المقالات العامةالمنبر الحر

حين تصنع بركة الوالدين ثروة الحياة

د. الحسن اشباني

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي


قصة السيد علي… من ركضة في الظلام إلى ميراث من الدعاء

مقدمة

كم من إنسانٍ جمع مالًا كثيرًا ولم يجد الطمأنينة في حياته، وكم من إنسانٍ لم يملك في بداياته شيئًا سوى دعاء والديه، ففتح الله له أبواب البركة والرزق! في هذه القصة الإنسانية المؤثرة التي عُرضت ضمن برنامج «محفل» (Mahfel Arabic) الذي تبثه قناة **www.youtube.com/@Mahfel.Arabic**، نتابع سيرة السيد علي باز حسيني الذي بدأ حياته فتىً يركض كيلومترات في الظلام طاعةً لوالده، قبل أن تتحول تلك الطاعة الصادقة إلى دعاءٍ مبارك غيّر مسار حياته. واليوم يقف أمام الناس محاطًا بأسرة كبيرة من الأبناء والأحفاد الذين تربّوا على القرآن والقيم.

وبالمناسبة، حين كنت في مهمة علمية بإيران استضافني صديقي المهندس الزراعي في بيته بطهران وأكرمني غاية الإكرام، حتى لم يسمح لي بالإقامة في الفندق. واقترح عليّ أن أزور مجلسًا للقرآن ليلة الخميس، فوجدت فيه شبابًا كثيرون يتلون القرآن حفظًا وترتيلاً وتجويدًا بإتقانٍ لافت، فقلت في نفسي: ما شاء الله… لذلك لم أستغرب حين شاهدت قصة السيد علي في هذا البرنامج، بل وجدتها انعكاسًا حيًا لثقافة قرآنية راسخة أحببت أن أشاركها مع قراء موقعي العلمي. إنها قصة حقيقية تذكّرنا بأن أعظم استثمار في الحياة ليس المال ولا الأرض… بل رضا الوالدين وبركة دعائهما.

السيد علي باز حسيني

البدايات: درس في طاعة الأب

دخل السيد علي القاعة وسط تصفيق الحضور، وقد قُدِّم بوصفه مثالًا للابن البار بوالديه. لم يتجاوز عمره يومها الثامنة عشرة، لكنه حمل في كلماته تجربة حياة عميقة. قال: كنت منذ صغري أرى أبي بمنزلة القائد، وأنا جندي في خدمته. فإذا ناداني أسرعت إليه قائلًا: نعم يا أبي، أنا في خدمتك. ويروي أنه حين كان في الثالثة عشرة من عمره طلب منه والده أن يجلب حاجة من السوق، لكن أقرب متجر كان يبعد نحو اثني عشر كيلومترًا عن قريتهم الصغيرة. وكان ذلك عام 1962، حين لم تكن الطرق ممهدة ولا وسائل النقل متوفرة، ولم يبق على غروب الشمس سوى ساعتين. يقول: قررت أن أذهب مهما كلف الأمر، فكنت أركض مئة متر وأمشي مئة متر حتى وصلت إلى المدينة، ثم اشتريت الحاجة وعدت مسرعًا. لكن الظلام حل قبل أن يصل إلى قريته، وكانت المنطقة مليئة بالجبال والصحراء وتكثر فيها الذئاب. يقول: كنت خائفًا، لكنني توكلت على الله، وكنت طوال الطريق أصلي على النبي ﷺ وأقول: يا رب، أوصلني ببركة سيدنا محمد. حتى وصلت إلى باب البيت منهكًا وقد غمر العرق جسدي من شدة التعب. فلما علم والدي بما حدث قال متأثرًا: لماذا أتعبت نفسك هكذا؟ فأجبته: ربما لم تكن راضيًا عن تعبي، لكنني راضٍ بذلك، لأنك أبي وهذا واجبي.

حين سرق اللص الدكان

لم تمض سنوات حتى تعرّض والده لمحنة أخرى؛ فقد كان يملك متجرًا صغيرًا في القرية، لكن لصًا اقتحمه وسرق كل ما فيه، فدخلت الأسرة في ضيق شديد. وكان علي قد بلغ السادسة عشرة أو السابعة عشرة، فقرر السفر إلى طهران للعمل ومساعدة أسرته. وقبل سفره جهّز لأهله الحطب والطعام والطحين، ثم سافر. عمل نحو شهرين واستطاع أن يدخر مئة تومان. عاد إلى والده وقال: يا أبي، جئت لك بالمال. تعجب الأب وسأله: من أين لك هذا؟ فقال: عملت وكسبته. فرح الأب فرحًا شديدًا حتى كاد يطير من شدة السرور، بينما احتفظ علي لنفسه فقط بأجرة الطريق.

لحظة الامتحان الكبرى

بعد سنوات قرر علي الزواج لأنه شعر أنه أصبح قادرًا على تحمل المسؤولية، لكن حادثة مؤلمة غيّرت كل شيء؛ فقد سقط والده من سطح المنزل وانكسرت ساقه وبرز العظم منها، وفي تلك الأيام هبت عاصفة ثلجية شديدة وانقطعت الطرق لشهرين كاملين. ساءت حالته حتى أصيبت ساقه بالغرغرينا1، فحمله علي إلى شيراز للعلاج، لكن الأطباء اضطروا إلى بتر ساقه. وفي لحظة مؤثرة نادى الأب ابنه وقال: يا بني، أريد أن أترك لك هذا البستان. فقال علي: يا أبي، لا أريد بستانًا. فقال الأب: إذن خذ الأرض الكبيرة. لكن علي أجاب بهدوء: يا أبي، لا أريد شيئًا. تعجب الأب وسأله: ماذا تريد إذن؟ فقال علي: من الذي أعطاك هذه الأرض والبستان؟ قال الأب: الله. فقال علي: إذن سيمنحني الله كما منحك. ثم قال: لكنني أريد منك شيئًا أغلى من الأرض والبستان. قال الأب: وما هو؟ قال علي: أريد رضاكما… رضاك أنت ورضا أمي. عندها رفع الأب يديه إلى السماء وظل يدعو له قرابة ربع ساعة. ويقول علي اليوم: أعتقد أن دعاء أبي هو سر كل ما فتحه الله علي بعد ذلك من رزق.

1 الغرغرينا (Gangrene) هي حالة طبية خطيرة يحدث فيها موت لأنسجة الجسم بسبب انقطاع الدم عنها أو بسبب عدوى بكتيرية شديدة. وعندما لا يصل الدم الكافي إلى جزء من الجسم، تموت الخلايا ويتغير لون النسيج ويبدأ بالتلف.

ثروة أكبر من المال

مرت السنوات وكبر الأبناء، وأصبح للسيد علي سبعة أبناء: ابنان وخمس بنات، كما أصبح له سبعة وعشرون حفيدًا. ومن بينهم عدد كبير من حفظة القرآن الكريم؛ فخمسة منهم حفظوا القرآن كاملًا، وآخرون حفظوا عشرين جزءًا أو أكثر. وحين سُئل عن ثروته اليوم قال مبتسمًا: أنا غني بفضل الله، ولو أردت أن أحصي ما أعطاني الله من النعم فلعل هذا المسرح كله لا يتسع لها. لكنه رغم ذلك قال كلمة مؤثرة: لو عاد أبي إلى الحياة لغسلت قدميه كل يوم، فذلك أعظم عندي من كل ثروة. ثم تلا قول الله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا﴾ ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا﴾.

تقديم عائلة السيد علي

وفي مشهدٍ مؤثر من الحلقة، دعا مقدّم البرنامج أفراد عائلة السيد علي إلى الصعود إلى المنصة ليقفوا إلى جانبه، في صورةٍ حيّة تعكس ثمار سنوات طويلة من التربية والإيمان. فوقف الأبناء والأحفاد متجاورين حول الجدّ، وسط تصفيق الحضور وإعجابهم بما رأوه من تماسك الأسرة وكثرة أفرادها. وقد أوضح السيد علي أن لديه سبعة أبناء: ابنان وخمس بنات، وقد

أصبحوا اليوم بدورهم آباءً وأمهات، حتى بلغ عدد أحفاده سبعةً وعشرين حفيدًا. وقدّم بعض أفراد عائلته للحاضرين، فذكر أن ابنه الأكبر السيد قاسم أستاذ في الكيمياء، وهو أيضًا قارئ للقرآن الكريم، كما أن ابنه الثاني من أهل العلم الشرعي. ثم أشار إلى بقية الأبناء والأحفاد الذين اصطفّوا حوله، ومن بينهم عدد كبير من حفظة القرآن الكريم. وكان المشهد لافتًا للحضور، إذ تجمّعت أمامهم أسرة كبيرة متعددة الأجيال يقف فيها الأبناء والأحفاد جنبًا إلى جنب مع الجدّ، في صورةٍ تختصر معنى الامتداد العائلي المبارك، وتُظهر كيف يمكن لتربية قائمة على الإيمان والاحترام أن تُثمر أسرةً متماسكة يجمعها القرآن والقيم.

امتحان حفظ القرآن أمام لجنة التحكيم

لم يكتفِ برنامج «محفل» بسماع قصة السيد علي وعائلته، بل أراد أن يختبر أمام الحضور ثمرة تلك التربية التي قامت على الإيمان والقرآن. لذلك دعت لجنة التحكيم أفراد العائلة إلى اختبارٍ مباشر في حفظ كتاب الله، فجلس السيد علي في الوسط، ووقف الأبناء والأحفاد حوله، وبدأت الأسئلة القرآنية تتوالى عليهم. طُلب من أحدهم إكمال قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ فتابع الآية كاملة بإتقان، ثم سُئل آخر عن آيات من سورة التوبة فقرأ قوله تعالى: ﴿وإذا ما أُنزِلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد…﴾ حتى ختمها دون تردد. وبعده تلا أحد الأبناء آياتٍ من قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾، كما قرأ أحد الأحفاد مقطعًا من سورة الواقعة: ﴿إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين﴾. وقد كان اللافت أن كل سؤال كانت توجهه اللجنة يجد من العائلة من يجيب عنه مباشرة بثقةٍ وإتقان، حتى علّق مقدّم البرنامج قائلًا إن ذاكرة هذه العائلة القرآنية حاضرة بقوة، وإن التربية التي نشأوا عليها جعلت القرآن جزءًا من حياتهم اليومية. ولم يكن المشهد مقتصرًا على الأبناء الكبار؛ فقد شاركت الحفيدة الصغيرة «محدّثة»(همست في أذن جدها علي لماذا لا يسألونني؟ فسمع ذلك اعضاء اللجنة ولبوا نداء الطفلة) بتلاوة سورة الشمس كاملة أمام الحضور، فنالت إعجاب اللجنة وتصفيق الجمهور. وهكذا بدا واضحًا أن ما بدأ بقصة برٍّ بوالدٍ تحوّل عبر السنين إلى أسرةٍ كاملة تربّت على القرآن، حتى صار الامتحان العلني أمام لجنة التحكيم شهادةً حيّة على نجاح تلك التربية المباركة.

مشهد مؤثر

في نهاية اللقاء سُئل السيد علي عن زوجته التي كان من المفترض أن تحضر معه، فقال بصوت حزين: لقد توفيت زوجتي قبل أيام، واليوم يوافق مرور أربعين يومًا على وفاتها. ساد الصمت القاعة، وقال متأثرًا: كانت هي التي تولت تربية البنات وساهمت في تربية الأحفاد أيضًا، رغم أنها لم تدرس في المدرسة إلا شهرين فقط، ولو تحدثت عن فضلها الآن لعجز لساني. ثم ختم كلامه بكلمات مؤثرة: الحياة ليست إلا ذكريات… ذكريات لأحبّة رحلوا عنا وأحبّة ما زالوا معنا. فلنذكر دائمًا آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا ومعلمينا وكل من كان له فضل علينا، ونقول لهم: مكانكم عند الله خير من مكاننا هنا… فادعوا لنا.


رابط الحلقة :

https://www.youtube.com/watch?v=8IY-d_p22yc&t=1112s


مقالات ذات الصلة

 https://dr-achbani.com/غياب-التنوع-البيئي-أو-الاجتماعي-اضرار/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى