، قبل أن تنسحب القوى المتدخلة تاركة وراءها دولًا مدمَّرة ومجتمعات مفككة وفوضى تمتد لسنوات طويلة. ومن هذا المنظور، يرى كثير من المحللين الغربيين المستقلين والعرب أن الحرب على إيران تُطرح ضمن السياق ذاته، حيث تتكرر المبررات نفسها رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن التدخلات العسكرية لا تحقق الاستقرار الموعود، بل تخلّف نتائج عكسية إنسانيًا واستراتيجيًا تمتد آثارها لعقود. ويشير هؤلاء إلى أن إيران تُقدَّم اليوم بوصفها هدفًا جديدًا، رغم أنها دولة ذات سيادة تعيش تحت ضغوط وعقوبات متواصلة منذ أكثر من أربعة عقود، أي منذ قيام الثورة الإيرانية التي أطاحت بنظام الشاه المدعوم غربيًا. فمنذ ذلك التاريخ دخلت العلاقات بين إيران والغرب مرحلة توتر مستمر، ترافق مع عقوبات اقتصادية وضغوط سياسية ومحاولات عزل دولي. ويرى منتقدو الحرب أن هذا السياق الطويل يُغفل في كثير من التغطيات الإعلامية، بينما يُقدَّم التصعيد العسكري وكأنه ردٌّ مفاجئ على خطر طارئ، لا امتداد لمسار طويل من الصراع السياسي والجيوسياسي. المشترك في هذه الحالات أن الحرب تبدأ بسردية أخلاقية وتنتهي بنتائج كارثية، بينما نادرًا ما تتم محاسبة صانعي القرار.

التعاطف الانتقائي مع الضحايا : من أكثر مظاهر الازدواجية وضوحًا التفاوت في التعاطف مع الضحايا. فبعض الضحايا يُعرضون كقصص إنسانية مفصلة، بينما يُختزل آخرون في أرقام. وتُستخدم مصطلحات مختلفة: «ضحايا» هنا، و«أضرار جانبية» هناك. هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلافًا في اللغة، بل يخلق هرمية ضمنية لقيمة الإنسان. فحين يُقصف طرف معين، تُعرض مشاهد الخوف والهلع. أما عندما تتعرض مدن أخرى للقصف، تُقدم الأخبار بصيغة تقنية باردة. وهكذا يصبح التعاطف نفسه خاضعًا للجغرافيا السياسية.

تآكل صورة «الجيش الذي لا يُقهر» : من السرديات التي جرى الترويج لها طويلًا فكرة «الجيش الذي لا يُقهر»، وهي صورة بُنيت أساسًا على نتائج حروب سريعة في العقود الأولى. غير أن الوقائع اللاحقة، القديمة والحديثة، أظهرت أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمن الحسم، وأن الجيوش المتقدمة قد تواجه صعوبات كبيرة في حروب غير تقليدية، بل وقد تفشل في تحقيق أهدافها السياسية رغم تفوقها الساحق.

ففي حرب أكتوبر، تعرّضت صورة التفوق المطلق لأول اهتزاز كبير، بعدما تم اختراق خطوط دفاع اعتُبرت آنذاك منيعة، وتكبدت القوات الإسرائيلية خسائر ملموسة في المراحل الأولى من القتال. وقد كشفت تلك الحرب أن التفوق العسكري لا يعني الحصانة من المفاجأة أو من الاستنزاف. وتكرر هذا التآكل بوضوح في حرب لبنان، حيث استمرت العمليات أكثر من شهر دون تحقيق الأهداف المعلنة، رغم التفوق الجوي والتكنولوجي. وانتهت الحرب دون حسم، مع استمرار القصف المتبادل، ما دفع إلى انتقادات داخلية حادة لأداء المؤسسة العسكرية.

كما أظهرت جولات القتال المتكررة في غزة — خاصة منذ 2008 وصولًا إلى المواجهات الأخيرة — مفارقة لافتة: تفوق عسكري ساحق يقابله عجز عن إنهاء المواجهة أو فرض واقع سياسي دائم. فبالرغم من الحصار الطويل المفروض على القطاع، وبالرغم من التفوق الجوي والقدرات التقنية المتقدمة، استمرت المواجهات وتكررت، ما أضعف صورة الحسم العسكري السريع.

ويرى منتقدون أن أحد أبرز العوامل التي تُغفلها السردية التقليدية هو الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي، ولا سيما الدعم الأمريكي والغربي، سواء في مجال التمويل العسكري، أو تزويد الذخائر، أو الدعم الاستخباراتي، أو أنظمة الدفاع الجوي. ويشير هؤلاء إلى أن استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة يرتبط إلى حد كبير بتدفق هذا الدعم بشكل شبه دائم، وهو ما يعكس طبيعة التوازنات العسكرية الحديثة القائمة على التحالفات، لا على القدرات الذاتية وحدها.

وفي السياق نفسه، يشير محللون إلى أن بعض جولات التصعيد الأخيرة أظهرت أن المواجهات الواسعة قد تدفع إلى تدخلات دولية مباشرة أو غير مباشرة لتجنب اتساع الصراع، وهو ما يعكس هشاشة مفهوم الحسم العسكري الكامل. كما أن الحاجة المستمرة إلى الدعم اللوجستي والتقني الخارجي تُبرز أن التفوق العسكري في الصراعات المعاصرة يعتمد على منظومات متعددة الأطراف، وليس على قوة منفردة. إضافة إلى ذلك، فإن استهداف البنية التحتية المدنية، وتدمير المدن، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، كلها عوامل قوّضت الخطاب الذي يقدّم العمليات العسكرية باعتبارها «دقيقة» أو «مهنية». فقد أظهرت الحروب الحديثة أن المدنيين هم غالبًا من يدفعون الثمن الأكبر، وأن التفوق التكنولوجي لا يمنع وقوع خسائر إنسانية واسعة.

وهكذا، لم تعد صورة «الجيش الذي لا يُقهر» قائمة على الوقائع بقدر ما هي سردية إعلامية قديمة؛ إذ كشفت التجارب المتتالية أن التفوق العسكري قد يحقق تدميرًا واسعًا، لكنه لا يضمن النصر السياسي، ولا يحسم صراعًا طويل الأمد، كما أن الاعتماد المستمر على الدعم الخارجي يطرح تساؤلات حول حدود القوة الفعلية واستقلالية القرار العسكري.

الفرق بين المعتدي والضحية : الفرق بين المعتدي والضحية من أبرز ما يثير الجدل في التغطية الإعلامية تصوير الصراع كأنه مواجهة متكافئة بين طرفين متحاربين، بينما يظل السؤال الجوهري مغيَّبًا: من بدأ الحرب؟ فالحروب الوقائية تُقدَّم في الخطاب الإعلامي على أنها «دفاع عن النفس»، رغم أن مفهوم الدفاع في القانون الدولي يرتبط برد فعل مباشر على هجوم قائم، لا بضربات استباقية تُشن بينما القنوات الدبلوماسية ما تزال مفتوحة. وعندما يحدث هذا الخلط، يصبح التمييز بين المعتدي والضحية ضبابيًا، وتتحول الحرب من فعل عدواني إلى «إجراء أمني» في الخطاب الإعلامي. وتزداد الصورة وضوحًا عند استحضار أمثلة حديثة، إذ يشير عدد من المحللين إلى أن ما سُمّي «حرب الاثني عشر يومًا» اندلع في لحظة كانت فيها المفاوضات بين واشنطن وطهران تشهد تقدمًا ملموسًا، مع حديث عن اقتراب تفاهمات أولية. غير أن التصعيد العسكري جاء بشكل مفاجئ، ما طرح تساؤلات حول جدوى المسار التفاوضي إذا كان الخيار العسكري يُفعَّل في ذروة الحوار. ويرى منتقدون أن هذا السيناريو يعيد طرح إشكالية الحرب الاستباقية التي تُشن بينما لا يوجد هجوم مباشر، بل مسار تفاوضي قائم.

كما يشير هؤلاء إلى أن نمط «التفاوض ثم التصعيد» تكرر في أزمات دولية أخرى، حيث تُطرح الحرب بوصفها ضرورة عاجلة رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية. وفي مثل هذه الحالات، تُقدَّم العمليات العسكرية في الإعلام كأنها رد فعل، بينما الوقائع تشير إلى أنها مبادرة بالهجوم. وهنا يتبدى الخلط بين المعتدي والضحية بشكل أوضح، إذ تُساوى الضربة الأولى بالرد عليها، وتُعرض المواجهة وكأنها تبادل متكافئ. ويؤكد كثير من المحللين أن هذه المقاربة الإعلامية تُضعف النقاش القانوني والأخلاقي، لأنها تنقل التركيز من شرعية بدء الحرب إلى كيفية إدارتها فقط. فبدل السؤال: هل كان الهجوم مشروعًا؟ يصبح السؤال: هل كان الرد قويًا؟ وهكذا يُهمَّش أصل القضية، وهو مشروعية استخدام القوة. ومن هذا المنطلق، يشدد منتقدون على ضرورة إعادة النقاش إلى أساسه القانوني: من بدأ القتال؟ هل استُنفدت الوسائل السلمية؟ هل كان هناك تهديد مباشر؟ لأن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد الفرق الحقيقي بين المعتدي والضحية، بعيدًا عن السرديات الأمنية التي غالبًا ما تُستخدم لتبرير الحرب بعد وقوعها.

إقصاء الأصوات المعارضة : تتكرر ظاهرة تهميش الأصوات المعارضة للحرب. فالمحللون الذين يحذرون من التدخل العسكري يجدون أنفسهم خارج المنصات الكبرى، بينما يُستدعى المؤيدون للحرب بكثافة. هذه الظاهرة ليست جديدة؛ فقد حدثت قبل حرب العراق، وتكررت في أفغانستان وليبيا، وتتكرر اليوم. والنتيجة أن النقاش العام يصبح أحادي الاتجاه، ويُختزل التحليل في تبرير، وتُقدَّم الحرب كخيار وحيد، رغم وجود بدائل سياسية ودبلوماسية.

2- في العالم العربي و الاسلامي

تناقضات موازية في العالم العربي والإسلامي: حين يُهمَّش الوعي ويُدار الانتباه : لا تقتصر ازدواجية المعايير على الخطاب الغربي وحده، بل تظهر بصورة موازية داخل عدد من الدول العربية والإسلامية، حيث يُلاحظ تناقض واضح بين الخطاب الرسمي الذي يعلن دعم القضايا الكبرى، وبين الممارسات الفعلية التي تُهمّشها أو تُفرغها من مضمونها. ففي الوقت الذي تُعلن فيه بيانات التضامن، يجري في الواقع تضييق مساحة النقاش العام، وتُحاصر الأصوات المستقلة، ويُعاد توجيه الاهتمام الشعبي نحو قضايا ثانوية أو ترفيهية. ومن أبرز مظاهر هذا التناقض تكثيف المحتوى الترفيهي في اللحظات الحساسة سياسيًا، فبينما تشهد المنطقة حروبًا وأزمات كبرى، تتحول الشاشات إلى ساحات للبرامج الترفيهية أو المسابقات الرياضية أو الجدل الفني أو القضايا الاجتماعية الهامشية. لا يعني ذلك أن الرياضة أو الترفيه بحد ذاتهما مشكلة، لكن الإشكال يظهر عندما تتحول إلى أداة لصرف الانتباه عن الأحداث المفصلية، بحيث تطغى أخبار الانتقالات الرياضية أو نتائج المباريات أو الجدل حول شخصيات فنية على قضايا الحرب والسيادة والاقتصاد.

وقد لاحظ محللون أن فترات التصعيد الكبرى غالبًا ما تتزامن مع تضخم إعلامي لقضايا جانبية، بما يخلق حالة من التشتيت الجماعي، حيث ينشغل الرأي العام بسجالات يومية، بينما تمر أحداث استراتيجية دون نقاش عميق. ويترافق هذا الإلهاء الإعلامي في بعض الحالات مع تضييق على المنابر المستقلة أو الأصوات الناقدة، فالمحللون الذين يحاولون طرح قراءات مختلفة قد يجدون أنفسهم خارج وسائل الإعلام الكبرى، أو يُحاصر حضورهم، أو يُتهمون بإثارة الفتنة أو التشويش، والنتيجة هي تراجع مساحة النقاش الحر وتحول الإعلام إلى خطاب موحد يكرر الرواية الرسمية دون مساءلة. ويؤدي هذا النمط إلى مفارقة لافتة: قضايا مصيرية تمر بسرعة، والنقاش الحقيقي يتراجع، والتحليل العميق يُستبدل بسجالات سطحية.

وتظهر التناقضات أيضًا في الخطاب السياسي، حيث تُعلن مواقف قوية إعلاميًا، بينما تبقى السياسات العملية محدودة أو غامضة. فتُرفع شعارات دعم قضايا كبرى، لكن دون خطوات سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية تعكس هذا الدعم. ومع مرور الوقت يتولد شعور عام بأن الخطاب منفصل عن الواقع، وأن القضايا المصيرية تُستخدم في البيانات أكثر مما تُترجم إلى سياسات. كما يؤدي هذا الوضع إلى تشتت الأولويات لدى الرأي العام، فبدل التركيز على القضايا الاستراتيجية الكبرى مثل السيادة والأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية، ينشغل النقاش العام بقضايا قصيرة الأمد، ومع تكرار هذا النمط يصبح الإلهاء نفسه جزءًا من المشهد الإعلامي الدائم.

وفي ظل هذه التناقضات، يجد المواطن نفسه أمام سيل من المعلومات المتفرقة دون إطار تحليلي واضح، فتتراجع القدرة على فهم الصورة الكاملة، ويصبح النقاش العام مجزأً، بينما تمر التحولات الكبرى دون إدراك واسع. وهكذا تتكامل ازدواجية المعايير الخارجية مع تشتت داخلي، حيث تُهمّش القضايا الجوهرية، وتُضعف المنابر الحرة، ويُعاد توجيه الانتباه نحو قضايا هامشية، ما يحدّ من تشكل رأي عام واعٍ قادر على متابعة ما يجري من تحولات إقليمية ودولية كبرى وفهم أبعادها الحقيقية.

خاتمة: أزمة مصداقية وتراجع السردية الغربية وبداية تحوّل النظام الدولي : تكشف هذه الظواهر مجتمعة أن ازدواجية المعايير لم تعد مجرد انتقاد سياسي عابر، بل أصبحت سمة بنيوية في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي. فالقانون الدولي يُطبَّق انتقائيًا، والضحايا يُعاملون بدرجات مختلفة، والتاريخ يُستدعى أو يُهمَّش بحسب الحاجة، والأصوات المعارضة تُقصى حين تتعارض مع السردية السائدة. ومع تكرار هذه الممارسات، تتآكل مصداقية الخطاب الغربي تدريجيًا، لا في أعين خصومه فقط، بل حتى داخل مجتمعاته، حيث تتسع دائرة التشكيك في حياد الإعلام واستقلالية القرار السياسي. ولا تقف آثار هذه الأزمة عند حدود الخطاب، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته، إذ تُضعف الفجوة المتزايدة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية قدرة الغرب على الاستمرار في قيادة النظام العالمي كما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية، ومع كل حرب تُبرَّر بذريعة أخلاقية ثم تنتهي بنتائج كارثية، يتراجع نفوذه المعنوي والسياسي، ويتعزز الانطباع بأن مرحلة الهيمنة الأحادية تقترب من نهايتها.

وفي المقابل، تبرز مؤشرات نظام دولي أكثر تعددية، تتقدم فيه قوى إقليمية ودولية جديدة تسعى إلى توسيع هامش استقلالها السياسي والاقتصادي والعسكري. فصعود قوى مثل الصين وروسيا، وتنامي أدوار قوى إقليمية كإيران وتركيا والهند والبرازيل، يعكس تحوّلًا تدريجيًا في موازين القوة العالمية، حيث لم تعد هذه الدول تقبل بسهولة بالسردية الغربية أو بالقرارات الأحادية، بل باتت تسعى إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية على أساس التوازن لا الهيمنة. وفي هذا السياق، تُقرأ الحرب على إيران لدى كثير من المحللين بوصفها جزءًا من هذا التحول التاريخي، إذ لم تعد المواجهات العسكرية مجرد صراعات إقليمية، بل تعبيرًا عن صراع أوسع حول شكل النظام الدولي القادم، حيث لم تعد سياسات الضغط أو الاحتواء تحقق النتائج نفسها، بل قد تسهم في تعزيز مكانة القوى المستهدفة وتوسيع تحالفاتها.

غير أن هذا التحول الدولي يصطدم، في العالم العربي والإسلامي، بتناقضات داخلية لا تقل خطورة، إذ تتجلى ازدواجية موازية في الخطاب والممارسة، حيث تُرفع الشعارات الكبرى بينما تُهمَّش القضايا الجوهرية عمليًا، ويُعاد توجيه الرأي العام نحو مساحات الإلهاء بدل النقاش الجاد. ففي لحظات التحولات الكبرى، تتكثف القضايا الترفيهية والجدالات الهامشية، وتتراجع المساحات الحرة، وتُضيَّق المنابر المستقلة، ما يؤدي إلى تشتيت الوعي العام وإضعاف القدرة على إدراك التحولات الاستراتيجية الجارية. وهكذا، يتكامل الضغط الخارجي مع التشتت الداخلي، فتُضعف قابلية المجتمعات للتفاعل الواعي مع التحولات الدولية، رغم أنها من أكثر المناطق تأثرًا بها.

وبذلك، فإن تراجع السردية الغربية لا يعني فقط أزمة إعلامية أو سياسية، بل يشير إلى تحوّل أعمق في بنية العالم نفسه، حيث لم يعد احتكار الحقيقة ممكنًا، وتتآكل الهيمنة الأحادية، وتتبلور تدريجيًا ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب. غير أن الاستفادة من هذا التحول تظل رهينة بقدرة المجتمعات، خاصة في العالم العربي والإسلامي، على تجاوز حالة التشتت، واستعادة النقاش الحر، وبناء وعي استراتيجي يواكب هذه التحولات، وإلا فإنها قد تبقى خارج مسار إعادة تشكيل النظام الدولي، رغم أنها في قلب أحداثه


مقالات الكاتب ذات الصلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى