وهم التفوق في التصعيد: قراءة واقعية في حرب قد تعيد تشكيل النظام الدولي

مدير البحث سابقا بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب و صحفي مهني علمي
الملخص
في ظلّ التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، يبرز مشهد يثير كثيرًا من التساؤلات حول مدى التزام القوى الكبرى بالقواعد التي قامت عليها المنظومة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، واستهداف قياداتها العسكرية وتدمير أجزاء من بنيتها التحتية داخل دولة ذات سيادة، أعادت إلى الواجهة سؤال الشرعية الدولية وحدود استخدام القوة. ويلاحظ كثير من المراقبين أن المؤسسات الدولية التي أُنشئت أساسًا لحفظ السلم والأمن العالميين بدت عاجزة عن إدانة هذه العمليات أو الحد منها، رغم ما تحمله من مخاطر توسع الصراع وتهديد الاستقرار العالمي. وقد أدت هذه السياسات إلى إدخال المنطقة، بل والعالم، في مسار تصعيدي معقّد، خاصة مع ما تملكه إيران من قدرات عسكرية وعقائدية تجعل أي مواجهة طويلة محفوفة بتداعيات اقتصادية وجيوسياسية واسعة.
في هذا السياق يأتي الحوار التحليلي الذي أجراه الكاتب والصحفي النرويجي Glenn Diesen، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنوب شرق النرويج ومقدم البرنامج، مع John Mearsheimer، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وأحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية. ويركز الحوار على طبيعة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، واحتمالات التصعيد العسكري وتداعياته الاستراتيجية. ويؤكد ميرشايمر أن الاعتقاد بامتلاك الولايات المتحدة «تفوقًا دائمًا في التصعيد» هو تصور مضلل، لأن إيران تمتلك القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية النفطية ومحطات التحلية في دول الخليج، وهو ما قد يسبب صدمة كبرى للاقتصاد العالمي. كما يشير إلى أن الاعتماد المفرط على القوة الجوية والقصف الاستراتيجي نادرًا ما يحقق نصرًا حاسمًا في الحروب، مستشهدًا بدروس تاريخية من الحرب العالمية الثانية وفيتنام والعراق. ويتطرق الحوار كذلك إلى أدوار القوى الكبرى الأخرى، ولا سيما روسيا والصين، وإلى التأثير المحتمل للحرب على أسواق الطاقة والنظام الدولي. كما يناقش الطرفان الموقف الأوروبي، حيث يرى ميرشايمر أن اعتماد أوروبا شبه الكامل على الولايات المتحدة يضعف قدرتها على حماية مصالحها، داعيًا إلى تنويع شراكاتها الدولية. ويخلص الحوار إلى أن استمرار التصعيد قد يقود إلى حرب طويلة ذات تداعيات عالمية واسعة، في وقت يبدو فيه أن الطريق إلى مخرج سياسي واضح ما يزال بعيدًا.
Summary (English)
Amid the profound transformations currently reshaping the international order, a troubling picture emerges regarding the commitment of major powers to the rules upon which the global system was built after the Second World War. The attacks carried out by the United States and Israel against Iran, including the targeting of military leaders and the destruction of parts of its infrastructure within a sovereign state, have once again raised fundamental questions about international legality and the limits of the use of force. Many observers note that the international institutions originally created to safeguard global peace and security appear largely unable to condemn or restrain such actions, despite the risks they pose for regional escalation and global instability. These policies have pushed the region—and potentially the world—into a complex path of escalation, particularly given Iran’s military capabilities and ideological resilience, which make any prolonged confrontation fraught with major economic and geopolitical consequences. Within this context comes the following analytical dialogue conducted by the Norwegian journalist and scholar Glenn Diesen, professor of international relations at the University of South-Eastern Norway and host of the program, with John Mearsheimer, professor of political science at the University of Chicago and one of the most prominent theorists of realist thought in international relations.
The conversation focuses on the ongoing conflict involving the United States, Israel, and Iran, examining the dynamics of escalation and its broader strategic implications. Mearsheimer argues that the assumption that the United States enjoys permanent “escalation dominance” is misleading. Iran, he explains, possesses the capability to inflict severe damage on oil infrastructure and desalination facilities in the Gulf states—an outcome that could trigger major disruptions in the global economy. He further emphasizes that excessive reliance on air power and strategic bombing rarely produces decisive victories in war, drawing on historical lessons from World War II, Vietnam, and Iraq. The discussion also addresses the role of other major powers, particularly Russia and China, as well as the potential impact of the conflict on global energy markets and the broader international system. The European position is likewise examined, with Mearsheimer arguing that Europe’s near-total dependence on the United States weakens its ability to defend its own interests, urging instead a diversification of international partnerships. The dialogue ultimately concludes that continued escalation could lead to a prolonged conflict with far-reaching global consequences, at a time when a clear political exit from the crisis still appears distant.
الكلمات المفتاحية / Keywords
التصعيد العسكري – Escalation dynamics | توازن القوى – Balance of power | النظام الدولي – International order
نص الحوار الكامل
غلين ديزن: مرحبًا بعودتك معنا مرة أخرى اليوم، البروفيسور جون ميرشايمر، لمناقشة الحرب الجارية ضد إيران، والتي يبدو بوضوح أنها لا تسير كما كان مخططًا لها في البداية.

جون ميرشايمر: شكرًا جزيلًا على دعوتي مجددًا. من دواعي سروري أن أكون معكم. وكما ذكرت، فإن الحرب بالفعل لا تسير بالطريقة التي كان يأملها الرئيس دونالد ترامب. لكنها في الواقع تسير على نحو قريب مما توقعه كثيرون قبل اندلاعها. فترامب نفسه تلقّى عددًا كبيرًا من التحذيرات قبل أن يقرر المضي في هذا المسار. اليوم، لا يزال الاتجاه الذي يمكن أن تتخذه هذه الحرب غير واضح. ونرى في الوقت نفسه تقارير صادرة عن وسائل إعلام أمريكية تشير إلى أن إسرائيل نفسها بدأت تشعر بالقلق؛ فهي لا تعتقد أن إيران ستنهار، ولا ترى أن طهران ستستسلم بسهولة. وإذا كان عامل الزمن يعمل لصالح إيران، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يستمر هذا المسار؟ صحيفة وول ستريت جورنال ذكرت أيضًا أمرًا مشابهًا، حيث أشارت إلى أن مستشاري ترامب يبحثون عن مخرج سريع من هذه الحرب. لكن السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام نهاية محتملة للحرب؟ أم أن إيران لن تسمح بإنهائها بهذه السهولة؟ من الواضح أن الحرب لا تسير على نحو جيد بالنسبة للولايات المتحدة. وأعتقد أن الرئيس ترامب يرغب بالفعل في إنهائها، غير أن المشكلة التي يواجهها تتمثل في غياب مخرج واضح ومناسب. في تقديري، لا يستطيع أحد أن يروي قصة مقنعة عن كيفية إنهاء هذه الحرب في الظروف الحالية.


لو كانت الولايات المتحدة قد هزمت إيران هزيمة حاسمة، كما حدث مع ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية في الحرب العالمية الثانية، لكان بالإمكان القول إن الحرب انتهت بانتصار واضح، وأن المنتصر يستطيع فرض شروطه على الطرف المهزوم. لكن هذا لم يحدث هنا. لم يتحقق أي نصر حاسم. والأهم من ذلك أن الإيرانيين لديهم دافع قوي لمواصلة القتال وتحويل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، كما أنهم يمتلكون الوسائل التي تمكنهم من القيام بذلك. وهنا يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن للرئيس ترامب أن يدفع إيران إلى الموافقة على إنهاء الحرب؟ عندما تستمع أحيانًا إلى بعض التصريحات داخل الإدارة الأمريكية، يتولد لديك انطباع بأن الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل – هي الطرف الوحيد الذي يتحكم في مسار الأحداث: نحن من نقرر متى تبدأ الحرب، ومتى تنتهي، وما هي الشروط التي يجب أن يقبل بها الإيرانيون. هذا هو التصور الذي يظهر في كثير من الخطابات داخل الإدارة. لكن الواقع مختلف تمامًا؛ فالإيرانيون أيضًا طرف فاعل في هذه المعادلة، ولهم كلمتهم في ما يجري. والسؤال الحقيقي هو: كيف يمكن إقناعهم بوقف القتال؟
يمتلك الإيرانيون في هذه الحرب أوراق ضغط مؤثرة، ولا يبدو أنهم مستعدون لإنهائها وفق الشروط الأمريكية من دون مقابل. فهم يسعون إلى انتزاع مكاسب واضحة من أي تسوية محتملة، سواء في صورة تخفيف للعقوبات أو تعويضات أو ضمانات أخرى. ولهذا يُتوقع أن يخوضوا أي تفاوض بقدر كبير من الصلابة، خاصة أن استمرار الحرب يضاعف حرج الطرف الآخر ويزيد حاجته إلى مخرج سريع.

قد يقول البعض إن الولايات المتحدة وإسرائيل تمارسان ضغطًا عسكريًا شديدًا على إيران إلى درجة قد تدفعها إلى الاستسلام. وقد صرّح بيت هيغسيث بأن هذا اليوم قد يشهد أعنف موجة قصف تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فلنفترض أن هذا صحيح، وأن العقاب العسكري اليوم سيكون أشد من أي يوم خلال الأيام الأحد عشر الماضية من الحرب. لكن هل يعني ذلك أن الإيرانيين سيرفعون الراية البيضاء ويستسلمون؟ أنا لا أعتقد ذلك. في تقديري، إيران مستعدة لتحمل قدر كبير من الضربات والعقوبات العسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل. ويمكن للطرف الآخر أن يواصل الضغط، لكن هذا لا يعني أن الإيرانيين سيستسلمون. على العكس من ذلك، يبدو أنهم مستعدون لرفع مستوى الرهان من جانبهم. فكلما صعد الطرف الآخر درجة في سلم التصعيد، سيصعد الإيرانيون درجة مقابلة. وإذا بدأ تدمير البنية التحتية الحيوية داخل إيران، فمن المرجح أن يرد الإيرانيون بتدمير البنية التحتية الحيوية في دول الخليج وفي إسرائيل أيضًا. ولديهم القدرة على ذلك؛ فهم يمتلكون عددًا كبيرًا من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وكثير منها يتمتع بدرجة عالية من الدقة. كما أنهم يعملون في بيئة مليئة بالأهداف المحتملة، حيث يمكنهم استهداف منشآت اقتصادية واستراتيجية مهمة وضعيفة نسبيًا بسهولة. وبالتالي، فإن لدى الإيرانيين ورقة قوية في هذه الحرب، وليس لديهم دافع حقيقي لإنهائها بالشروط الأمريكية. لديهم مصلحة واضحة في الحصول على مقابل في أي تسوية محتملة، مثل تخفيف العقوبات أو الحصول على تعويضات، أو غير ذلك. ولهذا فإنهم سيفاوضون بشدة. وكلما طال أمد الحرب، ازداد اليأس لدى الطرف الآخر من إيجاد مخرج سريع لها.
لذلك، في الوقت الراهن، لا أرى مخرجًا واضحًا للرئيس ترامب من هذه الحرب. أتمنى أن أكون مخطئًا، وأتمنى أن يكون هناك عامل لم ألحظه يمكن أن يؤدي إلى وقف القتال، لكن حتى الآن لم يقدم لي أحد رواية منطقية ومقنعة حول كيفية انتهاء هذه الحرب في المستقبل القريب. أود أن أضيف نقطة أخيرة. إذا أصبحت آثار هذه الحرب كبيرة على الاقتصاد العالمي، وإذا بدا بوضوح أننا نتجه نحو حافة الهاوية، فمن المرجح أن تسعى الولايات المتحدة عندها إلى إنهاء الحرب. لكن حتى في هذه الحالة لن يكون ذلك نصرًا؛ بل سيبدو وكأنه تنازل أمام الإيرانيين.

غلين ديزن: ما تصفه يذكّر بالصورة التي كانت الولايات المتحدة تتمنى أن يكون عليها العالم. كان يُعتقد أن واشنطن تمتلك ما كان يسمى «تفوق التصعيد»، أي القدرة على التحكم في مستوى التصعيد أو التهدئة. كان هذا التصور منطقيًا في زمن كانت فيه الولايات المتحدة في موقع هيمنة مريحة، تستطيع معه أن تحدد متى تبدأ الحرب، ومن يشارك فيها، وما هي الأهداف التي يسمح بضربها، ومتى تنتهي. لكن يبدو أن إيران لا تستطيع ببساطة إنهاء هذه الحرب بقبول وقف إطلاق النار الآن. فمخاوفها الكبرى – على غرار ما يشعر به الروس في صراعهم مع الغرب – تتمثل في احتمال أن تعود الولايات المتحدة بعد أشهر قليلة إلى المواجهة من جديد. فعلى سبيل المثال، إذا نظرنا إلى الصراع الروسي مع اوكرانيا، نجد أن موسكو إذا لم تحصل على اتفاق يضمن أمنها، فإنها تسعى إلى السيطرة على أراضٍ إضافية لتأمين نفسها. وبالمثل، إذا لم تحصل إيران على اتفاق يمنحها ضمانات كافية بأن هذا السيناريو لن يتكرر، فقد تسعى بدورها إلى تحقيق مكاسب استراتيجية، مثل تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة أو إضعاف دول الخليج. ربما استخدمت كلمة «محتمل»، لكن ربما ليست الكلمة الأدق هنا. برأيك، ما مدى تعرض دول الخليج للخطر في هذا السيناريو؟
السعودية تحصل على نحو 70% من مياهها من محطات التحلية، بينما تصل النسبة في الكويت إلى نحو 90%، وفي عُمان إلى نحو 60%.
جون ميرشايمر: في الحقيقة، دول الخليج معرضة لخطر كبير. أولًا، لديها عدد محدود جدًا من المنشآت النفطية التي تتم فيها معالجة النفط والغاز الطبيعي المسال. والبنية التحتية للطاقة هناك هشة نسبيًا، ما يجعلها أهدافًا كبيرة وسهلة الاستهداف. ولا شك أن الإيرانيين يمتلكون القدرة على ضرب هذه المنشآت وتدميرها في مختلف دول الخليج بسهولة نسبية، نظرًا لامتلاكهم صواريخ باليستية قصيرة المدى وطائرات مسيّرة قادرة على تنفيذ مثل هذه الهجمات. لكن هناك مجموعة أخرى من الأهداف التي لا تقل أهمية، بل ربما تكون أكثر حساسية، وهي محطات تحلية المياه. فدول الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على المياه العذبة المنتجة من هذه المحطات. قرأت قبل فترة أن محطة تحلية واحدة تخدم مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، وأن توقفها قد يعني فقدان نحو 90% من المياه التي تعتمد عليها المدينة. وبشكل عام، يبدو أن السعودية تحصل على نحو 70% من مياهها من محطات التحلية، بينما تصل النسبة في الكويت إلى نحو 90%، وفي عُمان إلى نحو 60%. هذا يعني أن هذه الدول تعتمد اعتمادًا هائلًا على محطات التحلية، والمياه بطبيعة الحال مورد لا يمكن الاستغناء عنه للحياة. وإذا استُهدفت هذه المحطات، فإن ذلك سيخلق وضعًا بالغ الخطورة.
إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تملك دائمًا اليد العليا في سلّم التصعيد، وأن بوسعها إخضاع إيران كلما رفعت مستوى المواجهة، هو تصور مضلل. فإيران تمتلك بدورها قدرة معتبرة على إيقاع أضرار واسعة، ولا سيما في دول الخليج، بما قد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل كلفة التصعيد مرتفعة على جميع الأطراف.
إذن لدينا نوعان من الأهداف الحساسة: محطات التحلية، ومنشآت النفط. وكلاهما محدود العدد وسهل الاستهداف نسبيًا، ما يجعل ضربهما أمرًا ممكنًا. وبكلمات أخرى، تستطيع إيران أن تلحق أضرارًا جسيمة باقتصادات دول الخليج، بل قد تُحدث دمارًا واسعًا في مدن كبرى مثل أبوظبي. أما إذا انتقلنا إلى إسرائيل، فلا أعتقد أن إيران قادرة على تدميرها بالطريقة نفسها. لكن مع مرور الوقت، ومع احتمال نفاد الصواريخ الاعتراضية لدى إسرائيل – أي تلك التي تُستخدم لاعتراض الصواريخ الباليستية – فإن حجم الضرر الذي قد تلحقه إيران بإسرائيل يمكن أن يصبح كبيرًا جدًا. في الواقع، من الواضح بالفعل أن إيران تضرب إسرائيل حاليًا، ومن المرجح أن تزداد هذه الضربات مع مرور الوقت. لهذا السبب أعتقد أن الإيرانيين يمتلكون بالفعل خيارات حقيقية في هذا الصراع. أما الفكرة القائلة إن الولايات المتحدة تمتلك دائمًا تفوقًا في التصعيد، وأنها تستطيع هزيمة إيران كلما ارتفعت درجات التصعيد، فهي في رأيي فكرة مضللة. فإيران تمتلك نوعًا من القدرة على «الدمار المتبادل»، بمعنى أنها تستطيع إلحاق أضرار جسيمة بدول الخليج، وهو ما سيؤثر بدوره بشكل كبير على الاقتصاد العالمي. ومن المؤكد أن الرئيس ترامب ومستشاريه بدأوا يدركون هذه الحقيقة. وهذا، في تقديري، أحد الأسباب التي تدفع واشنطن اليوم إلى البحث عن مخرج من هذه الحرب. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يوجد أصلًا مخرج في هذه المرحلة؟ في رأيي، لا يبدو ذلك مرجحًا في الوقت الراهن، إذ يُتوقع أن تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل سياسة التصعيد، انطلاقًا من الاعتقاد بأن رفع مستوى الضغط العسكري قد يفرض حلًا في نهاية المطاف. وقد عبّر عن هذا المنحى وزير الدفاع بيت هيغسيث عندما صرّح بأن هذا اليوم سيكون الأشد قسوة في توجيه الضربات إلى إيران حتى الآن. غير أن المشكلة تكمن في أن التصعيد لا يجري في اتجاه واحد؛ فإذا ارتفع من جانب، فإن إيران قادرة على الرد بالمثل. فطهران تمتلك وسائل يمكنها من خلالها إلحاق أضرار كبيرة بدول الخليج والتأثير في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل أي تصعيد متبادل مرشحًا لزيادة المخاطر دون أن يضمن تحقيق نتيجة حاسمة للولايات المتحدة أو لإسرائيل.
غلين ديزن: بما أن دول الخليج تبدو معرضة للخطر، فإن من اللافت أن الولايات المتحدة اختارت التصعيد من خلال استهداف محطة تحلية داخل إيران. فذلك يمنح إيران، من الناحية المنطقية، مبررًا للرد بالمثل، دون أن تُعد هي الطرف البادئ بالتصعيد. لكن إلى أي مدى يُعد جانب الطاقة مهمًا في هذا الصراع؟ كثير من المحللين يربطون القضية بالنظام المالي الدولي بأكمله، وخاصة بمنظومة «البترودولار». ويبدو أن هذا كان أحد مصادر القلق داخل إدارة ترامب. كما أن هناك حديثًا متكررًا عن احتمال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهو ما دفع ترامب إلى القول إن الولايات المتحدة قد ترد بضربات مضاعفة. كما نسمع تصريحات أوروبية تتحدث عن استعداد للمساعدة في تأمين الملاحة في المضيق. فإلى أي مدى يمثل ملف الطاقة عاملًا حاسمًا هنا؟

جون ميرشايمر: قضية الطاقة بالغة الأهمية. فحوالي 20% من النفط والغاز في العالم يمر عبر الخليج الفارسي. ولهذا يدرك الجميع أن تحول هذا الصراع إلى حرب طويلة سيؤدي إلى نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الرئيس ترامب يبحث عن مخرج. هو يتحدث كثيرًا عن فتح مضيق هرمز، لكنني أقول بصراحة: لو كان الأمر بهذه السهولة لكنا فعلناه منذ زمن. في الواقع، لا أعتقد أن الولايات المتحدة قادرة ببساطة على فتح المضيق. قبل فترة قصيرة تحدث الرئيس ترامب عن فكرة مرافقة ناقلات النفط في الخليج الفارسي، لكن البحرية الأمريكية أوضحت له بوضوح أن ذلك غير ممكن عمليًا، لأن السفن الحربية الأمريكية نفسها ستكون عرضة لخطر كبير. ثم إن هناك نقطة أخرى مهمة: إذا دُمّرت البنية التحتية النفطية في دول الخليج، فلن يكون لفتح المضيق أو إغلاقه أي معنى، لأنه ببساطة لن يكون هناك نفط يُصدَّر أصلًا. وإذا تعرضت محطات التحلية والمنشآت النفطية في دول الخليج للتدمير، فإن ذلك قد يؤدي عمليًا إلى انهيار هذه الدول نفسها. الفكرة الأساسية هنا أن الإيرانيين يمتلكون خيارات حقيقية. يمكنهم الرد بقسوة، وستكون النتائج مدمرة بالنسبة لدول الخليج. ولذلك فإن مسألة فتح المضائق لن تكون حاسمة في نهاية المطاف. وفي جميع الأحوال، لا أعتقد أننا سنتمكن من فتحها بسهولة، ولا أظن أننا سنخاطر بوضع سفن حربية بشكل مكثف داخل الخليج. لهذا السبب أرى أن الإيرانيين يمتلكون في هذه اللحظة قدرًا مهمًا من زمام المبادرة في هذا الصراع.
غلين ديزن: إذا سمحت لي، أود أن أعود إلى نقطة تاريخية مرتبطة بما ذكرته قبل قليل حول السيطرة على التصعيد ودور القوة الجوية. قبل الحرب العالمية الأولى، لم يكن هناك بعدٌ جوي للحروب؛ كانت المواجهات تُخاض بين الجيوش والبحريات. لكن خلال الحرب العالمية الأولى بدأ استخدام الطيران العسكري لأول مرة على نطاق واسع. وبعد الحرب، في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بدأت الدول تؤسس قوات جوية مستقلة. هذه القوات ركزت بشكل كبير على فكرة القصف الاستراتيجي بعيد المدى. وكان الاعتقاد السائد آنذاك – بين كثير من المفكرين العسكريين – أن القوة الجوية وحدها يمكن أن تحسم الحروب دون الحاجة إلى قتال بري أو بحري.
جون ميرشايمر: صحيح، وقد جُرّبت هذه الفكرة بالفعل خلال الحرب العالمية الثانية، ثم اختُبرت مرارًا بعد ذلك. ولا يزال بعض الناس حتى اليوم يعتقدون أن القوة الجوية الاستراتيجية قادرة على تحقيق إنجازات حاسمة بمفردها. لكن الحقيقة أن هناك حدودًا واضحة لما يمكن أن تحققه القوة الجوية وحدها. لا شك أن امتلاك قوة جوية قوية أمر ضروري في أي حرب، كما أن القصف الاستراتيجي قد يساعد أحيانًا في تحقيق النصر. لكن القوة الجوية وحدها لا تستطيع كسب الحروب، وهذه حقيقة يثبتها التاريخ بوضوح. خذ مثلًا ما حدث في العراق عام 2003. قبل دخول القوات البرية، شنّت الولايات المتحدة حملة قصف جوي مكثفة فيما عُرف باستراتيجية «الصدمة والرعب». لكن، رغم ذلك، لم يتحقق النصر الحاسم إلا بعد إرسال القوات البرية والسيطرة على الأرض. أما في الحالة الحالية، فنحن أمام حملة عسكرية تعتمد تقريبًا بالكامل على القوة الجوية، دون وجود قوات برية. الحديث كله يدور حول القصف الاستراتيجي، بما في ذلك فكرة «قطع الرأس» التي طُرحت في المراحل الأولى من الحرب. وعندما يتحدث المسؤولون اليوم عن التصعيد خطوة بعد خطوة – وعندما يقول بيت هيغسيث إن الولايات المتحدة ستعاقب إيران اليوم أكثر من أي يوم مضى – فإن ما يقصدونه فعليًا هو محاولة الفوز بالحرب من خلال القوة الجوية الاستراتيجية وحدها. لكن السجل التاريخي واضح: لا يمكنك كسب الحروب، خاصة ضد خصوم أقوياء، بالاعتماد على القوة الجوية وحدها. في هذه الحالة، لا توجد قوات برية، والرئيس ترامب لا يريد نشر قوات على الأرض. ولا أعتقد أن الولايات المتحدة مستعدة لغزو إيران بالطريقة التي غزت بها العراق. ولذلك، ليس أمامها سوى الاعتماد على القصف الجوي. ولا شك أن الولايات المتحدة وإسرائيل إذا أطلقتا كامل قوتهما الجوية ضد إيران، فسيكون بإمكانهما إلحاق أضرار هائلة بها. سيقع دمار كبير بلا شك. لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الدول تستطيع تحمّل قدر كبير من هذا النوع من العقاب. لقد رأينا ذلك في الحرب العالمية الثانية، وفي كوريا، وفي فيتنام. يمكن توجيه ضربات مدمرة للمدنيين والبنية التحتية، ومع ذلك تستمر الدول في القتال.
وعلاوة على ذلك، من غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة من تدمير جميع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية. ولذلك سيستمر الإيرانيون في إطلاق هذه الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل، ونحو دول الخليج، وربما نحو الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة. لهذا السبب، أعتقد أن القصف الاستراتيجي وحده لن يحقق نصرًا حاسمًا – إلا إذا حدثت معجزة. وأنا شخصيًا لا أؤمن بالمعجزات. أتمنى أن أكون مخطئًا، وأتمنى أن تنتهي الحرب قريبًا، لكنني لا أرى أن ذلك مرجح، والتاريخ يدعم هذا التقدير. ولهذا عندما يتحدث بيت هيغسيث أو الرئيس ترامب عن «تفوق التصعيد» وعن إمكانية هزيمة إيران عبر ضربات أشد فأشد، فلا ينبغي تصديق ذلك بسهولة. هذا النهج لم ينجح في الماضي، ولا يوجد سبب يدعو للاعتقاد بأنه سينجح الآن.
غلين ديزن: إذن المشكلة الأساسية هي: كيف يمكن إيقاف الحرب بعد أن تبدأ؟
جون ميرشايمر: تمامًا. يقال إن المستشار الألماني أوتو فون بسمارك قال مرة إن من السهل إخراج الدب الروسي من عرينه، لكن من الصعب جدًا إعادته إليه. ويمكن قول الشيء نفسه عن الإيرانيين هنا. ربما لم يكونوا يرغبون أصلًا في هذه الحرب، لكن بعد أن بدأت، فإن إنهاءها بشروط تسمح بتكرارها مرة أخرى سيكون بالنسبة لهم خطرًا كبيرًا. ولهذا السبب سيحاولون بكل قوة ضمان ألا تنتهي هذه الحرب بطريقة تعيدهم إلى نقطة الضعف نفسها في المستقبل.
غلين ديزن: من دون المبالغة في المقارنة مع الحالة الروسية مرة أخرى، يبدو أن الهدف الأساسي لإيران الآن هو استعادة قوة الردع لديها، بحيث تضمن ألا يتكرر هذا السيناريو مرة أخرى في المستقبل. لكن إذا أخذنا المقارنة مع العراق، فإن الوضع مختلف تمامًا. فحتى لو قرر أحد إرسال قوات برية، فإن إيران دولة أكبر بكثير. مساحتها تقارب أربعة أضعاف مساحة العراق، وعدد سكانها يقارب ضعف عدد سكانه. نحن نتحدث عن دولة ضخمة جدًا. ولهذا يبدو من الغريب تصور أن إرسال عدد محدود من الجنود يمكن أن يؤدي إلى السيطرة عليها. صحيح أنه يمكن إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية وإحداث دمار واسع، لكن عندما يتعلق الأمر بتحقيق هدف سياسي واضح – مثل تغيير النظام – فإن الأمر يبدو أقل وضوحًا بكثير. فهل كان هذا سبب سوء التقدير منذ البداية؟ لقد لاحظت مثلًا أن أحد الزعماء السياسيين في النرويج كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن النظام الإيراني قد انهار بمجرد سماع خبر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. وكأن الفكرة تقوم على وجود «رجل شرير واحد» إذا قُتل انهار النظام بالكامل. من الصعب حقًا تصديق هذا النوع من التفكير؛ فهو يبدو تبسيطًا مدهشًا، بل ربما سذاجة سياسية. وما يزيد الأمر غرابة أن بعض القادة السياسيين يتحدثون بهذه الطريقة، ما يعطي الانطباع أحيانًا بأن لا أحد يمسك فعليًا بزمام القيادة.
الحقيقة أن نحو 20% فقط من الشعب الأمريكي كانوا يؤيدون هذه الحرب، بينما كان معظم الأمريكيين إما معارضين أو مترددين، يصبح الدخول في حرب كهذه أمرًا غريبًا بالفعل.
جون ميرشايمر: هناك عدة نقاط مهمة هنا. الاستراتيجية الأساسية التي جرى الحديث عنها سابقًا كانت تقوم أولًا على ما يسمى «استراتيجية قطع الرأس»، أي استهداف القيادة. وإذا لم تنجح هذه الفكرة، فكان التصور أن الضغط العسكري والعقاب الشديد قد يدفعان إيران في النهاية إلى الاستسلام. بعبارة أخرى، كان الاعتقاد السائد أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا في التصعيد، وأنها تستطيع تحقيق أهدافها عبر القوة الجوية وحدها. لكن من المهم الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية تلقت بالفعل تحذيرات واضحة قبل الحرب من جهتين داخل النظام نفسه. فقد أخبر الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة – الذي اختاره الرئيس ترامب شخصيًا وأعاده من التقاعد ورقاه إلى رتبة جنرال بأربع نجوم – أن الولايات المتحدة لا تملك خيارًا عسكريًا قابلًا للتنفيذ لتحقيق هذه الأهداف. وكان ذلك قبل الثامن من فبراير. إضافة إلى ذلك، أعدّ مجلس الاستخبارات الوطني – وهو هيئة تحليلية مستقلة نسبيًا – دراسة قبل الحرب خلصت إلى أن تحقيق تغيير في النظام الإيراني أو إنهاء الحرب بسرعة أمر غير مرجح. بعبارة أخرى، كانت هناك إشارات تحذيرية واضحة للغاية أمام الرئيس. بل يمكن القول إنها كانت «أضواء حمراء» وليست مجرد تحذيرات عادية. ومع ذلك، تم تجاهلها. لدينا أيضًا كم هائل من الدراسات حول الحروب الجوية والعقوبات الاقتصادية ومحاولات تغيير الأنظمة. وهذه الدراسات متاحة لأي شخص يريد الاطلاع عليها. والنتيجة العامة التي يتفق عليها معظم الباحثين واضحة: القوة الجوية وحدها نادرًا ما تحسم الحروب، والعقوبات الاقتصادية لها حدود واضحة، أما تغيير الأنظمة فهو عملية بالغة الصعوبة. في الواقع، يكاد يكون من المستحيل تحقيق تغيير للنظام دون تدخل بري، وحتى مع وجود قوات برية تبقى المهمة شديدة التعقيد. وعندما نجمع كل هذه المعطيات – التحليلات الأكاديمية، وتحذيرات القيادات العسكرية، وتقارير أجهزة الاستخبارات – مع حقيقة أن نحو 20% فقط من الشعب الأمريكي كانوا يؤيدون هذه الحرب، بينما كان معظم الأمريكيين إما معارضين أو مترددين، يصبح الدخول في حرب كهذه أمرًا غريبًا بالفعل. وهنا يبدأ المرء في التساؤل: ماذا كان يفكر الرئيس ترامب حين قرر المضي في هذا الطريق؟ وعندما ننظر إلى الوضع الحالي، فإن ما يحدث اليوم ليس مفاجئًا على الإطلاق. نحن نواجه مأزقًا حقيقيًا، ولا يوجد طريق واضح للخروج منه. بل إن ما يحدث يتماشى إلى حد كبير مع ما يخبرنا به التاريخ.
خذ مثلًا الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا في شهر يونيو الماضي، والتي دارت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. في تلك الحرب، كان الطرف الذي سعى إلى إنهائها بعد اثني عشر يومًا هو الجانب الأمريكي والإسرائيلي، وليس الإيرانيين. استراتيجية «قطع الرأس» لم تنجح آنذاك، كما أن فكرة التفوق في التصعيد لم تثبت فعاليتها. ولهذا يمكن التساؤل: ما الدليل الذي كان ينبغي أن يظهر قبل الثامن والعشرين من فبراير ليقنع صناع القرار بأن هذه الفكرة كانت خاطئة؟ ومع ذلك، دخل ترامب في هذه المغامرة، بدفع وتشجيع واضحين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وعد بانتصار سريع وحاسم. واليوم نجد أنفسنا مرة أخرى في الوضع نفسه.
تُظهر تصريحات دونالد ترامب نمطًا من التفكير يقوم على تصورات مبسطة وغير دقيقة للواقع، حيث يكرر أحيانًا معلومات خاطئة أو مبالغًا فيها حول القدرات العسكرية والوقائع الميدانية. ويشير ذلك إلى أسلوب في اتخاذ القرار يميل إلى الحدس والانطباعات الشخصية أكثر من التحليل الاستراتيجي المنهجي، الأمر الذي قد يجعله أكثر قابلية للتأثر بوعود الانتصارات السريعة أو الروايات المتفائلة التي يقدمها بعض الحلفاء.
غلين ديزن: هذه نقطة مهمة بالفعل. فهي تجعل القضية تبدو أكثر غرابة. لقد شهدنا حربًا مماثلة في يونيو الماضي استمرت اثني عشر يومًا، وظهرت فيها المشكلات نفسها، خاصة مسألة نقص الذخائر والقدرات العسكرية، وهو ما دفع الأطراف إلى إنهائها سريعًا. لكن بما أن تلك الحرب كانت تدور أساسًا بين إسرائيل وإيران، فقد تكون طهران آنذاك أكثر استعدادًا لقبول وقف القتال. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل من المعقول أن الولايات المتحدة لم تكن أكثر استعدادًا هذه المرة؟ لقد سمعنا أن الاستعدادات العسكرية كانت تكفي لأسابيع قليلة فقط. وربما افترض البعض أنه إذا لم تنجح العملية يمكن إنهاؤها بعد اثني عشر يومًا مرة أخرى، كما حدث سابقًا.
جون ميرشايمر: هنا نفترض أن الرئيس ترامب يتخذ قراراته بطريقة عقلانية ومنهجية، كما قد نفعل نحن لو كنا نقود دولنا إلى الحرب. لكن الواقع أن هذا ليس أسلوبه. إذا استمعت إلى خطابه، ستلاحظ أنه كثيرًا ما يعتمد على تصورات ذهنية لا علاقة لها بالواقع. في بعض الأحيان يكرر معلومات غير صحيحة ببساطة، وإذا كان يصدقها بالفعل، فمن السهل فهم كيف يمكن أن يقوده ذلك إلى قرارات خاطئة. فهو مثلًا قال مؤخرًا إن الأسلحة الإيرانية غير دقيقة على الإطلاق. لكن هذا غير صحيح؛ فإيران تمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة عالية الدقة. صحيح أن ليس كل الصواريخ الباليستية دقيقة، لكن كثيرًا منها كذلك، ومعظم الطائرات المسيّرة تتمتع بدقة كبيرة. ثم زاد الأمر غرابة حين قال إن إيران تمتلك صواريخ «توماهوك»، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق. كما تحدث عن أن الولايات المتحدة دمرت القدرات النووية الإيرانية بالكامل العام الماضي، وكأنها محتها من الخريطة. لكن المعلومات اللاحقة أظهرت أن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% الذي كانت إيران تمتلكه قبل حرب الاثني عشر يومًا لم يتم تدميره. لذلك من الصعب معرفة ما الذي يدور فعلًا في ذهنه. لكن من الواضح أن كثيرًا من التصورات التي يعتمد عليها لا تتطابق مع الواقع. وفي مثل هذا السياق، يصبح من السهل فهم كيف يمكن لشخص مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يؤثر عليه، وأن يقنعه بأن تحقيق نصر سريع وحاسم أمر ممكن.
وعلى أي حال، إذا كان هناك شخص واحد ظل يروّج لفكرة أن كل شيء سيسير بطريقة شبه سحرية، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل ستعيشان في أمان وراحة بعد نصر عسكري سريع على إيران، فهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فمنذ زمن طويل، وهو يجادل بأن النظام الإيراني ضعيف، وأن كل ما ينبغي فعله هو توجيه ضربة قوية إليه، وعندها سيسقط. ويبدو أنه كان يعتقد أن قادة أكثر اعتدالًا سيتولون الحكم في إيران بعد ذلك، وأنهم سيكونون أكثر استعدادًا للتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان منطقه، كما كرره مرارًا، أن المطلوب فقط هو امتلاك الشجاعة لتوجيه ضربة قاسية لإيران، واتباع استراتيجية تؤدي إلى تغيير النظام هناك. ونتنياهو، منذ سنوات، يحاول دفع الولايات المتحدة إلى هذا المسار، ويغريها بحرب ضد إيران على أساس أنها ستكون نصرًا كبيرًا وسريعًا. لكن الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوا ترامب، بمن فيهم جو بايدن، تجنبوا الوقوع في هذا الفخ، لأنهم أدركوا أنه بالفعل فخ، وأنه لا توجد ضمانة لتحقيق نصر سريع وحاسم. لكن يبدو أن نتنياهو نجح هذه المرة في إقناع الرئيس ترامب، أو ربما خداعه، بأن النصر سيكون سريعًا وحاسمًا. والحقيقة هي أننا لم نحقق لا نصرًا سريعًا ولا نصرًا حاسمًا.
غلين ديزن: أعتقد أن إحدى المفارقات الكبرى هنا أن النقاش كله كان يدور حول أن الإيرانيين قد يتصرفون بطريقة غير عقلانية، بينما نحن نشهد الآن نوعًا من الخطاب المنفلت الصادر من البيت الأبيض. فخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، رأينا الرئيس ترامب يدّعي أن الإيرانيين أخبروا ستيف ويتكوف أنهم مصرّون على تطوير أسلحة نووية مهما حدث، وأن إيران كانت على وشك السيطرة على الشرق الأوسط كله لو لم تُهاجم أولًا، بل زعم أيضًا أن الولايات المتحدة لم يكن أمامها سوى أيام معدودة قبل أن تبادر إيران إلى مهاجمتها. ثم جاءت حادثة قصف مدرسة البنات، التي قُتلت فيها عشرات الفتيات الصغيرات. ومنذ البداية، بدا لي – وأظن أن هذا افتراض منطقي – أن ما حدث ربما كان خطأً مأساويًا، إذ يصعب تصور أن أحدًا يمكن أن يستهدف عمدًا مدرسة مليئة بالأطفال. لكن الخطاب الرسمي بدا مرتبكًا ومتناقضًا على نحو غريب. في البداية قيل إن المسؤول صاروخ إيراني، ثم ظهرت رواية أخرى تتحدث عن صاروخ توماهوك، ثم بدأ الخطاب يتغير من نفي المسؤولية الإيرانية المباشرة إلى تلميحات غامضة توحي بإمكانية امتلاك إيران لهذا النوع من الصواريخ. يصعب تخيل أن أي مسؤول جاد يمكن أن يقدم هذا النوع من التفسيرات المتناقضة. صحيح أن الحكومات كثيرًا ما تكذب، لكن ما نراه هنا يبدو وكأنه تجاوز مستوى جديدًا من التلاعب، إلى درجة قد لا تكون فيها مصداقية ترامب وحده هي التي تتآكل، بل مصداقية الولايات المتحدة نفسها. وهذه، حتى إن لم تكن أصلًا ماديًا، تبقى مسألة شديدة الأهمية.

أن الولايات المتحدة، حين تتعامل مع روسيا أو الصين أو إيران، فإنها تتعامل مع قيادات ذكية تعرف كيف تفكر استراتيجيًا. لكن عندما تنظر في المقابل إلى بعض القيادات الأوروبية والأمريكية – وخصوصًا الرئيس ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث – فإنك لا تجد هذا المستوى من الفهم الاستراتيجي، ولا يبدو أنهم يتصرفون دائمًا بطريقة عقلانية أو منضبطة.
جون ميرشايمر: إذا نظرت إلى إيران وروسيا، سواء أحببت أنظمتهما السياسية أم لم تحبها، فإن الأدلة تشير إلى أن القادة هناك يتصرفون بعقلانية ويفكرون بطريقة استراتيجية. خذ فلاديمير بوتين مثلًا. من الصعب جدًا إنكار أنه مفكر استراتيجي من الطراز الأول. قد تختلف معه، وقد ترى أنه أخطأ في غزو أوكرانيا، لكن القول إنه شخص غبي أو منفصل عن الواقع لا معنى له. إنه يفكر بطريقة استراتيجية واضحة للغاية. والشيء نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على القيادة الإيرانية. فإذا استمعت إلى وزير الخارجية الإيراني مثلًا، ستجد شخصًا ذكيًا ومتمكنًا. ليس مطلوبًا منك أن تحب النظام الإيراني، ولا أن تتعاطف معه، لكن من الضروري جدًا، حين تكون في حالة صراع أو حرب مع خصم ما، أن تُقيّمه تقييمًا عقلانيًا ودقيقًا. وإذا كان خصمك ذكيًا وماهرًا، فعليك أن تعترف بذلك وتبني خططك على هذا الأساس.
كل ما أريد قوله هو أن الولايات المتحدة، حين تتعامل مع روسيا أو الصين أو إيران، فإنها تتعامل مع قيادات ذكية تعرف كيف تفكر استراتيجيًا. لكن عندما تنظر في المقابل إلى بعض القيادات الأوروبية والأمريكية – وخصوصًا الرئيس ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث – فإنك لا تجد هذا المستوى من الفهم الاستراتيجي، ولا يبدو أنهم يتصرفون دائمًا بطريقة عقلانية أو منضبطة. بل إن بعض تصريحات الرئيس ترامب، بصراحة، تثير القلق. لأنه يتحدث أحيانًا عن أمور ليست خاطئة فحسب، بل غير معقولة أصلًا. كقوله مثلًا إن إيران تمتلك صواريخ توماهوك. هذا كلام لا أساس له، وهو يكرر من هذا النوع من المزاعم باستمرار. ولذلك، عندما تنظر إلى الصورة العامة من جانبنا، فإنها ليست مطمئنة أبدًا.
غلين ديزن: أنت بالفعل كتبت كتابًا مهمًا حول هذا الموضوع بعنوان: لماذا يكذب القادة؟ الحقيقة بشأن الكذب في السياسة الدولية. وأذكر أن إحدى الأفكار الأساسية في الكتاب كانت أن الكذب نجده غالبًا داخل الديمقراطيات الليبرالية أكثر مما نتخيله عادة. وقد استشهدت بهذا الطرح سابقًا في نقاش حول الدعاية السياسية، لأننا اعتدنا أن نصور الدعاية وكأنها سمة خاصة بالدول السلطوية فقط. لكن إذا عدنا إلى والتر ليبمان وإدوارد بيرنيز وغيرهما من أوائل الباحثين في هذا المجال، سنجد أنهم أشاروا إلى أن انتقال السيادة إلى الشعب داخل الديمقراطيات الليبرالية خلق حاجة أكبر إلى إدارة الرأي العام، وبالتالي ازداد الطلب على الدعاية السياسية. لكن المفارقة أننا أنتجنا دعاية حتى لمفهوم «الدعاية» نفسه، حتى أصبح المصطلح يُستخدم فقط لوصف ما يفعله الآخرون. فكيف تفسر ذلك، خاصة في ضوء هذا الانحدار الواضح في مستوى الخطاب الإعلامي والسياسي؟

جون ميرشايمر: عندما كتبت كتابي عن الكذب، اكتشفت أن الدول نادرًا ما تكذب على بعضها بعضًا. والسبب بسيط: إذا كذبت باستمرار، فإن الكذب يفقد فعاليته. فالكذب لا ينجح إلا إذا كان الطرف الآخر يظن أنك عادة تقول الحقيقة. أما إذا كنت معروفًا بالكذب الدائم، فإن الكذب يصبح أداة عديمة الفائدة. وقد فوجئت حين كتبت الكتاب بأن كثيرين لم يصدقوا هذه الفكرة. لكن ما انتهيت إليه هو أن القادة يكذبون على شعوبهم أكثر مما يكذبون على قادة الدول الأخرى. وهذا يخالف التوقعات الأولى فعلًا، لكنه يصبح منطقيًا عندما تتأمله جيدًا. وكما قلت، لاحظت أيضًا أن القادة في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية يميلون إلى الكذب أكثر من القادة في الأنظمة السلطوية، للأسباب التي ذكرتها قبل قليل، والمتعلقة بإدارة الرأي العام. لكن إذا انتقلنا إلى الرئيس ترامب، فالوضع هنا أكثر تعقيدًا. أولًا، لا أعتقد أنه يكذب دائمًا بالمعنى التقليدي، لأنه في كثير من الحالات يبدو وكأنه يصدق فعلًا ما يقوله، حتى عندما يكون بعيدًا عن الواقع. وهذا في بعض الأحيان أخطر من الكذب نفسه. لن أستغرب مثلًا إذا كان يعتقد حقًا أن إيران تمتلك صواريخ توماهوك. لديه عدد كبير من التصورات الخاطئة الراسخة في ذهنه. وهذه هي النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية، فهي أنني أعتقد بالفعل أنه يقول أيضًا كثيرًا من الأكاذيب. بل يمكن للمرء أن يجادل بأنه يكذب باستمرار تقريبًا. لكنه يكذب بطريقة غير فعالة، لأن الجميع يعرف أنه يكذب. فهو غالبًا يقول ما يخطر في ذهنه، سواء كان صحيحًا أم لا.
ومرة أخرى، الكذب لا يكون فعالًا إلا حين يظن الناس أنك في الأصل شخص صادق. لو كانت بيني وبينك علاقة تمتد خمسةً وعشرين عامًا، وكنتُ صادقًا معك طوال الوقت، فسيكون من السهل عليّ أن أخدعك مرة لأنك تثق بي. أما إذا كنت تعرف منذ خمسةٍ وعشرين عامًا أنني أكذب باستمرار، فلن يكون للكذب أي مفعول، لأنك ببساطة لن تصدقني. هذا هو المنطق. ولذلك، فإن حقيقة أن ترامب يكذب لا تمنحه بالضرورة أي مكسب حقيقي. بل إن الأمر يصل أحيانًا إلى حد يجعل بعض الناس يظنون أنه يصدق فعلًا ما يقوله، وعندها تبدو المشكلة أعمق من مجرد الكذب.
غلين ديزن: أنا سعيد لأننا انتقلنا قليلًا إلى روسيا، لأنها تبدو الآن عنصرًا مهمًا في هذه المعادلة لسببين على الأقل. السؤال الأول: كيف ترى دور روسيا في هذا الصراع؟ الإعلام يتحدث كثيرًا عن أن الروس يزودون إيران بمعلومات استخباراتية تساعدها على ضرب أهداف أمريكية. وبصراحة، كنت أتوقع أصلًا أن شيئًا من هذا القبيل يجري، بل كنت أتوقع أيضًا أن الصينيين قد يفعلون شيئًا مشابهًا، لأن لديهم مصلحة واضحة في ألا تُهزم إيران، ناهيك عن أن الولايات المتحدة نفسها تفعل شيئًا مشابهًا في أوكرانيا. فما تقديرك لمدى تورط روسيا؟ وكيف ترى تأثير هذه الحرب على الحرب الدائرة في أوكرانيا؟
جون ميرشايمر: إذا بدأت بالجزء الأخير من سؤالك، فأعتقد أن هذه الحرب تمثل خبرًا ممتازًا بالنسبة إلى الروس. أولًا، لأنها تعني أن الولايات المتحدة تستهلك موارد ثمينة في هذه الحرب كان يمكن أن تُستخدم لدعم الأوروبيين أو أن تُباع لهم من أجل تزويد أوكرانيا بها. ولا شك في أن هذا يضر بالجهد الحربي الأوكراني، لأننا نستهلك كميات هائلة من الذخائر والأنظمة الدفاعية، مثل منظومات باتريوت وغيرها. بل إننا نرى أيضًا نقل أنظمة مثل «ثاد» و«باتريوت» من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، وهذا يعني أننا نُضعف ردعنا تجاه الصين، ونُضعف سياسة الاحتواء التي نحاول اتباعها معها. أما من ناحية روسيا، فهي تدرك تمامًا أن هذا الوضع ستكون له آثار سلبية على أوكرانيا. وفوق ذلك، كانت الولايات المتحدة والغرب يحاولان منذ فترة طويلة الضغط على الاقتصاد الروسي، لكن هذه الحرب قد تؤدي في الواقع إلى نتيجة عكسية. فإذا تراجع تدفق النفط والغاز من الخليج بشكل كبير، فإن الطلب على النفط والغاز الروسي سيرتفع. ونحن نرى بالفعل مؤشرات على أن الولايات المتحدة باتت مستعدة لغض الطرف عن زيادة مشتريات الهند من النفط الروسي بسبب تضررها من اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج. إذًا، اقتصاديًا، هذا تطور إيجابي جدًا بالنسبة لروسيا. وعسكريًا أيضًا، هو مفيد لها. ولذلك أرى أن هذا الصراع يمثل مكسبًا صافيا للروس من هاتين الناحيتين.
أما فيما يتعلق بما يقدمه الروس فعليًا للإيرانيين، فمن الصعب الجزم بالتفاصيل الدقيقة. لكن يبدو واضحًا أنهم يزودونهم بمعلومات استخباراتية، وهذا يساعد الإيرانيين في إدارة الحرب، كما يحدّ من قدرة الأمريكيين والإسرائيليين على الدفاع بفعالية ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية. ولن أستبعد أيضًا أن يكون الروس قد قدموا مساعدات أخرى قبل الحرب، وربما يستمرون في تقديمها أثناءها، سواء كانت أسلحة أو دعمًا لوجستيًا أو غير ذلك. ومن الممكن أيضًا – إذا احتاج الإيرانيون – أن يقدم الروس دعمًا في مجال الطاقة. ولا يمكن الجزم بما يحدث تحديدًا، لكنني لن أستغرب أبدًا إذا كان الروس، وربما الصينيون أيضًا، يساعدون الإيرانيين بدرجات مختلفة. لدى كلتا الدولتين مصلحة عميقة في أن تُمنى الولايات المتحدة وإسرائيل بهزيمة في هذه الحرب. ولو كنت مكان الصين أو روسيا، لكنت بالتأكيد أفضل رؤية الولايات المتحدة تتعرض لهزيمة محرجة في مواجهة مع إيران. لذلك فالدوافع لدى كل من موسكو وبكين قوية جدًا.
غلين ديزن: ويبدو أن هناك فائدة أخرى لروسيا، وهي أنها قد تحسن صورتها داخل إيران. فإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن العلاقات الروسية الإيرانية مرت بمراحل طويلة من الصراع وعدم الثقة. ولهذا ربما تمثل هذه الحرب فرصة للروس لكي يُنظر إليهم بوصفهم منقذين أو حلفاء موثوقين، بدلًا من أن يُنظر إليهم كخصوم أو شركاء قد يتخلون عن إيران في اللحظة الصعبة. أما سؤالي الأخير فيتعلق بأوروبا، لأنها بدورها تصرفت بطريقة غريبة جدًا. فالاتحاد الأوروبي يقدّم دعمه الكامل – على الأقل على مستوى الخطاب – والعديد من القادة الأوروبيين يبدون وكأنهم حريصون على إظهار الولاء التام لترامب. والبريطانيون أيضًا ضمن هذا الاتجاه، وإن كانت مواقفهم في البداية أكثر ترددًا. فكيف تفسر الموقف الأوروبي؟ وما مدى أهمية المشاركة الفرنسية مثلًا؟ وكيف يمكن أن تتأثر أوروبا بهذه الحرب، خاصة بعدما قطعت إلى حد بعيد اعتمادها على الطاقة الروسية، وها هي الآن تواجه أيضًا خطر اضطراب إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط؟
الاوروبيون يبالغون في مجاملة الولايات المتحدة، ويدعمون مجهودها الحربي، ولا يدينونها على هذه الحرب العدوانية الواضحة، ولا على تعاونها مع إسرائيل، ولا على عمليات الاغتيال أو التصعيد الخطير. والاستثناء الأوضح هنا هو إسبانيا.
جون ميرشايمر: أعتقد أن العواقب الاقتصادية على أوروبا، إذا تصاعدت الحرب ووقعت بعض السيناريوهات التي تحدثنا عنها، ستكون كارثية. والنخب الأوروبية تدرك ذلك جيدًا. في الحقيقة، كانت تتمنى أصلًا ألا تبدأ هذه الحرب، لأنها ليست في مصلحة أوروبا بأي حال. لكن الأوروبيين، كما جرت العادة، يفعلون تقريبًا كل ما يريده الأمريكيون. إنهم يبالغون في مجاملة الولايات المتحدة، ويدعمون مجهودها الحربي، ولا يدينونها على هذه الحرب العدوانية الواضحة، ولا على تعاونها مع إسرائيل، ولا على عمليات الاغتيال أو التصعيد الخطير. والاستثناء الأوضح هنا هو إسبانيا. وهذا السلوك الأوروبي ليس مفاجئًا. فقد تحدثنا من قبل عن أن السبب الأساسي هو خوف الأوروبيين من أن تتخلى الولايات المتحدة عن أوروبا، أو على الأقل أن تقلص وجودها العسكري فيها بدرجة كبيرة. الأوروبيون يريدون الحفاظ على تماسك الناتو، ويريدون بقاء الالتزام الأمريكي الكامل تجاه القارة، وهم يعتقدون أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو التملق لواشنطن، وفي هذه الحالة التملق للرئيس ترامب شخصيًا. لكن السؤال الحقيقي هو: هل للأوروبيين أهمية فعلية في كسب هذه الحرب؟ والجواب في رأيي: لا. قد يكون لهم تأثير هامشي محدود، لكنهم لا يملكون القدرة على تغيير ميزان القوى الحقيقي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
حين يتحدث الرئيس ماكرون أحيانًا، يبدو وكأنه يتصور فرنسا كما لو كانت لا تزال في عصر نابليون، قوة عظمى قادرة على إعادة تشكيل التوازنات. لكن تلك الأيام انتهت منذ زمن بعيد. فرنسا اليوم قدراتها العسكرية محدودة جدًا، وكذلك أوروبا عمومًا، ولا تملك الأدوات التي تجعلها لاعبًا حاسمًا في تطورات الشرق الأوسط. لذلك، فإن هذه الحرب ستحسمها في النهاية مصالح وقدرات الأطراف الثلاثة الأساسية: إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل. أما أوروبا، فمؤسف القول إن مصالحها ستُهمل إلى حد كبير، لأن واشنطن لا تعطي اهتمامًا جادًا لمصالح الأوروبيين، وترامب على وجه الخصوص ينظر إليهم بنوع من الاحتقار السياسي. ولو تضررت أوروبا من هذه الحرب، فلا أظن أن ذلك سيزعجه كثيرًا، بل ربما رأى فيه أمرًا لا بأس به.
أن أوروبا، التي أضعفتها تداعيات حرب أوكرانيا، قد تجد مصلحتها في اتباع سياسة أكثر استقلالًا عن واشنطن، على غرار الموقف الإسباني. فتنويع الشراكات الدولية، خصوصًا مع الصين، واستخدام هذا التنوع كورقة تفاوض مع الولايات المتحدة، قد يمنح الأوروبيين هامشًا أوسع لحماية مصالحهم، بدل الاستمرار في نهج التبعية السياسية الذي لم يعد يحقق لهم المكاسب نفسها كما في السابق.
وباختصار، فإن الوضع الأوروبي كان صعبًا أصلًا منذ حرب أوكرانيا، وهذه الحرب جعلته أسوأ. بل سأذهب إلى قول شيء قد يبدو جريئًا: يمكن المجادلة بأن من مصلحة الأوروبيين أن يتبنوا، بشكل أو بآخر، النموذج الإسباني في التعامل مع الولايات المتحدة. أي أن يكونوا أكثر استقلالًا، وأكثر استعدادًا لمواجهة واشنطن حين تمس مصالحهم. يمكن للأوروبيين مثلًا أن يقولوا للولايات المتحدة إنهم سيحسنون علاقاتهم مع الصين، وإنهم مستعدون للتعاون التجاري والتكنولوجي معها بدرجات أكبر، وإنهم في الوقت نفسه سيدينون بشدة السياسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، وسيفكرون حتى في خطوات عقابية أو ضاغطة. ولأن الولايات المتحدة تحتاج أوروبا في مجالات عديدة، فإن هذا كان سيمنح الأوروبيين هامشًا من النفوذ يمكنهم من حماية مصالحهم. أما الاستمرار في المجاملة والارتهان، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الضرر والتبعية. هذا بالطبع طرح لا يحظى بقبول واسع في أوروبا، لأن العقلية الأوروبية التقليدية مبرمجة على أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع الولايات المتحدة هي اللطف، والطاعة، والخضوع السياسي. وربما كان هذا النهج مجديًا في فترات سابقة، لكنني لا أعتقد أنه مجدٍ مع ترامب. والمفاجئ أن كثيرين في أوروبا لم يدركوا ذلك بعد. ترامب، في كثير من جوانبه، نموذج كلاسيكي للمتنمر. والطريقة الوحيدة للتعامل مع متنمر هي الوقوف في وجهه. إذا أظهرت له ضعفك، فسوف يسحقك. وهذا بالضبط ما يفعله مع الأوروبيين: لا يهتم بمصالحهم، بل يفعل ما يراه في مصلحة الولايات المتحدة، وإذا تضرروا من ذلك فليست مشكلته. كان ينبغي للأوروبيين أن يفهموا هذا الآن، وأن يغيروا سياساتهم تجاه الولايات المتحدة تغييرًا جذريًا، لكن يبدو أنهم لم يفعلوا.
غلين ديزن: بصراحة، لا أرى أن هذا الطرح متطرفًا كما قد يبدو للبعض. فأنا أقول دائمًا إن أهم شريك لأوروبا ينبغي أن يبقى الولايات المتحدة. لكن الحفاظ على هذه العلاقة لا يعني وضع كل الأوراق في سلة واحدة. على العكس، ينبغي لأوروبا أن تنوّع علاقاتها الدولية، وأن تبقي قنواتها مفتوحة مع قوى أخرى مثل الصين والهند وغيرها. فالاعتماد غير المتوازن على الولايات المتحدة يمنح واشنطن نفوذًا كبيرًا على أوروبا، بينما لا تتمتع أوروبا بالمستوى نفسه من التأثير في السياسة الأمريكية. ولهذا فإن قدرًا من التنويع في الشراكات الاقتصادية والسياسية يمكن أن يمنح الأوروبيين هامشًا أوسع لحماية مصالحهم، بدل الاكتفاء بسياسة المجاملة والارتهان التي قد تجعلهم أكثر عرضة للضغط الأمريكي. شكرًا جزيلًا لك، البروفيسور جون ميرشايمر، فقد كان حديثك بالغ الفائدة، وآمل أن نلتقي مجددًا قريبًا.
جون ميرشايمر: شكرًا لك ايضا على وقتك يا غلين. لقد استمتعت كثيرًا بهذه المحادثة، على الرغم من أنني كنت أتمنى لو أن موضوعها أقل كآبة.



