من مأساة كربلا إلى نصر مبين في أرض العزة : مشهد من مشاهد اليقين

عنوان هذا المقال مستوحى، بكل احترام وتقدير، من البثّ المباشر الذي قدّمه الأستاذ ماجد عبد الله تحت عنوان: “الكيان ينهار اليوم أمام أولياء الله… المئات نفقوا وماسك يعلن الخراب!” وقد اخترته، لما يحمله من دلالة رمزية عميقة تعبّر عن لحظة مفصلية في ضمير الأمة. ما يلي ليس مجرّد نقلٍ لحدثٍ عابر أو تحليلٍ سياسيّ ظرفي، بل محاولة لالتقاط لحظة صدق نادرة، عبّر فيها صاحب البثّ عن رؤية وجدانية تلامس الجراح الكبرى لأمتنا. في حديثه، توقّف مطوّلًا عند مأساة كربلاء، التي لا يراها مجرد حادثة تاريخية طُويت في صفحات الماضي، بل جرحًا لا يزال نازفًا في قلب الأمّة، وصراعًا خالدًا بين الحق والباطل، بين الكرامة والخنوع. فالحسين، عليه السلام، لم يُقتل في سبيل ملكٍ أو جاه، بل في سبيل أن تبقى الكرامة الإسلامية مصونة، وأن لا يُختزل الدين في طقوس تُدار في ظل سلطان جائر. كان دمه الطاهر نداءً خالدًا لكل حرّ، ونذيرًا لمن يسلك دروب الظلم ولو بعد قرون. ولم يكن الهدف من سرد هذه المآسي فتح جراحٍ نُكئت، بل ليتذكّر العقل المسلم أن ما وقع في كربلاء لا يزال يتكرّر بأوجهٍ جديدة؛ فالخذلان نفسه، والخيانة نفسها، والمجرمون أنفسهم، وإن تبدّلت الأسماء وتغيّرت الملامح. فاليوم، ونحن نرى غزة تُحاصر وتُذبح، ليس فقط بسكاكين العدو، بل بأيدٍ كانت تُفترض أن تكون عونًا وسندًا… بأموال وجيوشٍ وإعلامٍ عربيّ… يدكّ حصون الشرف والمقاومة، نتساءل: من نحن؟ وما الذي تبقّى فينا من نور الجهاد؟ ويختم الأستاذ ماجد كلامه بالإشارة إلى ما سمّاه “الحدث الأعظم”، والذي وقع صبيحة الأمس في حيّ الشجاعية بقطاع غزة الصامدة؛ حيث سجّل التاريخ كارثة عسكرية غير مسبوقة في صفوف الكيان الصهيوني، مشهدٌ لا يُمكن وصفه إلا بأنه انهيار في موازين القوة، ونصرٌ مبين لأولئك الذين باعوا أرواحهم لله، ووقفوا، كما الحسين، في وجه الطغيان، لا يطلبون إلا وجه الله وحرية أمتهم. د. الحسن اشباني
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نفتتح حديثنا بهذه المقولة العظيمة التي قالها وكتبها وكرّرها -رحمه الله- الفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أعلام الجيش المصري، والذي أرى -من وجهة نظري المتواضعة- أنه من آخر الرجال المحترمين الذين أنجبتهم المؤسسة العسكرية في مصر. نسأل الله أن يرزقنا مثله، بل من هو خير منه، فإن وُجد مَن هو أفضل، فذلك فضل من الله ونعمة، وسنكون في غاية السعادة والامتنان، وإنه لكرم عظيم من الله عز وجل.
“كل مسلم ينادي باستبعاد الخيار العسكري ضد الكيان، إنما يدعو الناس إلى إسقاط فريضة من فرائض الإسلام.” الشاذلي رحمه الله
لكن الحقيقة المُرّة أنه، حتى يومنا هذا، لم يظهر رجل بمكانة سعد الدين الشاذلي. ولو أن قائداً مثله كان بين صفوف الجيش المصري اليوم، وكان رئيسًا للأركان، لكان قد أنجز أمورًا عظيمة، خاصة فيما يتعلق بنصرة أولياء الله.
وقد اخترت أن أبدأ بهذا الكلام، حتى نتفق على أمر جوهري، وهو أن الجهاد في سبيل الله ليس رفاهية، ولا عملاً إضافيًا يمكن التغاضي عنه، كما يظنه بعض الناس. فالجهاد ليس نافلة بالمعنى الذي شاع خطأً في بعض الألسن، وخصوصًا في اللغة التركية، حيث أصبحت “النافلة” مرادفة لما هو غير مهم، بينما الحقيقة أن النافلة هي سنّة من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جاء به رسول الله فهو واجب علينا اتباعه.

يقول الشاذلي رحمه الله: “كل مسلم ينادي باستبعاد الخيار العسكري ضد الكيان، إنما يدعو الناس إلى إسقاط فريضة من فرائض الإسلام.”
وأنا أتفق معه تمامًا. إن الجهاد في سبيل الله ركنٌ من أركان الإسلام، لا يجوز إسقاطه أو نسيانه. نعم، نعلم أن أركان الإسلام خمسة، ولكن هذا الركن الغائب يحتاج إلى إحياء في نفوسنا. لقد غُيّب عنا عمدًا، بدليل أن المسلم اليوم لا يستطيع اقتناء سلاح في بيته، مهما كان البلد الذي يعيش فيه، فالدولة تمنعه تحت ذريعة “النظام”.
لكننا نرى الكيان المؤقت الهش، الذي لا يبعد عنا سوى خطوات، يمتلك كل بيت فيه خمسة أو عشرة أسلحة. فلماذا يُحرَم المسلمون من امتلاك السلاح والتدرّب عليه، ليحفظوا كرامتهم وعزّتهم؟ لقد كانت الأسلحة في متناول المسلمين والعرب على مرّ العصور.
خذ مثلًا سلطنة عُمان، ما زال الناس فيها يحملون الخنجر المعروف بـ”الجنبية”، وكذلك في اليمن، حيث تُعتبر الجنبية جزءًا من هوية الرجل، ولا أحد يستطيع سلبهم هذا الحق، حتى الأطفال في بيت صديقي “أبو رائد” -حفظه الله- يملكون خناجرهم منذ صغرهم. لقد حُرمنا من أن ننشأ كرجال مجاهدين، وصرنا مخلوقين “هجينين” بين الرجولة والأنوثة، ونسأل الله السلامة.
الحمد لله، بدأت الصحوة تدبّ في قلوب بعض الأحبة الذين شعروا بهذه الغصة، وأحب هنا أن أبدأ بموضوعين مهمّين:
أولاً: نحن اليوم في يوم عاشوراء. للأسف، نحن المصريين لا نكاد نتذكّر في هذا اليوم سوى صيامه، دون أن نُعير اهتمامًا للحدث الجلل الذي وقع فيه، ألا وهو استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيد شباب أهل الجنة. وأنا، كأب وأخ لكم، أبدأ هذا اللقاء بتوجيه شكر خاص لإخواننا الشيعة، رغم اختلافي معهم في بعض المظاهر التي يتّبعونها في إحياء هذه الذكرى، مثل اللطم أو الإيذاء بالسكاكين، وهي أمور أرفضها تمامًا، لأنها لا تمتّ لسلوك المسلمين بصلة، حتى في أشد حالات الحزن. لكنني أشكرهم لأنهم حملوا همّ هذه الذكرى وأحيَوها، ولو لم يفعلوا، لنُسيت تمامًا من بقية الأمة الإسلامية. نحن اليوم بدأنا نتساءل: لماذا يضربون أنفسهم؟ لماذا ينوحون؟ فيُقال لنا: لأن هذا يوم كربٍ عظيم، إنه يوم كربلاء، يوم قتل فيه الحسين عليه السلام وأهل بيته، نعم، إنها فاجعة. فشكرًا لهم على إحياء ذكرى الحسين، لأننا نحن أهل السنة أهملناها، ونسينا أن آل بيت رسول الله تعرّضوا لظلم شديد، كان يزيد بن معاوية رأسه. وهذا لا يعني أننا نطعن في صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمعاوية رضي الله عنه صحابي جليل، وكان من كتبة الوحي. لكن موقفه السياسي شيء آخر، فقد وقف ضد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه، زوج فاطمة الزهراء وابن عم رسول الله.
ثانيًا: بعد الخلافة الراشدة التي اقتصرت على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -رضي الله عنهم- جاء عهد الملك العضوض، وهو نظام توريث الحكم، وقد بدأه معاوية عندما جعل ابنه يزيد ملكًا من بعده، رغم أن يزيد لم يكن مؤهلًا، وكان معروفًا بسوء السلوك، حتى إن أباه نفسه كان يوبّخه على أفعاله. في ظل هذا الانحراف، قرر الحسين عليه السلام أن يثور على هذا الفساد، فكان من أوائل الثائرين في الإسلام. خرج مع ثلة من أهل بيته إلى كربلاء، حيث واجه جيش يزيد، في يومٍ هو من أسود أيام التاريخ الإسلامي (التفاصيل في الفقرة الموالية). نستحضر هذه الذكرى اليوم بعقولنا، لا باللطم أو الصراخ، ولكن بحزن عميق لا ينتهي على سيدنا الحسين، وعلى أطفال آل البيت الذين قُتلوا في تلك المجزرة، ونؤكد أننا لن ننسى هذه المأساة ما حيينا. لكننا، رغم هذا الحزن، لا نمارس الطقوس التي تُخرج عن روح الإسلام، وإنما نُحيي الذكرى بالعقل، بالدعاء، وبإيقاظ الضمير.
مأساة كربلاء ليست حادثة تاريخية عابرة، بل جرح نازف في وجدان الأمة، ودليل على ما يمكن أن تبلغه الخيانة السياسية حين تتحول الخلافة إلى ملك عضوض. الحسين عليه السلام لم يُقتل طلبًا لسلطة، بل دفاعًا عن كرامة الأمة وعن جوهر الإسلام، فكان بدمه الطاهر نبراسًا للحق، ونذيرًا لكل من سيسلك درب الطغيان بعده.
استشهاد الحسين عليه السلام: مأساة كربلاء في ذاكرة الأمة : في سنة 61 للهجرة، الموافق لعام 680 ميلادية، خرج الإمام الحسين بن علي، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من مكة المكرمة متوجهًا إلى العراق، استجابةً لدعوات أهل الكوفة الذين أرسلوا إليه برسائل يدعونه فيها للقدوم ومبايعته خليفة للمسلمين.لكن، وكما خذلوا من قبل والده الإمام علي عليه السلام، عاد أهل الكوفة ونكصوا على أعقابهم. فقد كان من المفترض أن يلي الإمام الحسن عليه السلام الخلافة بعد أبيه، لكنه تنازل عنها لمعاوية، زهدًا في الدنيا ورغبةً في حقن دماء المسلمين، إلا أن معاوية لم يلتزم بما تم الاتفاق عليه، وقام بتنصيب ابنه يزيد خليفة من بعده، مخالفًا بذلك شروط الصلح.
وعندما اشتد ظلم يزيد وانتشرت مفاسده، ضاق الناس به ذرعًا، فكتبوا إلى الحسين يدعونه لقيادتهم وبايعوه على الخلافة. فنهض الحسين عليه السلام، وخرج من مكة بصحبة أهل بيته ونفر من أصحابه قاصدًا الكوفة. غير أن الأمور سرعان ما تغيّرت، إذ خذله الذين بايعوه، وخدعوه حتى وصل إلى أطراف الكوفة، ثم تخلّوا عنه، بل إن بعضهم التحق بجيش يزيد، فكانت خيانة صارخة وخذلانًا مؤلمًا.
أرسل يزيد واليَهُ عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، والذي شدد الرقابة وقام بإرسال جيش بقيادة عمرو بن سعد بن أبي وقاص لاعتراض طريق الحسين، ومنعه من دخول الكوفة أو حتى الرجوع منها. كان الهدف واضحًا: القضاء على الحسين ومن معه في الصحراء.
وفي منطقة كربلاء، التقى الجمعان. لم يكن مع الإمام الحسين أكثر من سبعين رجلاً -وفي روايات أخرى نحو ثمانين- من أهل بيته وخاصته وأولاد عمومته وأصدقائه. هؤلاء القلة واجهوا جيشًا جرّارًا بعزيمة لا تلين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر الحسين من قبل أنه سيُقتل في أرض ذات تربة حمراء، وقد وصف له كربلاء قبل وفاته. فلما وصل الحسين إلى تلك الأرض، علم أن هذا هو يومه المحتوم ومصرعه الذي لا مهرب منه.
أحاطت جيوش ابن زياد بالحسين عليه السلام، ومنعوا عنه وعن عياله الماء، فاشتد الحصار، ودام عدة أيام. وفي اليوم العاشر من محرّم، وهو يوم عاشوراء، اندلعت المعركة.
قاتل أصحاب الحسين بشجاعة نادرة، واستُشهدوا واحدًا تلو الآخر، حتى بقي الحسين وحيدًا، يواجه جموعًا هائلة وحده، لا يلين ولا يتراجع. وكان في الرابعة والخمسين من عمره، من أشجع رجال المسلمين، وقد ورث الشجاعة عن أبيه علي بن أبي طالب، الذي لم يُهزم قط في منازلة.
قاتل الحسين قتال الأبطال، وقضى على عدد كبير من أفراد الجيش المعادي، حتى غدر به سهم أصابه، لكنه لم يسقط، فتكالبوا عليه، وأتاه سنان بن أنس النخعي بحربة فطعنه بها، ثم جاء شمر بن ذي الجوشن فاحتز رأسه الشريف، قطع رأس سبط النبي الكريم، الحسين بن علي. أي مأساة هذه؟ أي جريمة؟! يُقتَل ابن بنت رسول الله، ويُذبح عطشانًا مظلومًا، ويُفعل به ما لا يُفعل حتى بالكافرين، وكل ذلك على أيدي من يزعمون أنهم مسلمون، ويزعمون طاعة “ولي الأمر”، بل ويدّعون أنهم يحمون وحدة الأمة! أما طفله الرضيع عبد الله، فقد ذُبح وهو في حجره، بسهم اخترق جسده الطاهر، فمات بين ذراعي أبيه.
ثم حُمِل رأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، ومن ثم أُرسل إلى يزيد في دمشق، حيث وقعت الحادثة الأكثر ألمًا. فقد ورد عن شهود عيان ممن حضروا المشهد، أن يزيد عبث بالرأس الشريف، وارتكب ما لا يليق لا بإنسان ولا بحاكم، فكيف بمن يدّعي الإسلام؟!
الحسين.. كربلاء.. وخيانة الأمس واليوم
إنما نحكي هذه المآسي، لا لنُعيد الجراح، بل لنتذكّر ونتدبّر، وندرك أن ما جرى في الأمس من ظلمٍ شديدٍ للمسلمين، لا يختلف كثيرًا عمّا يحدث اليوم في “أرض العِزّة”. فالخذلان نفسه، والخيانة ذاتها، والوجوه لم تتغير، وإن تغيّرت الأسماء والأزمان. نحن -المسلمين العرب- نحاصر إخواننا بأيدينا، بأسلحتنا، بجيوشنا. المصريون يحاصرون، الأردنيون يحاصرون، السعوديون، الكويتيون، الجميع يطوّقون أولياء الله في أرض العزة. لا جديد! هي ذات الخيانة المتكرّرة، وذات النذالة والانحطاط الممتدّ عبر التاريخ. خونة الدين والملّة لا يتبدّلون. نحن لا نطالبهم أن يحاربوا أو يحملوا السلاح، بل أن يتركوا عنهم فقط منع الماء والغذاء والدواء عن أهل المقاومة. لم يطلب أولياء الله دبابات أو طائرات أو صواريخ، إنما طلبوا أن تُرفع عنهم الحواجز، وأن تُكفّ أيديهم عن خنقهم. فمن أين تأتي الطائرات التي تقصف غزة؟ ومن أين تُزوّد الدبابات التي تقتل الأبرياء؟ أليس من نفط الخليج؟! لقد شرحنا مرارًا وقدمنا وثائق، أن المصافي الكبرى في حيفا -تلك التي تكرّر البترول والغاز- لا تعتمد على موارد محلية، إذ لا غاز في فلسطين المحتلة، بل يأتيها النفط من الخليج العربي، من دول سُنية، مسلمة!
صدق أو لا تصدق! أنا نفسي لا أريد أن أصدق، لكني أعلم التفاصيل الدقيقة، وأعرف الدول، والكميات، والشركات. وأتجنّب النطق بها صراحة، حتى لا أُحرج أناسًا طيبين من أهل الخليج أحبهم، وأعلم أن الكثير منهم مخلصون، لكن ما العمل إن كان حكامهم خونة؟ تمامًا كما كان يزيد بن معاوية: خائن لدينه أولًا، ثم لنفسه. كان سكيرًا، من أهل المجون، حتى إن أباه كان يضربه ويوبّخه على سلوكه المشين.
فلنعد إلى المشهد الأليم : عندما وصلت رأس الإمام الحسين عليه السلام إلى يزيد بن معاوية في دمشق، ماذا تقول كتب التاريخ؟ في المصادر السنية، كـ”تاريخ الطبري” و”البداية والنهاية” لابن كثير، ورد أن عبيد الله بن زياد أرسل الرأس الشريف مع زُحر بن قيس إلى يزيد. تظهر بعض الروايات أن يزيد أبدى شيئًا من الحزن والندم، وقال: “يا حسين، لو كان بيني وبينك رحم، لراعيته!“، لكن أغلب الروايات -بل وأصدقها- تشير إلى عكس ذلك تمامًا. لقد دخل عليه رجال الشام، فرآه جالسًا والرأس الشريف أمامه، يضرب بأسنانه، بين ثناياه، بعصاً من خشب، قائلًا بوقاحة: لعبت هاشم بالملك، فلا خبر جاء ولا وحي نزل! وهذا البيت من الشعر ينسب إليه، وفيه إنكار صريح للوحي، وإنكار لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ونعلم أن “هاشم” هو الجد الأعلى للنبي، ومنه جاء بنو هاشم، والذين كانت لهم خصومة قديمة مع بني أمية منذ الجاهلية، حيث كان بنو أمية دائمًا في موقع الضعف أمامهم، ولهذا اختاروا الشام مقرًا لحكمهم بعيدًا عن المدينة. تأمل هذا: “فلا خبر جاء ولا وحي نزل!“، إنها ليست كلمات إنسان مسلم، بل كلمات زنديق كافر. ومع ذلك، لا يزال البعض يتردّد في إطلاق الحكم عليه، رغم أن كبار العلماء استنكروا هذه الأبيات، واعتبروها طعنًا صريحًا في أصل الدين. بل إن بعض الرواة نقلوا أن أحد النصارى من الروم، وكان حاضرًا مجلس يزيد، قال له: “إن في كتبنا أن من قتل ابن نبي، كانت عاقبته وخيمة.”
فردّ يزيد بكل برود: “وما لي ولهذا؟ إنما قتله ابن مرجانة!“ يقصد عبيد الله بن زياد، ملقيًا عليه المسؤولية، وكأنه لم يكن هو الآمر والمخطّط والمنفّذ! ثم، ما الذي فعله يزيد بعد ذلك بالرأس الشريف؟ لقد أمر أن يُطاف به في شوارع دمشق، ليُظهر ما يزعم أنه “نصر”، ويُرعب الناس بإذلال آل بيت النبي.
يا علماء السنّة، يا أبناء الأمّة: هل تنكرون هذا؟! هل تنكرون أن رأس الحسين طيف بها في دمشق؟! أنا -وأقولها بوضوح- سني، لست شيعيًا، ولا أُقرّ بما يفعله بعض الشيعة من طقوس غير شرعية كضرب الجسد واللطم وتكفير الصحابة، لكني في الوقت ذاته، لا أقبل التستّر على جريمة يزيد، ولا أن يُسكت عن خذلان آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فليُقلها كل مسلم حرّ: نعم، الحسين قُتل مظلومًا، عطشانًا، مقطوع الرأس، في جريمة لا يقبلها عقل ولا دين. ويُروى أن الرأس الشريف أعيد لاحقًا مع الجسد الطاهر، ودفن في كربلاء. وهناك روايات تقول إنه دُفن في دمشق، وأخرى تقول إنه نُقل إلى مصر، حيث يُقال إن رأس الإمام الحسين مدفونة في مسجد الحسين بالقاهرة.
من مأساة شخصية إلى نصر مبين في أرض العزة: مشهد من مشاهد اليقين
قد يبدو أن ما سأرويه لكم الآن يحمل شحنة شخصية، لكنني رأيت من واجبي أن أبدأ به قبل أن أنتقل إلى تفاصيل الحدث الكبير الذي شهده هذا اليوم، والذي يمكن وصفه –بلا مبالغة– بأنه ضربة مزلزلة تلقاها الكيان المحتل في أرض العزة. وسأعرض عليكم تفاصيل لم تُذكر في معظم المنصات، بل تجاهلتها كبرى القنوات، ولا أدري لماذا… لماذا هذا الصمت الإعلامي؟ لماذا لا تُذكر هذه الوقائع التي تصنعها أيدي أولياء الله؟ الله وحده يعلم، لكنني أعلم يقينًا أن ما سأقوله الآن بلغني من أهل الصدق. وقبل أن أبدأ بسرد التفاصيل الكبرى، اسمحوا لي أن أشارككم حادثة مؤلمة وقعت في محيطي القريب، لعلّها تكون مدخلًا للعبرة والاعتبار.
حادثة مأساوية بين الجدران : أسكن في عمارة مطلة على النيل في الجيزة، وخلف هذه العمارة توجد أخرى يسكن فيها شاب يُدعى “شهاب”. كنت أعرفه منذ كان طفلًا، رأيته يكبر أمامي، وكان آخر عهد لي به حين بلغ حوالي 17 أو 18 سنة، واليوم له ابن يبلغ 11 عامًا. شهاب مهتم بتربية الكلاب، وله عدد من الكلاب الكبيرة فوق سطح العمارة، حتى إننا اضطررنا إلى تركيب سياج حديدي في أعلى سطحنا لحماية أطفالنا من احتمال تسلل الكلاب عبر الأسطح. وفي هذا اليوم الحزين، وبينما كان الكلب ينزل من العمارة برفقة الطفل، فُتح باب المصعد… لكن المصعد لم يكن موجودًا! عمارة حديثة، ومصعد جديد، ولا نفهم كيف يمكن تقنيًا أن يكون الباب مفتوحًا دون وجود كابينة! دخل الكلب في عمق البئر، ويبدو أن الطفل كان يمسك به أو مقيدًا به، فسُحب وسقط معه. سقط الطفل في بئر المصعد، وتوفي على الفور، رحمه الله.
وقع الخبر كالصاعقة على أهل الحي، والده –شهاب– لا يصدق حتى اللحظة، ويُقال إنه يمشي في الشوارع ينادي باسم ولده.
أما الأم والأخوات، فالبكاء لم يفارقهن، والمشهد كله محزن وكاشف عن حقيقة الموت الذي لا يفصلنا عنه إلا لحظة واحدة.
نسأل الله له الرحمة، ولأهله الصبر والسلوان. وجزى الله خيرًا كل من حاول إنقاذه، خاصة الشاب أحمد الذي أسرع لإغاثته.
لقد اتّحد الحيّ كله في الحزن، وأصبح الشارع جسدًا واحدًا يتألم. وأقول لكل من يقرأني الآن: خذوا حذركم من المصاعد، من الأسلاك، من الإهمال، فإن الموت أقرب إلينا مما نتصوّر، وكل لحظة غفلة قد تكون الأخيرة. فهلّا اعتبرنا؟!
والآن، إلى الحدث الأعظم… في صباح هذا اليوم، عند تمام الساعة الثامنة، وقع ما لا يمكن وصفه إلا بأنه كارثة عسكرية غير مسبوقة في صفوف الكيان الصهيوني، تحديدًا في منطقة الشجاعية. وصلتني الأخبار من مصادر ميدانية موثوقة، من أولياء الله في الأنفاق، أقسم بالله أنهم تواصلوا مع من كانوا في قلب الحدث، وأكدوا لي دقة التفاصيل. ما الذي جرى؟ في منطقة الشجاعية، وهي منطقة أُطلق اسمها على اسم القائد “الشجاع بن عثمان الكردي”، أحد قادة صلاح الدين الأيوبي، تم تنفيذ كمين نوعي غير مسبوق. أولياء الله في غزة قاموا بزرع كمين مضاد للآليات. والتفاصيل مذهلة:
- الكيان كان قد قصف سابقًا بعدة قذائف لم تنفجر.
- رجال المقاومة أخذوا هذه القذائف، وقاموا بتعديلها وإعادة استخدامها بعد تفكيكها، في مشهد من مشاهد الفطنة الهندسية التي وهبهم الله بها.
- تم زرع سبع عبوات ضخمة، وتغطيتها بمواد مموّهة، ومن الجانبين الأمامي والخلفي وُضعت براميل شديدة الانفجار.
- حين دخلت تسع مركبات عسكرية من نوع “ماركافا”، محمولة بعشرات الجنود، وقع الانفجار الكبير.
- كانت هذه الكتيبة تضم 90 جنديًا. وكانت النتيجة كالتالي :
- 74 جنديًا صهيونيًا قُتلوا فورًا، تفحّموا بالكامل، وتحولت المركبات إلى قطع لا تُفرّق فيها بين الداخل والخارج.
- الـ16 الباقون أُصيبوا بإصابات متفاوتة، منهم من فقد أطرافًا، ومنهم من صُدم نفسيًا ولم يعد يعي من هو.
استمرت فرق الاحتلال تحاول لمدة 24 ساعة فصل الجثث عن بعضها. كانت العملية فاشلة بكل المقاييس، وعارًا عسكريًا لم يُسجل مثله منذ بداية هذه الحرب. بل إن القوة التي أُرسلت لاحقًا لمحاولة الإنقاذ، قُصفت هي الأخرى، وسُجلت خسائر بالمئات. لم يعد هناك “جندي” شجاع… بل جنود كرتون. أصواتهم تصرخ، بعضهم يطلق النار في أي اتجاه من شدّة الهلع. صاروا يضربون بعضهم، خوفًا من ظلّهم. كل هذا وقع في لحظة حاسمة، قبيل الإعلان –في غضون يوم أو يومين– عن اتفاق وقف إطلاق نار. وكأن يد القدر شاءت أن تسجّل هذا النصر الكبير في اللحظات الأخيرة، لتثبت أن النصر لا يأتي بالسلاح فقط، بل بالعقيدة، وبدماء صادقة لا تخون، كما خان غيرهم في الأمس واليوم.
المقالات ذات الصلة :
https://dr-achbani.com/وعي-يتكلم-من-بين-الركام-2




